إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ليلة السبت الحزين

أسامة عبد الرحيمأسامة عبد الرحيم

يوماً ما سيلعن جيل النصر القادم من رحم أمتنا جيل الخزي والعار، الذي رضع الوهن في طفولته وشب على توافه الأمور، فعظمت في كهولته الصغيرة وانشغل بتفاصيلها، وصغرت في شيخوخته الكبيرة واستهان بمصائبها، وما عاد يعرف في هذا الكون معروفاً ولا ينكر منكراً.  

ولكن إلى أن يأتي ذلك اليوم لن يتبقى من الأقصى سوى أحجار للذكرى، وحتى هذه لن تكون في متاحفنا الفنية، بل ستستقر في تل أبيب لترصع حوافر الكنيست، حينها سيطرق التاريخ خجلاً حين يذكر هتافات الملايين التى تحلقت حول مباراة قابيل وهابيل، تدعوا بالثبات والفوز والتمكين لأحد الشقيقين في معركة الشرف والكرامة، التى حمى وطيسها ليلة السبت الحزين على ستاد القاهرة.

إلا إن الأقصى لمن يجهل ذلك لم يعد يحتمل..

نعم أيها الحمقى والمغفلين والمتواطئين لم يعد يحتمل..

وقد تعب قلبه المثخن بالأسى والحزن على صراخ الحناجر التى بُحت ليلة السبت الحزين، يوم ان خسر الأحمر والأخضر معاً، ولاحت بسمات التشفي من أفواه بيريز ونتنياهو وليفني وليبرمان، ونام جنود المارينز فوق أفخاذ الحرائر في سجون أبو غريب آمنين مطمئنين، غير عابئين بصراخ عفتهن الذي أبكي دجلة والفرات، لأنه لن يصل إلى مسامع الحمقى الذين خرجوا يتراقصون في الشوارع حتى الصباح.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

تعب قلبه من مشهدكم ليلة السبت الحزين وانتم تشعلون الإطارات في ضواحي باريس وتهشمون واجهات المحال التجارية، وتنفثون حمم غضبكم وحرقتكم من أجل خسارة فريقكم في مباراة ، فاقت خسارة أمتكم في كل مبارياتها التى شاركتم فيها.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

دمعت عيناه وهو يرى الجميع ما بين ضاحك وباكي وسعيد ومجروح لا لشئ سوى من نتيجة مباراة التأهل لكأس العالم، بينما هو يبصر خمس وأربعين أسرة مقدسية في ذات الليلة الحزينة وقبل المباراة بأربع ساعات يحزمون متاعهم للرحيل، بعد ان تسلمت قررات العدو الصهيوني بهدم منازلها، التى يسبق تاريخها تاريخ وعد بلفور بمائة عام.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

وهو يرى خمس وأربعين أسرة مقدسية تعبت وما عادت تحتمل هى الأخرى، بينما الملايين شغلتهم كرة تتقاذفها أقدام ورؤوس الجيشين العظيمين، فتعانق الأبناء والآباء في محرقة من البكاء يحتضنون شجيرات الزيتون التى تحتضر برحيلهم، بينما لاح التشفي على وجوه شرطة العدو، وقد استطاعوا قطع المزيد من شجر الزيتون الذي يمنعهم من هدم الأقصى.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

وهو يرى العدو يطمئنهم ويؤكد لهم أنه برغم انشغال أمتهم بمعركة الشرف والكرامة على ستاد القاهرة ؛ إلا أنه رتب كل شئ وبعد قليل تلتقطهم سفارة أو قنصلية أوروبية، تختم لهم الجوازات وتسمح لهم بان يقيموا ويغرسوا ذكرياتهم في ثلوج اليأس والغربة، لتذبل أوراق الزيتون وتشيخ أغصانه في نهاية القصة ثم يودع الروح ويموت.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

ودموعه تسيل ليلة السبت الحزين بالرغم عنه في صمت، وهو يسمع صيحة الملايين رجالاً ونساءً وشباباُ وشيوخاً وحتى الأطفال أمام الهدف الأول، وكم تمنى صيحة مثلها في وجه بني صهيون، تزلزل كيانهم وتهدم بنيانهم وتتبر ما علوا تتبيرا، صيحة تذيب أسلاك حدود سايكس بيكو التى نسجتها العنكبوت، ويرتعد منها مجلس الأمن وتصنع للأمة مقعداً دائماً ضد فيتو الخمسة ظالمي العضوية.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

وهو يرى خمس وأربعون زيتونة مقدسية جمعت أغراضها ولملمت ذكريات عروبتها، ومضت معذورة فلا طاقة لها ليلة السبت الحزين بنتنياهو وجنوده، لم يسمع أحد بكاؤهم ولا صراخ أطفالهم وهم يقتلعون من أرضهم، غادرت في صمت كما هى عادة مآسينا التى تحدث دائماً وأبداً في صمت.

لكنهم حين سمعوا صيحة الملايين في ليلة السبت الحزين التفتوا خلفهم وقد خدعهم الأمل، وظنوا أنها صيحة رجال أمتهم انطلقت لترفع الظلم عنهم، وفي لحظة خدعة الأمل هذه نسوا أن هذه الأمة أصابها عقم الرجال، وما عادت تلد إلا ذكوراً ويعاسيباً مثل يعاسيب النحل، فأطرقوا ثانية وقد بلغ بهم الأسى مبلغه، ومضوا إلى حال سبيلهم وهم يتحاشون النظر إلى الأقصى حتى لا يجهشون بالبكاء وينفلق في القلب جرح الفراق.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

وهو يرى الملايين يوم السبت الحزين بين ضاحك وباكي من أجل كرة من البلاستيك تدور في ستاد القاهرة، بينما بكى الشجر والحجر برحيل المرابطين عن ديارهم، وصرخ الحجر والشجر صرخة ثكلي منادياً يا مسلم يا عبد الله أين أنت..ورائي صهيوني يمزق أقصاكم ويحفر الأرض من تحته أقدامه.. يا مسلم يا عبد الله أين أنت..ورائي ألف ألف تخطيط ومؤامرة..فالأمس كان عراقكم واليوم حجازكم وغداً ثور النيل تنهشه الأنياب الصهيونية.

نعم أيها الحمقى والمغفلين لم يعد يحتمل..

بعد أن سكت الحجر والشجر وجفت دموعه وهو يبصر شجر الزيتون يبتعد مغادراً ، والحفريات تعصر الحياة من شرايين الأقصى، بينما لم تجبه سوى صيحة الملايين حينما سجل جيش مصر العظيم هدفه الأول في شباك خصمه قابيل في معركة الشرف والكرامة على ستاد القاهرة..!

 


أسامة عبد الرحيم
صحفي مصري
Osama Abdul-Rahim
Egyptian Journalist
0020105276035

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد