إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

كرة.. وأنظمة.. وشعوب!

كرة.. وأنظمة.. وشعوب!

بقلم: زياد ابوشاويش

أبدأ بالطيب من أخبار النتائج الغريبة لمباراة مصر والجزائر في تصفيات إفريقيا الممهدة لمونديال عام 2010 والتي فاز فيها منتخب الجزائر وتأهل للمشاركة فيه حيث اتصل وزير الخارجية الجزائري بنظيره المصري ليتفقا على كيفية الحفاظ على مصالح بلديهما في كلا الدولتين والعمل على تهدئة الخواطر لوقف نزيف المحبة والأخوة والعروبة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين وهذا في حد ذاته يمثل بداية صحيحة لمعالجة الآثار الكارثية للمباراة.

بعد ذلك دعونا نتمعن في تداعيات الحدث ومآلاته وإلى أي حد مخيف سيقودنا النظام في مصر والنظام في الجزائر من أجل مصلحة هذين النظامين وتأمين الالتفاف الشعبي حولهما على خلفية التحريض بوطنية زائفة لا تقدم لشعبي البلدين أية خدمة أو تحقق لهما أية مصلحة.

الحكومة الجزائرية والرئاسة وافقت على إرسال مجموعة من البلطجية وخريجي السجون وكذلك طعمت الجمهور المشجع لفريق بلده القادم للخرطوم ببعض أفراد من قواتها الخاصة، وفي المقابل قامت حكومة مصر ووسائل إعلامها بحشد كل قدرات مصر وراء فريقها الوطني على خلفية الخصومة وليس الروح الرياضية أو العربية مما يجمع بين الشعبين الشقيقين.

النتيجة المنطقية لكل هذا سلسلة الأحداث وردود الفعل وكل ما نشاهده اليوم في معركة أجزم بأنها كانت ستقود لحرب حقيقية بين البلدين لو كانا يملكان حدوداً مشتركة وعلى نفس الطريقة التي شن فيها السادات حربه الشهيرة على ليبيا عام 1977 الذي شهد زيارته المفجعة لإسرائيل.

للمرء أن يتقبل ويتفهم كذلك حماس الجماهير للمباراة وتأييدهم لمنتخب بلدهم وتشجيعهم له بكافة الطرق والوسائل المشروعة بما في ذلك التعبير إعلامياً عن التمني بالفوز لهذا الفريق ورفع أعلام ويافطات المناصرة لحث اللاعبين على أداء متميز يمنحهم الفوز إلى آخر ما هناك من أشكال التعبير الشعبي العفوي والطبيعي، أما أن تتحول هذه الأشكال والتعابير إلى تعبئة عنصرية تفترض في الشقيق عدواً لابد أن ننتصر عليه كما حدث بين الجزائر ومصر فهذا أمر غير مقبول ويجب التصدي له من كل العقلاء والحريصين على وحدة هذه الأمة وتضامنها، ولم يكن ينقصنا حقاً إلا هكذا منازلات لكي تكتمل الصورة السيئة لواقعنا المرير.

السؤال الذي تجب الإجابة عنه في هذا المقام يتلخص في أمرين الأول: لماذا تركت حكومتا البلدين وسلطاتهما العنان لهذا الانفلات الأعمى في المشاعر والسلوك؟ والثاني: من هو المستفيد من هذه المشكلة العويصة ومن الخاسر؟

إن الإجابة عن كلا الأمرين لا يحتاج لشروحات أو كبير تفكير لمعرفة أن هذه المعضلة تعاظمت بسبب اعتماد الدولتين على المستوى الرسمي لسياسة التحريض التصعيدي بدعوى الوطنية يساندهما إعلام حكومي وخاص يستفيد من هكذا حالة للترويج والدعاية.

وكذلك من الواضح (بعد الالتفاف الكبير للجماهير المصرية حول الرئاسة ومثل هذا في الجزائر) أن المستفيد بعد العدو الصهيوني من كل ما يجري هما نظامي مصر والجزائر، فكلاهما كانا في حاجة ماسة لهذا، الأول لاستعادة ثقة الناس وللتوريث والثاني لفك العزلة الداخلية، وكما لاحظنا فقد استخدم الجمهور الجزائري وعن توجيه وتقصد شعار “افتحوا معبر رفح” في مواجهة المصريين، وفي مصر رفعوا شعار “حلم 80 مليون مصري”، ومنطقي أن من يقتل هكذا حلم هو عدو.

كان بإمكان الدولتين وقف هذه المهزلة بقرار من الحكومتين باعتبار المباراة بين فريقين من بلد واحد وليس كما جرى، ومنع كل وسائل الإعلام والأقلام المسمومة من التحريض واعتماد سياسة الوقوف وراء أي فريق منهما باعتباره يمثل الكل في حال فوزه، ولو سمع كلا الشعبين هذا الكلام من رئيسي البلدين لتوقف كل هذا الحقد والتنافر الذي لا سابق له في تاريخنا المعاصر. الغريب أن الاعتداءات غير المقبولة لبعض الجمهور الجزائري على الجمهور المصري في ختام المباراة جاءت رغم فوز الجزائر وهذا يوحي بأن هناك سابق ترصد للقيام بذلك بغض النظر عن نتيجتها وهذا يعني دخول القصة في باب السياسة وليس الرياضة وهذا أمر مدان بكل المعايير، وفي المقابل فإن ترديد شعار إعادة الكرامة لمصر والمصريين بسبب هذه الاعتداءات يدخل الموضوع تحت نفس العنوان ويخرج الأمر عن حدوده الطبيعية وهذا أيضاً مدان بكل المعايير. وفي المحصلة لا يعود هناك أي موضوعية أو اتزان في تقييم المواقف مما يجري ويصبح محظوراً على الكاتب أن يقول كلمة حق أو وقائع تدين هذا الطرف أو ذاك لأن انتقاد سلوك الحكومة المصرية والتحريض الذي مارسته سيعني العداء لمصر في نظر هؤلاء وذات الأمر بالنسبة للجزائر التي تتحمل النسبة الأكبر من المسؤولية عما جرى حين ذكرت وسائل إعلامها أن هناك ثمانية من الجزائريين قتلوا في مصر بعد مباراة منتخبهم مع منتخب مصر بالقاهرة وفازت بها مصر في الوقت الذي لم يقتل أي جزائري جراء ذلك.

الوقائع كثيرة وكبيرة ومؤلمة جداً ولكن سأكتفي بذكر مثال يدل على حجم المأزق والكارثة التي نحن بصددها ويتحمل مسؤوليتها نظاما البلدين فقد سمعت الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري وهو الرجل العاقل والمتزن يقول على الهاتف لمذيعة في أحد القنوات المصرية الخاصة: كنت أؤمن بالعروبة وأدافع عنها ولكن بعد تداعيات المباراة لم أعد كذلك وبت أشك في وجود عروبة….إلى آخر ما هناك فهل هذا معقول؟ وفي المقابل تخرج علينا تصريحات من الجزائر لا تجد من يوقفها في بلد المليون شهيد تقول: الجزائر لم تعد تؤمن بالعروبة وهي ليست عربية في الأساس….فهل هذا معقول؟

الوعظ هنا لن يكفي لتصحيح الخطأ الفادح ولابد من عمل دؤوب على مدار الساعة لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي بين أبناء أمة واحدة يجمعها تاريخ واحد وأحلام وتطلعات واحدة وعدو واحد أيضاً، وجغرافيا واحدة قسمها المستعمر كي نواجه ما نحن فيه اليوم وما يمكن أن يجره ذلك علينا جميعاً إن لم يتوقف هذا المسلسل الشيطاني، فهل تستيقظ شعوبنا وتقول كفى؟.

[email protected]

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد