إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

صالحة ام الخال

صالحة أم الخال
بقلم:سهام البيايضة
 
توجه الحاج احمد إلى بيت ابنته جميله ليخفف قليلا من وحدته التي بدأ يشعر بها بعد وفاة زوجته التي مضى على وفاتها أكثر من خمس سنوات.
جميلة اصغر بناته وأكثرهن قربا منه، ولها عليه جراءة لا تصدر إلا منها، كونها بقيت الوحيدة بعد وفاة والدتها، ترعاه وتقوم بشؤونه، مما استدعى نشوء علاقة خاصة بينهما فيها صداقة وتقرب، حتى بعد زواجها وانتقالها وزوجها للعمل في العاصمة
 سنوات العمر طوعت عصبية وحدة طباع الحاج احمد، ضعف الجسد أذل العزيمة واوهن الهمة ولم يبقي في النفس إلا ذكريات الماضي و قصص يذكرها الحاج احمد لاحفادة كلما اجتمعت العائلة حوله تسامره وتأنس لقربه.
أرخى الحاج احمد جسده فوق مقعده، يمسك بعكازه مفكرا، وكأنه يرتكز بأفكاره على عكازه كما يرتكز بجسده فوقها، غارقاً بتأملات أفكاره، بعيدا متعمقا في ذات نفسه ، ينقر بضربات خفيفة، اقرب إلى الرتابة،على الأرض ،لا تلبث  ان تزداد عندما يعلن عن ضجره وامتعاضه من موضوع ما، فيأخذ الجميع الحذر من غضبه وتعكر مزاجه.
 ابنته جميله، بعفويتها المعهودة:الحجة أم علي اليوم في زيارة ابنها علي ؟
الحاج احمد حاملا عكازه بيده ،يضرب بها الأرض كعادته: أم علي ؟ بعرف  ألف أم علي.. أي واحده منهن؟
 ضحكت جميلة من تهكم والدها الذي لا يترك كلمة تمر دون أن يعلق عليها أو يصبغها باسلوبه .
جميله وقد ارتسمت على وجهها نظرة مكر محببة:معقول يا بوي نسيت أم علي ؟..أم علي ما غيرها.. يا بوي!!
الحاج وقد ظهرت عصبيته مع ازدياد نقرات عكازه على الأرض:لا.. لا ما عرفتها،قولي اسمها الحقيقي..يمكن أتذكرها!
جميله:صالحه يا بوي ..صالحة بنت عبد القادر..تذكرتها؟
الحاج احمد:كيف عرفت أنها في زيارة ابنها ؟
جميلة: ابنها علي زميل زوجي في العمل.. ولأنهم من نفس البلدة اخبره بزيارتها !
شيئاً فشيئاً بدأت نقرات العكاز على الأرض بالتناقص حتى تلاشت واستقرت يد الشيخ فوق العكاز وكأنه انتقل إلى عالم من الذكريات..البعيدة جدا،
لحظات الصمت خيمت على المكان وقد لاحظت جميله بذكائها أن شيء ما لامس وجد أبيها  وظهرت آثاره على سكون جسده وذهاب فكره ،فسكنت حتى تعطي للشيخ فرصة العودة من رحلة الانتقال عبر الذاكرة ،وجمع خيوط إحداثيات الزمان والمكان لتشكل صور الماضي في ذهنية شيخ ستيني ،مرت عبر ذكريات امتدت أحداثها عبر أكثر من ثلاثين عاما .
الحاج احمد بصوت خافت وكأنه قادم من الماضي: “صالحة؟..صالحة أم الخال؟”
 كان صوته القادم من حدود الذكرى يردد أحرف اسمها، ويعيد رسم ملامحها،وكأنه الأمس  القريب، عندما شاهد لأول مرة حبة الخال التي تزين وجنتها قرب شفتها فوق بشرتها البيضاء، علامة فارقة أضاءت الذكرى في ذهن الحاج احمد : “صالحة ؟.. صالحة بنت عبد القادر؟!
  صمتت جميلة احتراما لتدفق الذكريات في لحظة أجمل من كل حديث وأرقى من أي تعبير.
 قررت جميلة دعوة أم علي، إلى بيتها، تمهيدا للقاء مواجهة يكشف سر صالحة أم الخال، ودعوتها لا غبار عليها كونها موجهة لام صديق زوجها وبنت بلدتها، وهذا من واجبات الترحيب والتكريم.
نشاط والدها منذ الصباح ومحاولته التأنق وارتداء أجمل أثوابه ورش العطر الخفيف فوق منديله الأبيض، أكدت لجميلة حسن تصرفها مما خفف من توترها الذي كان يدور حول احتمالات اللقاء والمواجهة اللطيفة!
استقبلت جميلة الحاجة صالحة، كانت  سيده جميلة في منتصف الخمسينات ،متأنية بمشيتها وقورة في حركتها تسير باتجاه الشيخ الذي وقف على عكازه يريد أن يجلسها على مقعده تكريما لها، إلا أنها فضلت الجلوس قريبا منه في المكان الذي اختارته.
الحاج احمد:والله كبرتي يا صالحة ! قالها مداعبا
صالحة في غاية الأدب: أنت لم تتغير، ما زلت شاباً ..لولا عكازك هذا لقلت انك في الأربعينات !!
الحاج احمد:الحمد لله.. إنها أوجاع المفاصل ..تثور عندما تبرد الأجواء ونحن على أبواب الشتاء ..اعتقد أنني تعودت عليها !
قطعت جميله حديث المجاملة، عندما طلبت منهما التوجه لغرفة الطعام وتناول العشاء، وعلى طاولة الطعام
استهل الحاج احمد الحديث ليكسر جدار الفضول الذي تملك جميله وجعلها متحفزة لطرح الأسئلة والبدء في استجوابها الفضولي!
الشيخ احمد:” صالحه بنت قريتي منذ أكثر من ثلاثين عاما. كنت وقتها  ضابطا متحمسا  في القوات المسلحة وكانت صالحة قد أنهت دراستها المدرسية، وقد اتفقنا على الخطبة وتمت الموافقة بين العائلتين ،حتى جاء اليوم الذي كتب علينا فيه الفراق ،عندما اعترض ابن عمها سعود ، اخي راكان”
تنهد الحاج احمدا قائلا:الله يرحم اخي راكان ” ثم أكمل حديثه : كان سعود ولدا طائشا لا يحسب لأحد حساب،
 بدأ الحديث باستفزاز اخي ، لافتعال شجار لكن اخي كان يتحاشاه صارخاً :”يا رجل كف بلاك عنا ولا تثير المشاكل بين الناس” حتى وصل إلى حد تحقيره لعائلتنا، و تشابكهما بالأيادي وكان سعود يحمل سكينا في جيبه غرسه مباشره في صدر اخي راكان، الذي سقط على الأرض مضرجا بدمائه، بعد أن لاذ سعود بالفرار أمام أعين الناس الذين أخذتهم الدهشة ومنظر دماء اخي الملقى على الأرض وقد فارق الحياة ، وحقنا للدماء تم الاتفاق على” عطوه عشائرية” لمدة شهر بين العائلتين تقوم عائلة الجاني بترك القرية “الجلوه” إلى مكان بعيد يحفظ دماء الطرفين من لحظات ثورة الدم !
صالحة:كانت أيام صعبة جدا ،كنت  صغيرة ولي أحلامي الخاصة، وكنت سعيدة جدا بالخطبة ،حتى جاء اخي ليخبرنا عما فعله سعود  براكان..اذكر أن والدتي أخذت بالصراح والبكاء، وأنا في حالة صدمه ..لم افهم ما علاقتي بالأمر، إلا بعد حين..عندما اجتمعت العائلة للنظر بالموضوع وللإسراع بأخذ “العطوة العشائرية” حيث خاف أبي على إخوتي الأربعة من فورة الدم! ..لا زلت أتذكر كلمات عمي القاسية وهو يدافع عن جريمة ابنه..وأنني كنت السبب بما آلت إليه أمور العائلة ..وبأنني كنت على علاقة غرامية باخ المجني عليه وهذا سبب يعتبر عارا على العائلة ،فالحب عند بعض الناس يعتبر عاراً عيباً!!
جميلة وقد تملكتها قشعريرة:يا الله..هل كان الحب عيبا لهذه الدرجة؟..لدرجة القتل والتشريد؟؟
الحاج احمد: الحب ليس عيبا..يا بنيتي.. إنها الغيرة والحسد.عندما “جلت” عشيرة صالحة، تركوا بيوتهم وعقاراتهم في القرية وانتقلوا للعيش في منطقة بعيدة حقنا للدماء، نقلوا النساء والأطفال والشيوخ،  وتشردت العائلات بسبب الغيرة والحقد.
توقف الشيخ احمد تاركاً لصالحة الحديث عن أحوالهم بعد” الجلوة” :انه القضاء والقدر،كان ثمن هذا الطيش غاليا وقاسيا على الجميع ..اذكر أننا حملنا حوائجنا تاركين الكثير خلفنا ،وكان إخوتي شبابا في المدارس مما اضطر والدي لنقلهم إلى العاصمة عند أخوالي ..اتقاء للمشاكل..وبعد انتهاء القضية والقبض على سعود، زوجني والدي من ابن خالتي، ومن يومها لم التقي بالشيخ احمد..كانت خسارة في ممتلكاتنا وحياتنا ..تشردنا من بيوتنا مما اضطرنا للجلوس في بيوت الناس  لحين انتهاء العطوات العشائرية ..لقد كانت أيام صعبة !!”
 توقفت  صالحة عن الكلام وكأن غصة الماضي عادت لتنثر الملح فوق الجرح!
تنهدت  واستطردت قائله :رحم الله راكان ..مسكين قضوا على شبابه..مثلما قضوا على أحلامنا وحياتنا!!
تدخلت جميله لتفهم الأمر:ولكن يا والدي ما ذنبكما في كل ذلك؟
صالحة: يا بنيتي هذا نصيبنا..والحياة لا بد أن تستمر..لقد تزوجت ابوعلي الذي توفاه الله بحادث سيارة ولم يشاهد ابنه علي رحمه الله..ورفضت الزواج بعدها لأحافظ على ابني من التشرد بين الناس..ولقد عوضني الله خيرا وبركة بابني الوحيد علي ..الحمد لله!!
جميله وقد تالمت لقصتهما  :”لكن يا بوي !!القانون العشائري لا يزال ساريا حتى يومنا هذا بين الناس، ونحن في دولة القانون والمؤسسات.فلماذا ” الجلوة” قائمة بين الناس.؟
الحاج احمد:انها العادات والتقاليد ورثناها عن ابئنا واجدادنا
جميلة:لكن يا بوي ..هل من العدل ان يترك  غافلين أبرياء بيوتهم  وتشريدهم؟ ..إنها أعراف قاسية لا تناسب زماننا الحاضر!
هزت الحاجة صالحة رأسها وهي تعلم تماما ما تعنيه :معك حق يا بنتي لم تعد بيوتنا خيام شعر،نحملها أينما شئنا ..لقد تغيرت أوضاع الناس وتبدلت”
الحاج احمد:ربما تكون قصتي مع صالحة ،اهون بكثير مما يلاقيه الناس في هذه الحالة والقرار الان لابنائنا في التغيير والمحافظة على ما يحافظ على شخصيتنا ويميز مجتمعاتنا”
 جميلة:ما اقسى فراق الاحبة ، الابرياء من يقاسون تبعات المشاكل دائما”
صالحة : مكتوب يا بنتي ،والايام بين الناس دواليك
 رفعت جميله صوتها مقترحة :لقد فرقتكما الأيام وها هي تجمعكما من جديد ،ما رأيكما أن نجمعكما معا بعد هذا الفراق ألقسري على سنة الله ورسوله من جديد؟؟!
الشيخ احمد متحمسا:أنا ما عندي مانع ابدآ ومستعد اطلب يدها من ابنها علي!!
جميلة  :ما رايك يا خالتي صالحة ..ما الحب الا للحبيب الاول!!
 تبسمت صالحة وقد غطت وجهها مسحة خجل جميلة توجتها حبة الخال فوق شفتها أليسري:”تفرقنا  صغار..واجتمعنا كبار؟؟..كم بقي من العمر؟….معقول يا حج احمد؟ ..معقول يا حج ؟؟
الحاج احمد:هذه العكاز..ابعدوها عني ..انها للعجائز..انا ما عدت احتاجها!!
يا ترى بعد هذا العمر ..هل ستوافق صالحة على الزواج من الحاج احمد ؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد