إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الإنسان قِرْدٌ تلفزيوني!

Monkeyمحمد عبد المجيد
 
 
هل رأيت قرداتياً في ساحة عامة يستعرض مهارةَ القرد ميمون أمام المارة؟
إنْ كنتَ رأيته فقد يسْهُل عليك أنْ ترسم المشهدَ الجماهيري العربي بتفاصيله التي تمتد من القصر إلى الكوخ عبر حناجر أرهقت حبالَها الصوتية طبولُ الحرب من أجل الكرة والنقاب والرسوم الكاريكاتيرية ورفض الآخر!
 
لو كان معك جهاز لقياس ذكاء الجماهير وتسللت بين جموع حاشدة تُلَوّح بقبضاتها، وتنتفخ عروقها، وتعرق أجسادُها، فأغلب الظن أن الجهاز سيتوقف عند نقطة الصفر، فإذا حاولتَ أنْ تستخدمه بين متحاورين كروياً على أحد المقاهي الممتدة في عالمنا العربي فسيكون الصفرُ هو العبقرية التي يتمناها كل الحاضرين!
 
لو عاد جوستاف لوبون إلى العالم مرة أخرى وحاول أن يُعيد كتابة ( سيكولوجية الجماهير) فسيحتاج إلى عقد من الزمان ليصف المشهد الجماهيري في موسوعة تصغر بجانبها كل أعماله.
 
وقاسم أمين، عبقري عصر النهضة، كان يرى الجماهير ممثلة للطغيان والجهل والظلم، وكان ذلك منذ أكثر من مئة عامٍ، فكيف لو كان وصفه في زمن أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة؟
 
عهد أغبر تحاكم فيه أحذية اللاعبين في الجزائر عبقريات أحمد عرابي وجمال حمدان وعبد الوهاب المسيري، ويسخر فيه إعلامُ الريادة المصري من عبقريات الأمير عبد القادر الجزائري ومالك بن نبي والشيخ عبد الحميد بن باديس!
 
آلاف المفقودين في جزائر بوتفليقة لم يتمكنوا من تحية فريقهم القومي الذي سيمثل جامعة عمرو موسى في بلد نيلسون مانديلا ، فتلميذ بومدين لا يرفع عينيه أمام جنرالات القتل والذبح والسحل، وعشرات الآلاف من المصريين في مصر مبارك يقبعون في زنزانات قذرة خلف قضبان صدئة، يرهفون السمع لنحيب ذويهم وأحبابهم وأولادهم، لكن الرئيس وولديه يضعون أصابعهم في آذانهم خشية أن تتلوث بصيحات الاستجداء والاستغاثة.
 
سمعت ضحكة مجلجلة من حذاء كان قد ضرب به ضابط بلطجي وجه مستشار وقاض وممثل العدالة في مصر، فالحذاء لا يصدق أن كلمة كرامة المصري التي أعادها آلاف المرات إعلامُ الريادة على مسامع المشاهدين المخدَّرين أمام الشاشة الحمقاء، فكرامة المصري كانت لثلاثة عقود آخر اهتمامات الرئيس حسني مبارك، ثم سمعت مثلها في جزائر المليون شهيد وهي تراقب عن كثب زوارق متهالكة يحاول ركابها الشباب الهروب من جحيم الوطن إلى قاع البحر أو أحضان خفر السواحل في فرنسا .. الأم الحنون ، فإذا لم تعد إليهم، هربوا إليها!
 
لأول مرة منذ أن جلست مندهشاً أمام جهاز تلفزيون أبيض وأسود عام1961 أشعر أنني قرد اختطف منه أصحاب وضيوف ومقدمو برامج الفضائيات الروموت كونترول، وجعلوه يقفز أمام الشاشة الصغيرة، يصيح، ثم يبكي، ثم يرقص، وينتهي الارسال اليومي بالطلب من القرد ميمون، الذي هو أنا، بــ ( سلام للبيه!).
 
جاءني بغتة صوت العقل من الداخل يخفف عني مواجع العروبة ويعتذر قائلا: لست وحدك القرد ميمون، فكلنا قِرَدة!
 
4800 مصري قام نظام صدام حسين بتصفيتهم في شوارع بلد حاول ساطع الحصري أن يقنع أبناءها وضيوفهم في كل كتاباته بأنهم جسد واحد يتحدث لغة الضاد، لكن الرئيس مبارك لم يكترث لآلاف النعوش لأبناء بلده التي انزلقت من أحشاء الطائرات في مطار القاهرة الدولي، ثم تم تسليمها لذويهم في هدوء لا يقل عن صمت القبور التي ستلفهم في عالم النسيان، ووصلت الرسالة إلى الرئيس العراقي عن طريق رئيس تحرير أكبر صحيفة مصرية وهو يقول له: سيدي الرئيس، يقال بأنك المحامي الأول للمصريين في العراق!
 
عشرات الآلاف من الجزائريين قضوا بين جزِّ الرؤوس واخراج الأحشاء وتمزيق فرّوة الرأس، ثم اختفى سبعة آلاف تبكيهم حتى الآن الجزائر كلها، و تحولت سجون الوطن الذي دفع أغلى ثمن لاستقلال وهمي إلى سلخانات يتبرأ من أصحابها إبليس وذريته ( انظر أيضا كتاب الحرب القذرة لحبيب سويدية، وكتاب مافيا الجنرالات لهشام عبود )، وانتهى الصراع إلى اتفاق جنتلماني بين العسكر والاسلاميين وعبد العزيز بوتفليقة على أن يبصقوا جميعا على الجزائر وتاريخها ونضالها وروحها وعَلَمِها واستقلالها وشهدائها، وصدر العفو عن القتلة في المصالحة الوطنية، وقام الأسياد الجدد بفتح الباب أمام اليورو والدولار ليحتلا جزائر ما بعد الرأسمالية!
 
كان آلاف المصريين يبكون في صحراء السلوم بعدما ألقى بهم العقيد خارج جماهيريته، وأمر بسرقة أموالهم وعرقهم، فهم ليسوا فتيات إيطاليات جميلات سيحاول أن يقنعهن بالدخول إلى الاسلام وهو يتأمل سيقانهن الملساء شبه العارية، ثم يقوم بتوزيع المصحف الشريف والكتاب الأخضر الشريف، ومع ذلك فقد ابتلع المصريون كرامتهم، ولم يتأخر الإعلاميون والمثقفون والسياسيون عن تلبية دعوة المكتب الشعبي الليبي في القاهرة لحضور احتفالات الهوس الجماهيري، فالكرامة تحددها القيادة السياسية، ولو تم جلد كل الأطباء المصريين في بلد خليجي لما اعترض فنان واحد، ولما خصص (البيت بيتك) حلقة يتيمة عن كرامة المصري.
 
طلب أنس الفقي من الفنانين والفنانات الحضور لماسبيرو أو الاتصال في وصلة بكاء ونحيب وعويل عما أصابهم في السودان.
 
وبكى أحفاد الفراعنة على كرامة وطن داستها أقدام همجية لعدة آلاف من البلطجية الذين أرسلتهم السلطات الجزائرية، واصيب عشرون مصرياً باصابات طفيفة!
 
الفنانون المصريون مساكين فقد زج بهم النظام في سرادق عزاء للعَلَمِ المصري بدلا من الترفع، واخفاء الوجه الشعبي لفنانيي مصر الذين لهم عشاقهم في الجزائر والمغرب وتونس والخليج و …، فقد أجبرهم أن يكونوا في مقدمة المحاربين!
 
الدب يقتل صاحبه ليبعد عن وجهه الذبابة، فيصغر الفنانون أمام محبيهم.
 
ولأننا في عالمنا العربي مدمنو هزائم فقد خسر المصريون والجزائريون والسودانيون المعركة، وتم تقديم الهزيمة الجماهيرية هدية لاسرائيل في يوم موافقة قوات الناتو على اشتراك الدولة العبرية في مراقبة سواحل الأمة العربية .. الواحدة!
 
النظام السوداني يمثل الارهاب بكل صوره، وهو رمز للاستغلال، ورئيسه مجرم هارب من العدالة الدولية، وسجونه ومعتقلاته كأنها مقتطعة من الجحيم الأبدي، لكن الزعيم المتهم بالابادة الجماعية والتحريض على اغتصاب خمسين ألف امرأة وفتاة في دارفور يلعب ساديو الأمن فيه دور ملائكة الرحمة!
 
يتشابه النظامان المصري والجزائري في عدم اعتراف أي منهما بكرامة مواطني بلده، وبأن قوى الفساد هي التي تتحكم في خيرات الوطن، والاختلاف الوحيد بينهما هو أن الهاربين من جحيمهما بحراً يغرق الأولون قبيل الوصول لشواطيء مالطا واليونان وايطاليا، وتأكل أسماك البحر جثث الآخرين قبيل شواطيء فرنسا وإسبانيا!
 
هناك أيضا اختلاف آخر فالرئيس الجزائري يصافح رئيس الوزراء الاسرائيلي كما يفعل شيخ الأزهر، أي يقول بأنه لم ينتبه لوجه مصافِحهِ، أما الرئيس المصري فهو يستقبل رئيس الوزراء الاسرائيلي قبل كل مذبحة عبرية ضد الفلسطينيين!
 
بوتفليقة في ولاية ثالثة، ومبارك في الخامسة، والأول يُعِدّ شقيقه سعيد لتخليد البوتفليقية، والثاني أَعَدَّ جمال لينهي عصر الجمهورية، فالرئيس هو الملك!
 
هل المخدرات هي الحشيش والأفيون والهيروين والقات فقط؟
 
التلفزيون أيضا نوع من أنواع المخدرات، وأكثر متعاطيه يشبهون الغائبين في جلسة تخزين القات!
 
القرداتي يجلس في قصره المعمور بالخيرات والكلاب، ويأمرنا جميعاً أنْ نقفز، ونرقص، ونبكي، ونضحك، ونتقاتل، ونكذب، ثم بعدما أوحي إلينا أن الله، تعالى، يتابع كأس العالم، وأنه، جل شأنه، سينزل ملائكة مُسَوّمين لنصرة فريق كرة قدم، وجدنا أن الملائكة ليس لديها وقت لتجلس في المدرجات، فالمحتاجون إليها في مصر والجزائر والسودان بالملايين، وهم يرفعون أكفهم بالدعاء لعل الله يساعدهم في التخلص من المستبدين والطغاة والفاسدين وممتهني كرامتهم، وسارقي اللقمة من أفواه أولادهم.
 
لو أن الرئيس مبارك أعلن على الملأ عقب انتهاء برنامج (البيت بيتك) وقبيل غلبة النعاس المصريين أنه قرر تعيين جمال مبارك نائباً للرئيس، وعلاء رئيساً لمجلس الوزراء، فإن الجماهير التي تبكي وتغضب لكرامتها الكروية سوف تخرج عن بكرة أبيها للموافقة على العبودية لربع قرن قادم.
 
الرئيس بوتفليقة الذي فشل في إثارة المتاعب للمغرب، قرر استعراض عضلاته على نظام الرئيس مبارك، وجعل أجواء الجزائر كأنها حرب التحرير الثانية، والجزائريون الذين انتقلوا إلى أرض المعركة في السودان كانوا أيضا قبضايات من المسجلين خطرين، ولكنهم تعلموا من النظام المصري أن البلطجية والصيّع والشبحطجيات الذين يَعِدْهم حبيب العادلي بفيش وتشبيه ناصع البياض إذا جعلوا كرامة المصريين المحتجين على مبارك أقل من كرامة أدنى الحيوانات شأناً!
 
كلنا خسرنا المعركة، المصريون والجزائريون والسودانيون والعرب والمسلمون.
 
كلنا خسرنا كأس التمدن والتحضر والقيم والأخلاقيات، ولا يزال القرد ميمون يرقص، ويشاهد الفضائية الجزائرية والفضائية المصرية، ويتعاطف مع حكومات تمسح بكرامته تراب الأرض، وتمرمط كبرياءه في الطين، وتلغي وجوده وعقله.
 
عندما قام جاك شيراك بزيارة الجزائر رافضاً الاعتذارعن سنوات الاحتلال، خرج ملايين الجزائريين يهتفون بحياة فرنسا، وضاعت كرامة المضيفين والشهداء وأبطال حرب التحرير.
 
وعندما أهان مبارك مصر كلها ، رافضاً أي شخص آخر غير ابنه، ومُغَيّراً مواد في الدستور لصالحه، وجاعلاً المصريين أمام خيار واحد، ابتلعنا كلنا كرامتنا، ولم يتفضل فنان واحد ليطل علينا من الشاشة الصغيرة، ويذرف دمعة على وجهه الناعم من أجل مصر والعَلَمِ المصري و الكرامة .. المصرية.
 
القرد ميمون يتابع الأخبار، ويرقص أمام اليوتيوب، ويتوعد الآخر بالقتل والذبح، ويقول بأن القرداتي يمنحه الكرامة والأمن والطعام حتى لو كانت السلسلة في رقبته.
 
نظرية دارون في أصل الأنواع التي يحاولون تحطيمها كان يمكن أن تكون أكثر قوة وصموداً لو طبقناها على كثيرٍ من مشاهدي القنوات الفضائية العربية.
 
كتبتُ من قبل مقالا قلت فيه:( أنا حمار لأنني صدّقت الرئيسَ علي عبد الله صالح!) وذلك إثر خداعه إيانا، وترشيحه نفسه بعدما أقسم أنه زهد في الحكم، أما الآن فأقول: أنا قرد لأنني أشاهد الفضائيات العربية، وأنحاز أحياناً إلى القرداتي وهو يطلب مني ( تعظيم سلام للبيه!).
 
 محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو   النرويج
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد