إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ليلة الهروب من الخرطوم: حين تقود الغوغاء الشعوب

Sudaan(2)
محمد فؤاد، المطرب الشهير تحشرج صوته في صرخة استغاثة: «الحقونا… إحنا بنموت». مبالغة حوّلت المشاعر بالخسارة المصرية أمام الجزائر في مباراة كرة القدم، إلى سخط وصل بالمذيع على قناة «أوربت» إلى الحد الأقصى، وظل يصرخ: «الحقوا المصريين في السودان… المصريون بيموتوا في الخرطوم… أنقذوهم وإلا فسنقتل الجزائريين في مصر».
هستيريا أفرغت الساحة تماماً للغوغاء. الأنباء تتوارد في الإذاعات والفضائيات مع استغاثات عن حالة فوضى شاملة بعد هجمات مشجّعين جزائريين أولاً بالحجارة لتكسير الحافلات، ثم بالأسلحة البيضاء.
الهجوم أثار الفزع الكبير، وخصوصاً مع غياب قوى الأمن السودانية المشغولة في الملعب أو المرافقة للبعثة الرسمية (الفريق إضافةً إلى علاء وجمال نجلي الرئيس حسني مبارك).
التعازي في الهزيمة محتها سريعاً صيحات الاستغاثة عبر أجهزة الهاتف المحمول، وصوت موفدين لإذاعة «الشباب والرياضة» المصرية وهو يبلغ عن سقوط قتيل. قتيل؟ صرخت مجموعة عادت بالعلم المصري منكّساً من أحد تجمعات المشاهدة الكبيرة التي ملأت القاهرة. السفير المصري في الخرطوم نفى علمه بالقتيل، ولا حتى بهجمات «بلطجية نزلوا الخرطوم واشتروا الخناجر والسكاكين والسيوف»، كما قال وزير الإعلام أنس الفقي، في مداخلة متكررة مع إذاعات وفضائيات، مشيراً إلى جهود حكومية لإنقاذ المختبئين في بيوت الخرطوم ومطاعمها.
ليلة الانتقام قلبت القنوات الرياضية إلى قنوات حربية، واستُخدمت فيها تعابير «الجبهة» و«خط النار» لتمزج السخرية بحالة الهلع على المشجعين، الذين لم يعرف أحد عددهم، وإن كانت التقديرات تراوح بين ٨ آلاف وأرقام أقل (حسبما قال مشكّكون في صدقية الحزب الوطني، الذي تولّى تدبير أكثر من طائرة للسفر).
«أين جمال وعلاء؟»، تساءل مشجع محبط من النتيجة ومن الحكومة التي فشلت في تجهيز فريق مشجعين محترف، بدلاً من طائرات الحزب وممثلين ومطربين ليس لديهم خبرة احترافية في التشجيع. أحد روّاد المقهى ردّ على سخرية المشجع بجدية، وأخبره بأنهما عادا على طائرة رجل الأعمال محمد أبو العينين.
صحافي مطّلع أخبر رواد المقهى أن رجل الأعمال يقود الطائرة بنفسه. صحافي آخر رد عليه بسر أقوى: «تأمين جمال وعلاء وبقية الرجالة الكبار في الحزب كان مسؤولية ١٣٠٠ بلطجي سوداني جرى تأجيرهم بمعرفة رجل أعمال له مشروعات في السودان».
بعض القنوات التلفزيونية قررت عدم النوم، وفتحت إرسالها للاطمئنان إلى المصريين. وصلت مكالمة ساخنة تتحدث عن حصار جزائري حول المطار من أجل اصطياد المصريين. زاد القلق وظهر من جديد وزير الإعلام ليتلو الخبر المهمّ: «الرئيس مبارك اتصل بالرئيس عمر البشير وأخبره إن لم تكن قوات الأمن السودانية قادرة على حماية المصريين فإن القوات المصرية ستقوم بذلك».
ابتسم نادل في المقهى وقال: «لقد نسوا ما حدث في العراق ويحدث في ليبيا والسعودية و….و..»، الصحافي رد عليه: «لكن هذه أوضاع مختلفة تماماً». النادل عاد بالسخرية نفسها: «الله يحمي صدام حسين». ولم يفهم الروّاد الإشارة إلّا بعدما شرح النادل بأن هذا الموقف يحتاج إلى رئيس مثل صدام حسين. ردّ عليه أحد الروّاد: «صدّام ليه… (الرئيس الراحل أنور) السادات كان يكفي، يلقّن من يعتدي على أبناء شعبه درساً لا يُنسى».
الحميّة زادت والفاتورة الثقيلة تذهب باتجاه النظام، الذي لا يستطيع حماية أبناء شعبه. المذيع الرياضي تلقّى استغاثة من الجزائر «نحن محاصرون… أنقذونا». لقد عاد حصار المصريين العاملين في الجزائر، بعدما هدأت نار الانتقام لشهداء القاهرة. لكن لم يكن في القاهرة شهداء، وهذا ما أكده السفير الجزائري في القاهرة، عبد القادر حجار، عندما أوقظه المذيع الرياضي من نومه. السفير أبلغ المذيع أنه كذّب الخبر لكن الصحف لم تنشر التكذيب.
السفير النائم لم توقظه وزارة الخارجية، التي استدعته صباح اليوم التالي، في ما يبدو أنه بداية أزمة سياسية يقال في أوساط الجزائريين إنها بسبب خلاف «بيزنس» خفيّ حول استثمارات جمال مبارك في الجزائر، وآخرين حول دور الرئيس مبارك في دعم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في مواجهة خصومه في الجيش.
هذه خلفية التصعيد التي وصلت إلى تدمير منشآت مصرية في الجزائر، وعودة المصريين على طائرات في وضع الهروب أو النجاة من الموت. رجل الأعمال نجيب ساويرس أعلن أن خسارة شركته (المتخصصة في المقاولات) تصل إلى خمسة ملايين دولار من جراء حصار المهووسين بكرة القدم.
القاهرة لم تنم وكذلك الجزائر. الفرحة الطاغية في الجزائر ودعوات إعادة الحق بالتظاهرات والوقفات الاحتجاجية الموجهة ضد «أشقاء» وصلوا إلى أقصى حدود الكراهية. عادت فلول الهاربين من «مذابح» الخرطوم بإحساس الهزيمة والحسرة ومناظرهم في مطار القاهرة ذكّرت المتعصب للوطنية المصرية بمشهد العودة من سيناء في ١٩٦٧. وعاد الجزائريون إلى عاصمتهم مكلّلين بانتصار وانتقام لمذبحة القاهرة ولشهداء لم يقتلوا.
وبقيت الكراهية وحدها تشير إلى الأكاذيب الكبرى التي تعيشها شعوب يقودها الغوغاء.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد