إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

سياسة بناء التخلف في خلفيات تنفيس القهر وصناعة الكراهية الذاتية –مصر والجزائر مجددا

Maser(8)محمد لافي “الجبريني”
 
كثرت الأسئلة وتكاثرت حولها الشبهات عما الذي أفرز هذا الجنون بين مصر والجزائر تأثرا ببطاقة تأهل لمناسبة عالمية لن يخرج منها أي من البلدين بأكثر مما يسمى بشرف المشاركة وعار الهزائم الثقيلة التي تدخل في تصنيفات الأرقام القياسية الخاص بهذه الأمة التي تم تلقيحها في عصرها الحالي بكل ما هو دوني ومتأخر- وهذا ليس من باب الانهزامية ولكن قناعة عن روح الهزيمة التي تتلبس العرب في مواجهة الآخرين على العكس من الشجاعة والحمية التي تجتاحهم في ثاراتهم الداخلية منذ فقدوا روابطهم واستنسخوا شخصيتهم المعاصرة
 
 
 
إن أحدا لم يقدم لنا الإجابة الشافية لعناصر هذه الثورة العضوية الداخلية، اللهم إلا إلقاء اللوم على التعصب الكروي وغياب روح المسؤولية والخروج من دائرة الانتماء الأوسع عربيا وإسلاميا إلى الأضيق إقليميا.
 
ورغم كثرة ما قيل ويقال إلا أن بروز الحدث يجبرنا جميعا على البحث في الأسئلة، مستفيدين من الأحداث الكبرى لطرح ما يتم تجاهله في الأوقات العادية، بسبب الكسل الناجم عن عقيدة تبحث عن السهل وتجافي ما تراه تعقيدا تاركة الأمور على عواهنها إلى أن تنفجر على شكل أحداث جسام ومآسي كبرى تعيد جزء من الوعي للتفكير السليم بحثا عن إعادة خلق لوضع أكثر سلامة وأمنا.
 
**
 
 
 
ان السؤال الأكثر إلحاحا ليس هو بلماذا ولا كيف، بل من أين انفجر كل هذا الغليان في الشعبين العربيين الشقيقين تجاه بعضهما بهذا العنف، بل وسحب معه جمهورا من باقي الدول العربية الأخرى التي اختارت لها اصطفافات لا يرصدها الإعلام المحلي –بدعوى الحياد وهو الذي لن تراه يختلف كثيرا في ظروف مشابه يمكن ملاحظتها في المسابقات التلفزيونية أو في مشاكل يتعرض لها مواطنوه في بلد عربي آخر- ويمكن استشفافها من الشارع، هذا الغضب الذي تجاوز التشفي والنكاية التنافسية العادية إلى مراحل تصاعدية بدأت لا تتورع عن جمع ثمانين مليونا أو أربعين مليونا في بوتقة واحدة من الشتائم، وتجاوز كل مقدسات، وأي خطوط حمراء، نازعة عن نفسها أي ثوب انتمائي، لتصل في مراحل متطرفة أكثر بتفضيل أعداء تاريخيين على الأشقاء، وتجييش المشاعر بشكل غير مسبوق بحيث تتحول جالية أي من البلدين إلى هدف، ورموزها الشعبية والوطنية إلى نصب شيطانية ترجم وتحرق في نادرة لم تتعرض لها حتى الرموز الصهيونية أو الأمريكية في أي من هجماتها على الأمة العربية، بل وحتى مساسها المباشر بأي من البلدين، بدءا من شهداء الجيش المصري على الحدود مع فلسطين المحتلة بنيران يهودية التي تم التعتيم عليها بصورة فجة، أو تجاهل الجزائر بلدا وشعبا لقتلى جاليتهم بأسلحة الشرطة الفرنسية والعنصريين في حوادث لا تنفك تتكرر كل سنة تقريبا وكان أشهرها أحداث الضواحي الباريسية عام 2006
 
 
 
وكأن زمن الاستعمار قد ولى، وكأن الأمة العربية قد استعادت قدراتها الذاتية، واستقلالها الكامل، بحيث تتحول النزعات الانتمائية إلى تعصب وطني يعتز بوطنيته الإقليمية والقدرة على المحاربة لأجلها في وجه أي عدوان، للمحافظة على مكتسباتها وما حققته، نجد هذا التجييش!
 
 
 
ناسون أو متناسين فإن كل حدث مهما صغر في هذه المجتمعات تثبت وتؤكد مرارا أن الاستعمار لم يسحب يوما يده عن هذه الأمة، وهو الذي لم يوفر فرصة لتفتيت أي وحدة سياسية وتجاوزها حتى إلى تفتيت الوحدة العاطفية والروحية الفطرية بين الأخ وأخيه، وكان لا بد لتنفيذ هذا الأمر من ضمان ارتباط النخب الاقتصادية في الأمة، وهي بأي حال لم تنجح في بناء ذاتها إلا بعد أن شكلت ارتباطا وثيقا بالرأسمالية الغربية التي تمثل بالنسبة لها القلب النابض بدماء الحياة، بعدما تم القضاء على أي مشاريع تصنيع وإنتاج قومي عربي قادرة على النهوض بالاقتصاد الوطني بعيدا عن التبعية الكولنيالية مع المستعمر التقليدي الغربي، وبالتالي التطور الاجتماعي والثقافي الذي سيقف حاجزا منيعا أمام مثل هذه السلوكيات البدائية المتخلفة، ولعل هذا ما دعا الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي إلى الإشارة بأن لو مثل هذه المباراة وقعت في عهد الراحل جمال عبد الناصر لكان كل من الجمهورين يحمل رايات الآخر ويهتف بحياة لاعبيه وصفق الجميع للمنتصر أيا كان، وان كان هذا ما نتوقعه فإن العكس هو ما حصل، بل والانكى ولمزيد من السخرية القدرية على حال هذه الأمة مقارنة بغيرها من الأمم التي تحترم ذاتها وتستند إلى ثقافتها وتطورها الاجتماعي ما شاهدناها في نفس اليوم في مباراة مصيرية بين ايرلندا وفرنسا حين سجل الفرنسي هنري هدفا من صنع يده أقصا به الفريق الايرلندي وانتهت المباراة دون أن نسمع أكثر من احتجاج رياضي من الايرلنديين لم يتجاوز حدود الجهات المعنية!
 
 
 
عربيا فإن لدينا نخبا من نوع آخر استغلت الحادثة لإيجاد عرس يخفف عنها أي ضغط أو اتهامات سياسية بالفساد والتطاول على ظهور الشعب المقهور، فنسمع قياديا هنا يصف الشعب الجزائري بالغوغائي والمرتزق والهمجي والمتوحش، يصف شعبا بقضه وقضيضه بما لم يبلغه أرذل أدوات الامبريالية من قبل على شاكلة الإعلامي عمرو اديب الذي كان شرارة هذه الفتنة عبر برامجه المقيتة التي لم يوفر فيها باقي الشعوب العربية وكان أولهم الفلسطينيين الذي وصفهم بأقذع الأوصاف- نقول والأمر كذلك لم يختلف لدى الطرف السياسي الجزائري الذي وضع الشعب المصري بكامله على طاولة التخوين، دون ان نغفر له كونه قام بردة فعل، فبلد المليون شهيد ونصيرة العرب ظالمين او مظلومين لا يصح لها هذا الدرك.
 
**
 
 
 
دور المجتمعات كما تتفق هذه النخب على مستوى العالم، هو الاستهلاك ولا شيء غير الاستهلاك، ويجب أن تخضع دائما إلى التفتيت، وان تمنهج غرائزها باتجاهات بعيدة كل البعد عما قد يهدد مصلحة الامبريالية العالمية
 
 
 
لو أراد العرب أن يصلوا إلى أسباب حقيقية لما مثله الجزائريون والمصريون بهذا الشكل الصارخ، فعليهم ان يدرسوا أوضاعهم المحلية كذلك ويسقطوها على أحداث البلدين، المشاجرات الشعبية، التنافس المفرط في المسابقات الرياضية العربية البينية سواء في الرياضة او الفن او الثقافة أو حتى الرقص والذي يأخذ بعدا اقليميا او مذهبيا اقليميا عنصريا بعيدا عن باقي الاعتبارات
 
 
 
هذا ما يمكن ان نراه في أمثلة اصغر، محاولات الانتحار عن الابراج العالية يتجمهر العامة مشجعين الشخص على القفز والانتحار، حالات الفساد الطفولية وبناء شخصية الدنيء مبكرا في عرف الصف مثلا الذي يسعى الى اثبات جدرته عبر الإيقاع بأكبر كم ممكن من زملائه في قبضة المعلم لعاقبتهم، ونفس الصورة تتكرر حين يحضر الطالب هديته الى المعلم وتكون عصاة أو سلكا للضرب، سعي الموظف في عمله لاستجلاب رضى مسؤوله عبر انكار ذاته وحقوقه ومبالغته في الجهد على حساب نفسه عداك عن مصلحة زملائه، والقائمة تطول..!
 
***
 
 
 
نتفق مع من يذهب إلى كون هذا تفريغ جنحت إليه جموع الرعاع لكبت نفسي واجتماعي كبير، إلا أن ما تناساه البعض أن هذا التفريغ ماكان لينفجر في وجه العدو الحقيقي للشعب، وان ما جرى إن هو إلا منهجية مدروسة قامت بها النخب عبر سيطرتها على وسائل الإعلام وأصحاب الرأي عبر ضخ مستمر مكثف وومحدد الرؤيا- ولا نستبعد أبدا أن يكون المستفيدون من أقطاب النخب في كل بلدان العالم الثالث متحالفين عليه، فهذه الانفجارات هي تنفيسات لم تعد تستوعبها الملاعب، او المنافسات الأخرى، ومع تغول وتضخم التخلف الاجتماعي الذي ما عادت الشهادات الجامعية بمؤثرة فيه ولا المناصب الرفيعة تعني رقيا في المستوى الثقافي ضمنه كان لا بد من تفجيره بين فينة وأخرى
 
 
 
تحاول إبقاء الغضب بعيدا عن تبليل ذقون تلك النخب والطبقات المستفيدة
 
إلا انه أيضا من المفيد تذكير الكولنياليين المرتبطين بالمشاريع الامبريالية الخارجية، أن هذا الاضمحلال والتردي الشعبي لن يعني استمرار للنفوذ على المدى البعيد فيما يعني طبقتهم، فالتغيير سنة أكيدة في طبيعة الأشياء، وإذا كان التغيير لن يكون تصاعديا للجماهير فهو يعني انه سيكون هابطا إلى القاع، وهو بالتالي ما سيجر معه أيضا المستوى الطبقي الذي سيتأثر، وبالتالي فإنه في اللحظة التي تفلت الأمور من أيدي تلك النخب بطريقة او بأخرى، او عبر التطور الطبيعي المفترض للعولمة الاقتصادية فإن القوى الغربية ستصل إلى المرحلة التي ستفضل فيها إمساك زمام الأمور بيدها
 
والخاسر سيكون بعد تلك الجماهير هم من حرضوها على كراهية نفسها
 
**
 
 
 
لا شك أن نداء هنا او توصية هناك لن تنزع الفتيل، وهذا الذكرى السيئة لن تنفك تطرق ذاكرة الشعبين في كل مناسبة، لذلك فان الحكمة تقتضي من الغيورين على هذه الأمة التركيز للاستفادة من هذا الظرف على سوءه
 
التغيير لن يكون جزئيا، لأن المشكلة ليست منفصله عن باقي المشاكل الاجتماعية السياسية والثافية العربية، فما جرى هو نتيجة كبت وقهر وتخلف اجتماعي في أبشع صوره، فلا الجامعات عادت قادرة على تخريج نخب قومية ولا المناصب العليا تعني شخصيات نقية طالما هي مرتبطة بالأجنبي
 
لذلك فالعمل يجب أن يكون منهجيا كسلوك الاستعمار، ومحاربة العنف الاجتماعي تبدأ بمحاربة التخلف، واستبدال الخطاب السياسي والإعلامي، وتثبيت المصلحة الوطنية على أنها أساس لا ينفصل عن المصلحة القومية
 
التصنيع الوطني سيعني رفاها اجتماعيا على المدى الطويل، وسيعني فائضا في المردود الاقتصادي الشعبي، ما يصعد بالضرورة إلى اتساع في رقعة المساحة التثقيفية على اعتبار أنها ترف لا بد أن يرافق التحسن الاقتصادي، ما سيؤدي إلى جامعات تبني إنسانا فاعلا عوضا عن مجموعات من العاطلين في دول مدخولاتها تعتمد على المشاريع الخدماتية المدارة لمصلحة الغرب
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد