إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

( لك الأمس يا ليدا )

Jasad(3)بقلم القاصة: عدلة الكوز
“جبار هذا الضوء الذي يهزم احتراف الظل
 
                                             الظل الذي يفترش عباءات النور في غفلة من
 
                                     الشمس الأم … أهديك أيها الضوء هذه الوجوه …
 
                                                                             لك هذه الوجوه…”
 
كان عليه أن يسرع في إرسال برقية عاجلة إلى ليدا الجميلة ، عليها أن لا تحضر في هذه الفترة الحرجة من حياته ، أنه سعيد ولا وقت لديه لاحتضان ليدا أو حتى استقبالها … لا وقت لك يا ليدا الآن … يرقب تعابير وجهه في المرآة الصغيرة التي تعود أن يجعلها قبالته على زاوية جانبية من مكتبه … يحملق أكثر في الصورة … يطارد ملامحها ، يتحسس بنشوة عارمة شاربيه … تفتر عن ثغرة ابتسامة لا حدود لغرورها … إيه يا محمد يا فحل العائلة الكبيرة .. لم يسبق لأبيك وجدك أن نصب أحدهما نفسه بعلا لأكثر من واحدة … هنيئا لك … يرتد رأسه إلى الوراء .. يتكأ به على حافة المقعد .. تطالعه أهداب ليدا …
 
     يفترشها كبساط يطفح بالنور … يسترخي … يغفو … تدغدغه ليدا بأنامل رقيقة … يتحسس وجهه … وبلكنة شرقية متكسرة تناديه: يا محمد …
 
     ويتردد الصوت في أذنيه … ويأخذه الدوار ، فيفتح عينيه في عناء كبير فلا يرى معالم المكان … سكون … طبقة ضبابية كثيفة لا ينفذ منها النور … ويبرز من خلال الضباب وجه ليدا من جديد … يفتح ذراعيه في انتظار أن تتهاوى على صدره … ولكن سرعان ما تكبر المسافة بينهما … وها هي ما زالت تبدو له كطيف جميل … من خلال طبقة ضبابية سميكة كجدار من البلور … تظهر وراءه وقد جلست على الأرض وجمعت جسدها في شكل رائع … فبدت خاشعة وكأنها في صلاة طويلة .
 
     يحاول أن يركض في اتجاهها ، فلا يقدر على الحركة … يحاول أن يصرخ مناديا عليها فلا يقوى … تتململ شفتاه ولا ينبعث منها غير غمغمة كأن الصراخ قد أنحبس في حلقه .
 
     يصل إلى مسامعه دقات خفيفة على الباب … يفتح عينيه في عسر شديد … يبدو أن النوم قد طغى على جفنيه فراح في إغفاءه قصيرة ، بصوت متحشرج يستفسر عن هوية الطارق … يفتح الباب عن وجه ينطق بالدهشة ويحاول مترددا أن يستفسر عن شيء ما … عن سر ما …
 
 
 
تتقدم خطوات السكرتيرة بخطى وئيده وتبادره :
 
        مساء الخير يا دكتور .
 
        مساء النور … ما ورائك ..
 
         هناك مريض في قاعة الانتظار .
 
         حسنا … دعيه يدخل ، ومن فضلك أرغب في فنجان من القهوة …
 
تغادر السكرتيرة ، بينما عاد هو يمر بأصابعه على عينيه وقد داهمه شعور مكثف بالوحشة ما هي إلا لحظات حتى دخل عليه وجه مألوف لديه ، وجه يثير ملله ويثير إحساسا ما يعرفه … يقترب الرجل منه مصافحا ، أنه أحد معارفه منذ زمن بعيد …
 
ما أخبارك يا دكتور ، لم نعد نسمع عنك شيئا جديدا …
 
بلهجة مقتضبة – الحمد لله .. أنا بخير …
 
        في الحقيقة أنا لست مريضا … فقط جئت للسؤال عن صحتك ،ومعرفة أخبارك الجديدة
 
يكتفي محمد بالابتسام
 
        قل لي … حدثني … ما هي أخبارك ؟؟ …
 
مصر هذا الزائر على معرفة أخباره الجديدة كل الإصرار.
 
        الحمد لله أنا بخير …
 
         ما أخبار زواجك الجديد ؟؟ …
 
      يخترقه السؤال كسهم حاد مصوب إليه مع سبق الإصرار والتصميم … يغوص في أعماقه … السؤال ينضح مزيجا متناقضا من الأحاسيس … ينظر إلى عيني الزائر … بريق الفضول ليس إلا … هاتين العينين اللتين كانتا تطفحان بالشفقة والعطف ، وبالتأسف والحسرة على شبابه الذي يغادره دون أن يخلف وراءه من الذرية ما يحمل اسمه ، وذلك قبل أن يتزوج للمرة الثانية … وقد حان الوقت الآن لكي يجتاح بريق التأسف والحسرة … بريق الشفقة…
 
     يسكنه إحساس مفاجئ بالزهو … تصدر عنه الكلمات باعتزاز كبير …
 
        إن زوجتي الجديدة حامل …
 
         حامل … حقا …
 
تستنكر عينا الزائر هذه المفاجأة، وما يلبث أن يردد ببهجة مجاملة:
 
     -     مبروك… مبروك يا عزيزي…
 
     ينهض الزائر قاصدا الباب مودعا محمد بهمهمات متمازجة ، بينما حدثا جدل وخطير قد خلف على وجهه تعابير حادة .
 
      من حسن حظه أنه انصرف في الوقت المناسب … فقد أحس بأنه عاجز عن متابعة أي حوار معه… وها قد حل المساء … بعد نهار طويل توالت فيه الأجزاء المضيئة والمظلمة من حياته… ولكن لماذا ؟! … المفروض أن يكون هذا النهار أسعد مخلوق على وجه البسيطة… فقد اكتشف بأن زوجته الجديدة حامل … وها هو قد أرسل برقية عاجلة إلى ليدا لترجئ موعد عودتها إليه حتى لا يؤثر ذلك على الحالة النفسية لزوجته الجديدة .
 
     ولكن لماذا يسقط في دائرة صراع لا يفهم كنهه ،تتكاثف في رأسه علامات استفهام متوسلة … أنه مرهق… مرهق …
 
     أشعل عود ثقاب ليشعل سيجارته التي ترتقص بين أصابعه وشفتيه … ولكن السيجارة لا تريد أن تحترق… وعندما بدأ يرشف القهوة وجدها باردة … كل شيء من حوله يتحداه … يترك العيادة …يعدو ونحو سيارته وينطلق بها قاصدا بيته …
 
   يخترق الشوارع فتعربد الأضواء الملونة على ملامحه غامضة الحزن … ترتطم عيناه بوجوه آدمية كثيرة … كتلك الوجوه التي حاصرته في حفل زفافه … وجوه متناقضة التعابير … ونظرات عنكبوتية متطفلة … ووجهين فقط كانت الفرحة الحزينة تطل منهما بشفافية مطلقة.
 
عينا أمه وأبيه … كان يقرأ في عينيهما شيئا قريبا من نفسه … شيئا يبعث الخدر في روحه وجسده… يبعث إحساسا مهما ينعش العلاقة الأزلية التي تربطه بوالديه… إحساسا يتسربل بالرضا وراحة الضمير … وها هو يقتحم قلعة كان قد شيدها في الماضي… ولم يكن ليقوى على دكها أبدا … حتى دخل مأساة من نوع جديد … مأساة المصارحة المطلقة مع ليدا …
 
        لا بأس يا حبيبتي … ما هي إلا فترة زمنية بسيطة وتكونين قد ساهمت في بناء العالم…
 
      ترمقه ليدا بإعياء … تشخص إليه ببصرها وتركن رأسها إلى صدره دامعة العينين…
 
        تسخر …
 
         أبدأ والله… ولكن عليك أن تكوني في مستوى العطاء … أن تراعي ظروفي كرجل يعيش داخل مجتمع شرقي …
 
       يجب أن تفهمي يا ليدا … لم يعد لدي استعداد للتحمل … صمودي معك عذاب … فحاولي أن تساعديني… حاولي …
 
        اصمت … أرجوك…
 
وفي ثنية صوتها خفق الانزعاج … حاولت أن تخفيه… ملامحها تنم عن استنكار طفيف ما أشد عري هذه اللحظة … اللحظة التالية جاءت طافحة … جف الحزن وانتعش الكبرياء الأنثوي …
 
        حسنا … لك ما شئت ..
 
قالتها من بين أسنانها … بينما هو قد تسمر في مكانه … واختارت أن تبتعد عنه خلال الفترة القادمة … أن تسافر إلى بلدها … فقد كانت هذه الخطوة هي الوسيلة الوحيدة لكي تخمد ثورة أنوثتها … وتعاطت معنى التضحية ومعنى التنازل من أجل توأم روحها..ورفيق جسدها في محاولة الاستيعاب الزمن القادم ..
 
تعانقه وقد بدت متشبثة به عنيدة …مخيفة …
 
        قل شيئا …
 
         لن أنساك …
 
        كانت أعواما حلوه …
 
        ما زالت في دمي …
 
        غدا تطير الطائرة مع طلوع الفجر …
 
 وبللت دموعها وجهه الأسمر … وكررت بإصرار طفولي …
 
    أتمنى بقوة الحياة التي أعيشها الآن … أتمنى أن أكون أنثاك الأولى والأخيرة … ثم اقتربت بشفتيها من أذنيه وهمست … معك دائما يا محمد انتظرني … سأعود إليك … هل سمعت بالحلف الجديد ما بين الإنسان وعذابه … سأعود إليك …
 
ويثب إلى ذاكرته صدى كلمات لم يذق طعمها إلا الآن … تراه يقدر على اجتياز الماضي … يعانقه السؤال مرتعد الفرائص … ينكمش في مقعد السيارة وعبثا يستجدي الهرب من همجية علامات الاستفهام التي تصفعه بحده … لعل ارتفاع أعداد السرعة إلى ما فوق المئة هو الحل … أخيرا وصل إلى بيته … ليجد في انتظاره عينين متلهفتين .. عينين تسكنهما نشوى غير مستقرة وقد أحيطتا بالكحل بطريقة شرقية ممعنة بالإسراف …
 
     تدفن رأسها في الصدر العريض … تستنشق رائحة الهشيم والدخان والحزن … وعبير سني عمره الأربعين … ما أحلى رجولة الأربعين … الوجه المضيء … وجه ليدا يعوم في الظلمة الحمراء كوجه نبي … ترفع وجهها إليه بوداعة ثم تبتعد … فيهاجر نحو جسد نحو أنثوي … يغرق معه في دوامات حارة … يشم رائحة الورود المشحونة بالنعاس واللوعة …
 
    هكذا تعود الجسد الأنثوي أن يستقبل رجلا شرقي الأخلاق…أخلاق الخيل…وتعودت شرقية النكهة أن تعايشه بطريقة مدروسة يشوبها إحساسا بالخوف من شيء ما يسكنها ويفسد عليها مذاق النشوة المطلقة..
 
لعلها تبدو عاطفية إلى درجة نارية مكثفة …
 
        نم يا عزيزي … سأوقظك بطريقة لم تحلم بها …
 
     تتفشى الرومانسية في سلوكها بشكل مرضي ، فقد كانت ليدا ذلك الأخطبوط الذي يتوزع أعماقها … فيحدث خللا ما في توازنها …
 
وتبدأ المسافات بين الأيام المتعاقبة تأخذ أبعادا معنوية جديدة … وكأن شيئا جذريا قد تغير في كله … تضج العيادة دائما بأصوات طفولية باكية … أصبح لهذه الأصوات التي تصل مسامعه رنة جديدة في أذنيه … تصله مغلفة بشيء جديد قريب لا يعرفه .
 
     تغزوه في كثير من اللحظات مشاعر الحبور والسرور … حتى أصبحت هذه المشاعر تتوزع أيامه … وقد بدأ عفويا يسكنه ترقب وفرح الطفولة في انتظار العيد …
 
     ذك الحدث المرتقب ملك عليه نفسه … لم يتوقع أن يصير ذلك المخلوق الذي لم يرى .. النور بعد مبعث فرحه وسعادته … إن في انتظاره تعبيرا عن شوق عميق وقد يتم … لعله لا يكون حدثا عاديا … بل خلاصا حلوا …
 
     وبدأت الأيام تدينه من معانقة حلمه الذي يتحقق بشكل بطيء … وما هي زوجته في شهر حملها الأخير … تدب في أرجاء البيت متثاقلة … متأوهة … مخوصرة … تنتقل من زاوية لأخرى …تلوب متوجعة شاكية … تسحق شفتها السفلى … وقع خطاها يهزه … يشتاق خصب الحياة .. أخيرا …
 
     جاء “بشير ” … حلو الملامح كأبيه وبم يكن ليقوى على مداراة إحساسه بالسعادة الغامرة بالنشوى الطافحة … وبالزهو الكامل .
 
     وظلت عيناه ترصدان حركة الطفل … في حين كان يبلع ما تحلب في ريقه من عذوبة لطالما قهرتها المرارة … حتى ناداه ذات صباح (بابا).
 
     وفي طريقه إلى عمله في ذلك الصباح عرج على مكتب بريد … وطفق يكتب هذه البرقية .
 
“العزيزة ليدا … كان لنا الأمس … واليوم أعتذر عن استقبالك لأسباب خاصة … ابدأي حياة جديدة..”
 
تحياتي (محمد)
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد