إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مصر والجزائر.. يوم التقى الجمعان! بقلم: سليم عزوز

 Jam3aan
ذنب ما جرى من تصدع للعلاقات المصرية الجزائرية في رقبة الإعلام الموتور.. وذنب ما جرى للمصريين في السودان أيضا في رقبة الإعلام الموتور.. وذنب المشجع المصري الذي تم اغتياله في الخرطوم في رقبة هذا الإعلام الموتور، وكل هذه الجرائم معلقة أيضا في رقبة أنظمة فاقدة للشرعية، وتبحث عن شرعيتها في صناديق القمامة.. هنا وهناك.
معذرة لهذه المقدمة غير العاطفية، فهذه سطور اكتبها بعد ليلة كاملة قضيتها متنقلا بين الفضائيات بحثا عن الحقيقة فيما جرى للمشجعين المصريين من حصار على يد المشجعين الجزائريين، الذين فاز منتخبهم القومي في المباراة، فتعاملوا كما لو كانوا قد انتصروا في حروب الردة.
الإعلام هو المسؤول عن كل ما جرى.. إعلام الهواة والجهلة، الذي أنتجته أنظمة مأزومة، وتستغله لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية، ليتم التركيز على ما لا ينفع الناس ولا يمكث في الأرض، فيصبح طبيعيا ان تتحول مباراة لكرة القدم الى حرب داحس والغبراء، يفقد فيها الناس صوابهم، وتتحرك بسببها الجماهير المشحونة وكأنها حيوانات مفترسة، نزلت من البراري لتكون هذه هي المرة الأولى التي تقع عيونها على جنس البشر.
الراحل الأنبا متي المسكين كان رجلا بليغا، وعندما وقعت حوادث الفتنة الطائفية في أواخر عهد الرئيس السادات، التقى الرئيس ووجده غاضبا، فأراد المسكين ان يهون عليه الامر فقال: ان المتسببين في هذه الفتنة هم رعاع المسلمين ورعاع المسيحيين. وقد طفت هذه العبارة على سطح ذاكرتي منذ ان تحولت مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر الى فتنة لا تصيبن الذين ظلموا كافة.
فالإعلام التافه هنا وهناك هو وراء ما جرى.. والأصل في الإعلام انه يقود الرأي العام للتقدم، فإذا به يقوده الى الهاوية، واستغل اهل الحكم ايضا هنا وهناك حالة التعبئة الجماهيرية ليسعوا الى كسب شرعية، لم يستطيعوا كسبها بالآليات الطبيعية لذلك.
ظل الإعلام يشحن الرأي العام، حتى ظن القوم هنا وهناك ان الانتصار في المباراة والصعود الى كأس العالم، هو صعود بالبلد الى المريخ.. الكوكب لا الفريق، وانه امر يمثل إنجازا في العلم الحديث غير مسبوق، مع يقين الجميع ان الصاعد هابط من الضربة الاولى عند لقاء الفرق الأوروبية، لكن كم رائعا ان تنتصر مصر على الجزائر، وكم سيكون مبهجا للجزائريين ان ينتصر فريقهم على المنتخب المصري.
من قبل هتف عمرو أديب، عبر فضائية ‘ الاوربيت’: انا لا اعرف لماذا يكره الجزائريون مصر؟، وكان ما قاله بمثابة ‘كلمة سر الليل’، فانتصب الإعلام هنا وهناك يشحن الجماهير في معركة المصير الكبرى.
هذا الفتى لا يعرف الفارق بين تقديم البرامج التلفزيونية، والمناداة في ‘سوق الجمعة’ على طفل تائه. شاهدته في أحداث غزة مهاجما للسيد حسن نصر الله و’متحشتفا’ وهو يقول ان الشيخ حسن يريد من مصر ان تحارب.. ‘ايه خطاب الدم ده.. انا مش عايز ابني يموت’.
كانت صحيفة جزائرية بعينها تتولى عملية شحن الشعب الجزائري المشحون بالفطرة لملاقاة العدو المصري، بينما شحن الطرف الآخر تتولاه عدد من الفضائيات وعشرات البرامج، حتى البرامج السياسية ذهبت تشارك في ذلك وتدرس عبر المحللين الاستراتيجيين ما أكدت عليه المباراة من وطنية المصريين.. وصار الحماس لفريق كرة القدم يعني إثباتا للولاء ودليلا على حب الأوطان.
قبل قليل شاهدت معلقا رياضيا يقول إذا كنا قد خسرنا مباراة السودان، فهذا ليس مشكلة، فيكفينا اننا تأكدنا من حب المصريين لمصر.. كأن الأمر بحاجة الى كل هذه الفتنة لنحصل على هذا الاعتراف.
 
شموخ المسؤول
 
كثيرون دخلوا على خط التحليل الرياضي، حتى هناء السمري مقدمة برنامج (48 ساعة) على قناة ‘المحور’ تحولت الى محللة، فطجنت.. من طجن يطجن تطجينا، واستدعت زعيم الأغلبية في البرلمان المصري عبر الهاتف الذي كان مصاحباً للرئيس مبارك وهو يزور اللاعبين في خطة التدريب، وتكلم الرجل كثيرا ولم يقل شيئا، وسألته هناء وهي في حالة من ‘الانشكاح’ والطرب غير المبررين: وهل كانت للرئيس ملاحظات على خطة التدريب.. وبشموخ المسؤول العربي قال الزعيم: طبعا طبعا.. فالرئيس رياضي كبير. وعادت المذيعة لتسأله في بلاهة غير مسبوقة في تاريخ الجنس البشري: هل يمكن لنا ان نتعرف على ملاحظات السيد الرئيس على خطة التدريب؟.. كانت في حالة ابتهاج وطني فظيع.’ ولت الزعيم وفت’، ولم يذكر الملاحظات بطبيعة الحال. لأننا في حالة حرب والحرب خدعة!
‘تطجين’ السمري في الرياضة أهون من ‘تطجينها’ في السياسة، ولولا وجود الاعلامي المرموق سيد على بجانبها لكانت مشاهدتها متعة، تضاهي متعة مشاهدة برنامج ‘سيد ابو حفيظة’ على قناة ‘موجة كوميدي’ في بدايته.
في حلقة الابتهاج الوطني، تعرضت هناء السمري لقرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية، ولأن ذكر حركة حماس بما تكره هو من حسن وطنية المرء، فقد ذكرت ان الحركة تخطط حتى تنتهي ولاية محمود عباس ابو مازن، ولا ينفع بعدها جلوسه على الكرسي ( قالتها بعامية مرتبكة)، وصحح لها سيد علي، بأن ولاية محمود عباس قد انتهت فعلا في كانون الثاني (يناير) الماضي.. وكادت ان تقول له: احلف!
كنت قد وعدتكم يا قراء بمشاهدة مباراة مصر والجزائر يوم السبت الماضي، ولأن وعد الحر دين عليه فقد شاهدتها، لتكون هذه هي اول مباراة أشاهدها في تاريخي، دُفعت لمشاهدتها بفعل الشحن الإعلامي، وقد شاهدت كذلك مباراة الفريقين في السودان.
ولأني حديث عهد بالشأن الرياضي، فكنت أميز اللاعبين بما يلبسون.. مصر باللون الاحمر، والجزائر باللون الأخضر، سألت من بجانبي عن موقع الفريقين قال لي الجزائر من هنا ومصر من هناك.. وعند الهدف الاول تصايح الحاضرون، صيحة النصر وظننت انهم من الجزائريين، فعلمت انه هدف لمصر، وان من بجواري كان حاله من حالي فأفتى في امر غير ملم به لأنه استحى ان يقول لا أعلم!
وقد انتهت المباراة بانتصار المنتخب المصري لتخرج الجماهير للشوارع، وظل التلفزيون الرائد يذيع ولمدة أربعة أيام أغنيات وطنية قديمة أخرجوها من العلب، لم نكن قد استمعنا لها منذ انتصار أكتوبر المجيد سنة 1973، بدت مصر في حالة انتصارات تاريخية. وقد أشيع في الجزائر ليلة النصر ان المصريين قتلوا جزائريا، وتحرشوا بجزائريات.. وهذا لم يحدث، لكنه استخدم في حملة الشحن ولاستغلاله لتحريض الجماهير على الأخذ بالثأر على ارض محايدة هي السودان!.
عملية الاحتشاد الجزائري ليلتها على مكاتب السفر، كانت تشير الى ان هناك مذبحة ستقع، فقد تم شحنهم، من خلال الإعلام. يهون الجزائريون من أدوات الشحن لديهم فبينما يتم الشحن المصري بواسطة الفضائيات، فان الشحن عندهم عبر الصحف، فليس واسع الانتشار.. ومهما يكن الأمر فالنتيجة واحدة، فالشعبان كانا في حالة شحن كما لو كان تحرير القدس معقودا على يد فرق كرة القدم.
 
وقع الهزيمة
 
عاشت القاهرة ليلة حزينة بمعنى الكلمة، فقد وقعت الهزيمة في السودان على غير ما توقعوا، واستمعوا الى أصوات المصريين عبر الفضائيات وهم في كرب عظيم، من جراء حصارهم من قبل المشجعين الجزائريين، وكانت هذه رمية بغير رام لإعلام الفتنة والإثارة.
في البداية قمت بجولة على الفضائيات كافة، كان محمود سعد ‘في البيت بيتك’ يفتح سرادقا لتقبل العزاء بالاستعانة بالشيخ خالد الجندي .. قال محمود انها مجرد مباراة، وقال الشيخ نعم هي مجرد مباراة.. الآن أصبحت مجرد مباراة، ومن قبل كانت المعركة الفاصلة في تاريخ الأمة.. وهذا الشيخ نفسه استضافه برنامج (48 ساعة) قبل مباراة القاهرة ليروي بفخر وطني مبهج انه ذهب ليحاضر في الفريق المصري ويشحذ همته. كما لو كان سيشارك في غزوة بدر.. حتى الدين تم استخدامه في عملية الشحن. تذكرون ان القيادة السياسية استعانت بعلماء الدين ليخطبوا في الجنود ابان حرب أكتوبر المجيدة.. استدعاء لجو الحرب لا تخطئ العين دلالته.
وعلي الرغم من انها مجرد مباراة الا ان الشيخ الجندي انطلق يخطب عن ثواب الصابرين: ‘الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا ‘إنا لله وإنا إليه راجعون’، تركته مخافة ان يستفزني بالحديث عن صبر الرسول يوم غزوة احد، وكانت الأجواء الفضائية هادئة، وان كانت فضائية mbc قد احتفت بنصر الجزائر. عدت الى الفضائية المصرية فوجدت خبيرا يتحدث في التنمية، و’العاشرة مساء’ كان يعيد حلقة سبق بثها. كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا.. انيس ولم يسمر بمكة سامر.
ثم سرعان ما جاء المدد الالهي لهذه الفضائيات الذي تمثل في الاعتداء الغاشم على المشجعين المصريين في السودان.. وزير الإعلام تحدث لنشرة ’24 ساعة’ على تلفزيونه الرائد وأدلى بحديث آخر على فضائية اخرى لا أتذكرها، وقال ان الرئيس مبارك يتابع بنفسه عودة المصريين وسلامتهم. الرئيس بوتفلقية أيضا صرح انه سيبحث امر العلاقات المصرية الجزائرية في ضوء ما جرى.. عجيب أمر أولى الأمر منا، ان أمرهم كله لعجبا، حتى الكوارث يستغلوها لصالحهم.
لم تشف غليلي هذه الليلة سوى قناة ‘النيل’ للأخبار، هي التي قدمت تغطية موسعة. وفي اجواء الغضب تم الهجوم على السودانيين، البعض وصفهم بالتواطؤ مع المشجعين الجزائريين، فالشرطة السودانية كانت تشاهد ما يجرى ولا تفعل شيئا. وأحد الإعلاميين صرح في مطار القاهرة بذلك وطالب بمحاكمة هذا المجرم الذي اختار السودان باعتباره قريبا من مصر.. يبدو اننا قادمون على قطع العلاقات بكافة الدول العربية بسبب هذه المباراة.
و حتى لا نظلم السودانيين، فهذا الجنون الذي اندفع يعتدي لم يكن بامكان الجيش السوداني نفسه ان يردعه، الا اذا اعتبرها حربا مفتوحة، فضلا عن ان تواجد جمال مبارك وشقيقه في المباراة ووجهاء الحزب الحاكم، جعل الامن السوداني يحتشد لحراستهم على حساب عموم المشجعين.. من الذي قال لهم ان يذهبوا الى هناك؟.. لقد نحسونا.
ليتهم كانوا استمعوا للشيخ يوسف القرضاوي وألغوا هذه المباراة، لكن وقتها لم نكن سنسمع عن الرئيس بوتفليقه المتحرك بدوافع وطنية لينظر في العلاقات المصرية – الجزائرية.. ولا الرئيس المصري الذي هدد بإرسال قوات للسودان لتحمي المصريين!
اللعنة على كرة القدم وعلى من اخترعها.. ثكلته أمه ابن العانس.
صحافي من مصر
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد