إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عقلية داحس والغبراء والبحث عن عدو

عقلية داحس والغبراء والبحث عن عدو
عمــاد عــودة
يا للهول , رغم تعاقب القرون تطل علينا داحس مصر وغبراء الجزائر وكان العقل العربي توقف منذ داحس الأولى وبقي على حاله حتى اليوم . حالة الاستعداء غير المسبوقة التي تمر بها احدى اكبر الكتل البشرية الممثلة للعرب على هذا الكوكب اليوم توضح مدى الأزمة الفكرية التي تعصف بهذه الامة .
غزة تحت الحصار والقدس يتم تهويدها ومقاعد الزعماء يتم اغتصابها توريثا او تزويرا , صناعتنا في الحضيض وزراعتنا في الدرك الأسفل من سلم الشعوب , جامعاتنا تحولت الى معاول هدم للعقول وخلافاتنا لا حد لها ولا يتطور في حاضرنا سوى أجهزة القمع والاعتقال ’ وبرغم ذلك كله فنحن مسكونين بصافرة الحكم التي ستعلن عن فوز فريق ضد اخر ومعها ملايين الآهات فرحا أو حسرة .
على هدير الله اكبر وصيحات النساء والأطفال ووقع أقدام الأبطال وهي تهز الأرض من تحتها سيقابل الابطال المصريون عدوهم الجزائري اللدود الطامع في مونديال مانديللا . كل السلاح سيكون مصوبا الى صدر العدو الجزائري فهذه ام المعارك وفيها يفرق كل امر عظيم .
هذا زمن الحليم الحيران , وهذا زمن يجوز فيه الترحم على جاهلية داحس والغبراء فتلك كانت جاهلية اجبارية قبل الرسالة اما جاهليتنا اليوم فهي اختيارية ومن صنع ايدينا وبمباركة حكامنا بل وصنع ايديهم وايدينا .
وددت لو ان حماس هذه الشعوب وحبرها المسكوب على مباراة في كرة القدم تم توجيهه الى حيث المآذن الحزينة في القبلة الأولى ولو قدر لمن سيحضرون المباراة في الملعب او في بيوتهم ان يشكلوا قافلة اغاثة نحو معبر رفح لتم كسر الحصار الى غير رجعة .
هل المطلوب ان نوجه غضب الشعوب صوب حكم المباراة المسكين ونترك الهوامير تنهش في لحم فقرائنا وقوت يومهم , هل ستنشأ حضارة جديدة واعدة بعد الفوز في المباراة وهل ستتحسن احوال صناديق الاقتراع وتبيض السجون لو فزنا في المباراة .
المتتبع لأحوال طرفي المباراة يجد ان مصر العظيمة تعاني من أكوام الزبالة في شوارع عاصمتها ويذهب كل خيرها الى عشرة بالمئة من ابنائها ولا يتعدى دخل فقرائها اربعة جنيهات استرلينية في الشهر ناهيك عن انها مصابة في اعلى هرمها السياسي وتعصف بها رياح التوريث وفوق ذلك كله فمصر الرسمية ساهمت ولا زالت تساهم في حصار ابناء جلدتها ولغتها ودينها .
أما على طرف المباراة الأخرى فالوضع ليس باحسن حال فلا تداول سلمي للسلطة ولا حرية تعبير ولا مؤسسات حكم ذات قاعدة شعبية ولا صناعة ولا زراعة ولا مكانة بين الأمم ناهيك عن حكم العسكر وجبروتهم وهذا حال معظم العرب ان لم يكن حالهم جميعا .
أمام كل ذلك لا بد من ايجاد عدو نتلهى به امام الشعب ونفرغ به شحنات الغضب فعدونا الطبيعي – اسرائيل – لا يمكن مقارعته في النهار واستجداء عطفه في الليل لكي يبقى الحاكم حاكما والوزير وزيرا .
اذن لا بد من عدو نصنعه بايدينا ولو كان جزائر المليون شهيد أو مصر العروبة وهذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها دهاقنة السياسة الى مثل هذا الأمر, فأثناء العدوان على غزة حاولت بعض الأقلام المسمومة تصوير حماس على انها عدو لمصر ولها مطامع في أرض سيناء , وقبل ذلك كان النظام العراقي هو العدو لأنة يحاول الاستيلاء على دور مصر الريادي وقبل المباراة وبعدها فان ايران هي العدو بزعمهم لانها ذات اطماع توسعية ومذهب مغاير.
على كل الهتافين ان يعلموا ان استحداث اعداء لكل مرحلة لا معنى له سوى ان عدو الأنظمة الحقيقي هو الشعب الذي يدمر بهتافاته كل اواصر الأخوة والتعاضد بين ابناء الأمة التي فرقتها السياسة واعماها الفقر والجهل عن تحديد عدوها الحقيقي .
عظم الله اجركم واجرنا في الغوغاء من ابناء امتنا .
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد