إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

السنديان .. لا يحجب الغضب

Sendyanالكاتبة القاصة : عدلة الكوز
– هو شاعر .. وهي نجمة في كفه …
 
    كلما غمر نورها زواياه يصر على أنها نجمة ساطعة في كفه وعقله … إذا فهو خارق وعظيم … وعظيم أن تخترق مسام كفه لتشيع في عروقه وعصبه … أومأت له ذات مره .. وكان وعدا بارتشاف الفرح من ثغر الأيام .. دعوة لاستباحة منطقة معلقة قد تكون فسفورية إلى حد بعيد .. كلما اشتد الليل بدت مشعة بحدودها اللا متناهية .
 
     صار الوقت يتمدد أكثر .. وكان أن عبأ هزائمه في زكيبة اعتراف ومضى يقول الشعر .. لعله على أبواب فتوحات جديدة ولكن بلا هزائم …
 
     ينتفض حين يداهمه صوتها … يتدارك احتفال اللحظات به … وعتاب يطعم كلماته الذاهبة إلى الأجمل …
 
-: تأتين وقد أوصد القلب باب العشق ..
 
-: نشتعل .. فلنشتعل من جديد ..
 
    وأوردة يفور الدم فيها .. انقشاع لطبقات كثيفة من ضباب الأيام الموغلة في البلاده .. قد يترك شذرات الحاضر وسخافاته إلى وقت آخر .. وقت يخلو من انتصار حضوره على خواء الزمن الذي يحتال عليه ويفضي به إلى شوارع بلا شواهد .. بلا أعزاء .
 
 
 
     كان هذا الجبار الصارخ في عروقه ينتشي ليحلم وليهيئ من الحاضر خامة قصيدة تلثم الروح .. إذا فهو يركب رأسه من جديد .. يصافح هذا النيراني الذي ما فتئ يصول ويجول في أعماقه …
 
     طله دافئة في عينيه تزيغ بصرها فلا تتحرج من الانصهار في بوتقته .. إنه ربع قرن من الزمان كانت تتمطى داخله حتى تضوع العطر من أردائها برغم فشلها الذر يع في التصالح مع ذات ما قد تكون نصفها الآخر .. نصفها التائه .. تراها الآن قد بدأت تصافحه .. ربما .. إذا حق لها أن تسمعه يردد الشعر عن كثب .. ليست رؤيا افيونيه كالحلم .. إنها حقيقة رائعة ..
 
وعامر قلبها بالأمل .. لها وحدها يقول -:
 
(من عروقي تفور البراكين
 
والغيم ملعب خيلي
 
سأبدو أقل من الحب
 
لن تصطفيني فتاة الربيع
 
ولن تهمس الشمس في أذني مرة (1)
 
وستنفر مني الغزالة أو تتوجس
 
لكنني – ضاحكا – ملء أوديتي
 
عابـــــــــرا
 
بنعلين من ذهب
 
لا يراني أحد
 
قائلا لشعاع الجسد
 
كـــــل
 
امـــــرأة
 
لا تكون معي
 
خـاســرة ) .
 
     حمقاء هي إذا ما حاولت أن تبدأ معه في مسارات بلا لافتات … هذا الصباح الشتائي يخلف شيئا غامضا في صدرها .. والخطوات … وأعشاب الدرب .. هو الطريق إذا سر التقارب بين يدي اليقين …
 
     ليست تفهم نبوءتها بزوبعة ستمحو اللافتات وستقتلع أشجار الطريق المؤرخة لمشاوير الوقت المسروق بألف ذريعة .. يتداخل الحزن بينها وبين كل المرئيات .. تداري هذا كله عن شاعرها … الشاعر العتيق ..
 
    بقعة ما قد يسيران إليها … وقد يكون الطريق طويلا .. وقد يكون الفرح في أقصر اللحظات توهجا وتوقدا … قد تبدو خائفة وقلقة .. تخشى التسرب من بين أصابعه …
 
-: نعود …
 
-: لا … فلا عودة .. وصلنا مرحلة تشيخ فيها أحزان الواقع الزاحفة دوما نحو أكبادنا .. أحسها الآن تشيخ وتتراجع نحو الوراء ..
 
-: يا سيد هذي الطريق التي لا أعرفها .. يا دليلي نحو زمن يكسر طوق الوجع يمتص باتزانه الأربعيني حالة التوتر التي اعترتها .. كان يعرف كيف ينتشر في مساحة اللحظة المشاكسة ليغطي منطقة مكشوفة قد بدأ الغبار يعلوها قليلا قليلا …
 
     حسن .. إذا فهو لا يزال يملك سحره وجرأته .. لا يزال ذلك النيراني الذي يعرف وتعرف شقاوته أشجار سنديان تليق برجولته .. إذا ما انتشت وبدأت احتفالها الكوني به .. وحده يعرف طقوسها حين ما تهم بالاحتفال به .. ثمة تواصل قد عبأته السنون بالشفافية والرقة والرعونة أحيانا ..
 
     الطريق ما زالت طويلة .. حين يصل .. يطيح بنكساته سريعا .. كم يهيئ له شجر السنديان عرسا واحتفالا .. تهتز جذلي بعبقه … وتنصرف اللحظة الساخنة تستل سيوفها لتقطع رأس الوقت المشحون بالغين .. وبذلته الرائعة تبدو أجمل .. وبساطة الأزرق الذي افترشه التحم مع بساط الأرض الأخضر .. وكانت هي إذ تقبل باتجاهه تسعفها يداه لتصير المسافات بلا أشداق واسعة ..
 
     ويعرف الشاعر أن للطريق نهاية وللحظات التوحد أيضا نهاية وسهل على الذاكرة أن تسترد رعونتها .. يبتلع ريقه حين يستعيد مذاقا كان قد سماه خديعة … كان لونه صارخا … قالت له ودهاء يتربص به .. دهاء يخلقه التوجس من الزوبعة …
 
-: أدلك على اتجاه سيفضي بك إلى مساحات من الخصب …
 
    كانت دائما تصر على العودة … وثمة شك يتحفز في داخله .. لا يصدقها ولكنه يذعن لرغبتها بسرعة الضوء يستعيد مذاق خيبة تحرضه على الغضب … إنها لا تريده أن يغضب من جديد في طريق قد ثملت من مشاويره كثيرا …
 
     ها هي تسير إلى جانبه وأنفاسها اللاهثة تذيع سر شقائها في استباحة أرض كانت في عينها رقعة من عالم لم تطأه من قبل … ولكنها رائعة …
 
     والشاعر بكامل عنفوانه يعلن سيادته … تصير روحه مرهونة بلحظة ارتواء يحقق له هذا الذي يكتمل بعدما كان فرحا مقصوفا في وقت مضى …
 
ها قد خلفت يداه وأصابعه … أزهارا تفتحت من جديد .. كان وعده لها … كان السنديان لا يفيق من سكرته وكانت نجمته بين أصابعه تتلألأ كصرخة حياة … صرخة توزعت في فضاء مكان قد سماه كهفا لسيد العاشقين … سيد هو حتى فيما اختاره من بقع هذي الأرض … يدعوها لتشاركه نشيد الاشتعال في حضرة السنديان .. ولكنها تجفل في اللحظة المؤطرة بالنار … كما تخشى شروطها …
 
     كل الذي أودعته الزوايا المظلمة ليغيب في لقاء كان مهددا بأن يبلله المطر رغما عنها كان يطفو على السطح .. فيسلبها صوتها وشعلة النشيد …
 
     خذلته فصار نشيده مشروخا بصوت أحادي غادرته النشوى .. وبحة الحزن مؤشر بدائي لغضبة الشاعر .. وكان سيدا حتى في غضبه …
 
-: وجهك يسجل غضبا يتعمشق كل معالم الطريق .. عودة حقيقة هذه المرة من رحلة قد تخلف ثالثنا فيها ..
 
-: ركلته أنت .. واعتديت على لونه وكبريائه ..
 
-: معتدية أنا ..
 
-: نعم
 
-: ولكنني لست أعرف موعدا لمواسم هجرة الروح .. تباغتني لترود مواطن الفجيعة في أعماقي …
 
-: تخلفين الخذلان لنفسك وللآخرين ..
 
-: أنا
 
-: نعم
 
       أي نعم هذه التي تدينها .. يسلط غضبة العالم كله عليها .. ليس ذنبها أن خيباتها قد قفزت من مغاورها لتدك الأرض من تحتها .. لتشوه لوحة جميلة كان يحاول أن يرسمها بعناية حتى لا تفسد إحساسه هو بهندسة المكان والزمان …
 
     كانت تنتظر يدا تنتشلها من متاهة الحزن والشتات … فإذا بها في لحظة التيه لا تجد إلا إعراضا وتأنيبا وإدانة .. لم تكن نجمة لعوب بضوء فاجر لا يخفت …
 
      اليقين يزداد ليها بقسوة الإبحار في فضاء يسكنه قمر وحيد وكانت باتجاهه تحدد المسار لتغيب في ضيائه .. ولكنه في اللحظة الأخيرة كان وجهه قد تجهم واكتفى بابتسامة باهتة معلنا عن تقلب الطقس .
 
 
 
 
 
 
 
 الأشعار الواردة في القصةهي:
 
(1)               للشاعر الأردني
 
           يوسف أبو لوز
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد