إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

في تعريف كرة القدم: تلعب بالقدم.. لا بالكرامة.. بقلم: علي الصراف

Qadam
من رأى كيف كان يبكي المصريون والجزائريون على الخسارة، كلٌ أمام الآخر، قبل أن يعرف ان البكاء كان على مباراة لكرة القدم، لكان من حقه أن يسأل ما إذا كانت فلسطين قد تم احتلالها من جديد، أو ما إذا كان المسجد الأقصى قد تعرض للحرق من جديد، أو ما إذا كان الإستعمار الأجنبي قد عاد.
ولكنهم كانوا يبكون على لعبة كرة قدم؛ الخسارة جزء من طبيعتها. الأمر الذي يكشف أن هؤلاء الناس (رغم كل الهستيريا التي أظهروها حتى الآن) لا يفهمون اللعبة، ويحتاج ان يُعاد تقديمها لهم، ابتداءً من التعريف، لعلهم يفهمون.
“كرة القدم”، هي كرة تُلعب بالقدم، لا بالكرامة. أي أن المرء عندما يركل الكرة لا يستخدم كرامته، وانما عضلات رجليه. والعضلات، على عكس الكرامة، قد تقوى أو تضعف أو يصيبها الإنهاك خلال اللعب أو أثناء التدريب، مما يحول دون تسجيل أهداف.
في حين ان الكرامة لا تضعف. كما انها لا تحتاج الى مدرب. ولا يوجد في أي بلد في العالم مدرب للمنتخب القومي لرفع مستوى الكرامة.
وفي الواقع، فان من يرهن كرامته بكرة القدم، لا كرامة له. لان طبيعة الأمر، في كرة القدم، أن تخسر. بينما طبيعة الأمر في الكرامة أن تربح.
والوطن ليس كرة. أولا، لانه لا يجوز أن تتقاذفه الأرجل. وثانيا، لانه ليس مكورا، ولا مصنوعا من جلد البغال او الحمير، حتى وإن كان الكثير من مواطنيه ومسؤوليه يتصرفون كبغال أو حمير.
ومن يعامل كرة القدم على انها “قضية وطنية” فانه يقصد بالأحرى إهانتها. (إهانة الكرة). إذ أن “قضيةً وطنية” توضع بمنزلة كرة قدم، أو تُحمل على محملها، لا بد أن تكون وضيعة الى درجة لا يجوز أن يرتفع مقامها الى مصاف كرة قدم.
وكرة القدم رياضة يلعبها أناس يستطيعون إستخدام أرجلهم أكثر من أدمغتهم. وهذا ليس عيبا بحد ذاته. ولكنه يتطلب من الذين “يستخدمون أدمغتهم أكثر من أرجلهم”، أن يتصرفوا بما تمليه عليهم من حكمة واتزان وتعقل. فإن لم يفعلوا، ووجدوا أنفسهم يركضون وراء مشاعر الرعاع والغوغاء، صار لا فرق بين أرجلهم وأدمغتهم. وصار من الضروري أن يرتدوا الأحذية، فوق، لا تحت. أو فوق وتحت.
وكرة القدم، رياضة. بمعنى انها نشاط جسماني وتدريب ومهارات فنية، وليست عملا نضاليا. كما انها ليست مشروعا قوميا، ولا علاقة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بمستقبل الاجيال، ولا بالاقتصاد الوطني، ولا بالمكانة التي يحتلها البلد، ولا بأي شيء آخر ذي قيمة ثقافية أو سياسية أو استراتيجية.
والقاعدة الأولى في كرة القدم، كما في أي رياضة أخرى هي: قبول الخسارة. لماذا؟ لانه من دون قبول الخسارة، لا يمكن تحقيق أي تقدم في المستوى. الخسارة حافز. كما أن الفوز حافز أيضا. ولكن أحدهما يشترط الآخر. بمعنى أبسط (والتبسيط موجه لكبار المسؤولين): إذا كنت لا تستطيع ان تربح دائما، فأول شيء يجب أن تتعلمه (وتُعلم رعاعك عليه) هو: كيف تقبل الخسارة. (لانها قادمة، يا غبي).
وخسارة اليوم، هي فوزٌ غدا. والفوز اليوم، هو خسارةٌ غدا.
هذه هي اللعبة. إنها… “لعبة”. هل فمهت؟
سأشرح أكثر. لعلك تفهم.
اللعب، لعب، لان موضوعه هو التسلية. والهدف من التسلية هو الترويح عن النفس. لا المراهنة على القضايا القومية الكبرى، ولا المجازفة بها.
المنتخب الوطني لا يلعب بالبرلمان. والبرلمان لا يبحث مشاريعه في على “البساط الأخضر”. لانه لو فعل لانتهى البلد برمته جالسا على “البساط الأحمدي” او “على الحديدة”، وساعتها لن يمكنه ان يفوز بالجد ولا بأي لعبة.
والذين لا يعرفون كيف يخسرون، لا يستحقون الفوز. لأنهم لا يفهموه.
إساءة فهم الفوز، ليست أقل شرا من إساءة فهم الخسارة. فكلاهما ينمّان عن سوء فهم للعبة (كلعبة).
والقاعدة الذهبية هي: عندما يفرح الفائزون، لا يذهبون بفرحهم بعيدا، لان اللعبة (كما يثبت سجلها) تعدهم بالخسارة. وعندما يخسر الخاسرون، فأنهم لا يحولونها الى “مأتم وطني”، لأن الفوز ممكن في المرات القادمة. وهذا ما حصل للفريقين معا (المصري والجزائري) في غضون اقل من أسبوع.
ولكن “جمهوري” الفريقين لم ينظرا الى الربح الموعود في الخسارة، ولا الى الخسارة الموعودة في الربح. لانهما، أولا، لا يفهمان اللعبة. وثانيا، لانه ليس لديهما ما يفهمان به!
وأحسن فرق العالم تخسر. وهي تخسر مع أضعفها أحيانا. كيف؟ لان المسألة هي مسألة أقدام ومصادفات وكرة. الأقدام تركض، والكرة تُتقاذف، ولا تعلم حتى الشياطين الزرق ماذا يمكن أن يحصل.
سوى أن التدريب وحسن الإعداد واختيار التكتيكات المناسبة يمكن ان تساعد في ضمان الفوز. ولكن الخسارة تظل إحتمالا قائما.
ولهذا السبب، فان كرة القدم “مشوّقة”. لانها يمكن أن تأتي (في الكثير من الأحيان) بما لم يكن متوقعا.
من لا يفهم هذه الطبيعة، لا يعرف ما هي كرة القدم. ومن يُعلق عليها أمورا أبعد من حدود الملعب (من قبيل علاقاته من السيدة حرمه، أو جيرانه، أو البلد المجاور)، فكأنه يقول انه لا يفهم الأمرين معا. وبالتالي، فمن المجازفة، بمكان، الرهان عليه في أي شيء.
ولو كانت كرة القدم “قضية وطنية” الى حد البكاء، وتمس الكرامة الى حد العويل، فقد كان من اللازم حل الجيش وتكريس ميزانيته لايجاد لاعبين بمستوى رونالدو ورونالدينو وزيدان فقط. اما الإكتفاء بلاعبين “نص ونص” وطلب الفوز منهم في جميع المعارك الوطنية، فهذا أمرٌ ينطوي على سخافة.
ومن الخطأ اعتبار الفريق الجزائري (الذي فاز بالتأهيل) ممثلا للعرب في كأس العالم. فهذا الفريق لا يمثل الجزائر نفسها، فكيف له أن يمثل العرب؟
لا أعرف كيف يمثل هذا الفريق، بأقدامه، مالك بن نبي، أو رشيد بوجدرة، أو محمد اركون، أو كاتب ياسين، أو مصطفى شريف، أو الطاهر وطار أو أحلام مستغانمي، أو ياسمينة صالح، أو العشرات غيرهم.
ولا أعرف كيف كان يمكن أن يمثل الفريق المصري (لو كان هو الذي تأهل)، طه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وسلامة موسى، ومحمود امين العالم، وحسن حنفي، وإحسان عبد القدوس، وأحمد زويل، ومحمد عبدالوهاب، محمد عمارة، ونوال السعداوي، والعشرات غيرهم.
وقد يبتهج المرء أو يحزن لفوز أو خسارة فريق بلاده لكرة القدم، إلا انه لا يستطيع ان يضع كل البيض في سلة، ويضربها بالقدم.
وفريق البلاد لكرة القدم، في النهاية، ليس سوى فريق… لكرة.. القدم.
وقد يمثل شيئا من أقدام البلاد، ولكنه لا يمثل شيئا من قيمها ولا تاريخها ولا ثقافتها ولا أدبها، ولا امكانياتها الأخرى.
شخصيا، لا أريد ان يمثلني منتخب لكرة القدم.
وبالقليل من الدماغ الذي أملك، فمن حقي أن أشعر بالعار عندما يُمثلني… قدم.
 
www.mutawassetonline.com
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد