إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

كل عيد .. وأنت الحب يا وطني

Lotfe(10)د . لطفي زغلول – نابلس
كل عيد وأنت العيد والحب.. يا وطني .. ها أنت تصحو مرة أخرى على صباح عيد التضحية والفداء ، وكم صحت عيناك من قبل على مدار الأيام والسنين على مثل هذا الصباح . ها أنت تصحو تفتح ذراعيك تتنسم عبق نسائم الحرية المعطرة بأنفاس أجيال من عشاقك اصطفوا جيلا فجيلا يقدمون لك فروض التضحية والفداء .
أيها الأب الحنون والأم الرؤوم .. في أحضانك وبين ذراعيك وتحت ظلال أفياء حبك الغامر هذا المدى يولد أبناؤك يلوّن عيونهم شوق لرؤيتك ترفل في عباءة المجد والحرية .. يخفق في قلوبهم عشق لا ينطفىء ضرامه رغم أعاصير الأيام  السوداء .. في أيديهم تتهادى مناديل بلون ثراك وأطيارك وأزهارك وسمائك ونجومك وأقمارك .. في أشواقهم حرارة شمسك التي لا تعرف الانطفاء والغروب .
بين يديك تعلم الكبار والصغار أبجدية الاصرار على اختيارك أنت دون سواك برغم المنافي والشتات .. كل حرف من حروف اسمك ملحمة عشق ترددها القلوب قبل الألسن .. الفاء فارس أنت يأبى الترجل عن جواده .. اللام لا حب الا حبك .. السين سلام ربوعك على عشاقك المنتمين اليك قلبا وروحا وفكرا .. الطاء طريق أنت الى المجد والعلياء والكرامة .. الياء يد مباركة أنت تمسح جراحات الزمن .. النون نور أنت يضيء دروب أبنائك ونار تحرق كل يد تمتد اليك بسوء .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني . إثنان وستون عاما مضت وانقضت ، مرت ثقالا كالجبال ، نهاراتها بلا شموس ، ليلاتها بلا أقمار ، فصولها بلا ربيع ، ركابها رحلة في متاهات المجهول . لكننا لم نترجل هنيهة عن صهوة العشق الذي حملناه لك في صميم جوارحنا . سماؤك ، روابيك ، وديانك ، مروجك ، شطآنك ، أمواج بحرك ، أطيارك ، أزاهيرك شاهدة أننا كنا لك عشاقا لم يشق غبار النسيان ساحات عشقنا المقدس لك . أسكناك حنايا قلوبنا ، ومرايا عيوننا . ما هنّا يوما في مسارات فدائك ، وحاشا أن نهون .
 
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني . أيها الكبير ، ولا أكبر منك إلا رب الخلائق والأكوان . بك أنت وحدك نحن جديرون بالحياة ونستحقها . لك أنت وحدك نقدم فروض التضحية والفداء . في طريقنا إليك لم تنكسر لنا قامة ، ولم تنحن هامة . ركبنا ما زال يغذ الخطى ميمما شطر أحضانك . يتحدى المتاهات في ليالي منافي الشتات . أنت العنوان ، يوم لا عنوان إلاك . بك نحن موعودون ، وإن طال زمان الإرتحال إليك . أنت قدرنا . بذكرك بعد الله نستفتح ، نصابح نهاراتنا ، نماسي ليالينا . باسمك نعانق الشمس في مهد ميلادها ، وباسمك نلوّح لها وهي في هودج الإرتحال .
 
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني . عصي أنت على الإنشطار . عنيد لا يشق لك في وحدة المصير غبار . ونحن أقسمنا لن يصبح الدم في عروقنا ماء . هذا الدم لا ينبغي له إلا أن يكون محرما على عشاقك ويوم يحللونه ، لا يحل إلا في مذبح تحريرك وحريتك . كل قطرة دم نهبها لك نفحة حياة ، تعانق ثراك ، فتخرج من رحمه براعم الأمل ، تورق ، تخضوضر ، تزهر ، تثمر وعدا بالحرية .
 
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. رحلتنا إليك بدأت بك ولا تنتهي إلا بك . أنت حادي الركب إلى يوم لا تغيب عنه الحرية ، إلى شمس تضيء فضاءاتنا أملا بغد واعد لأجيال ورثت حبك عن أجيال وأجيال من عشاق الإنتماء إلى حماك . ومهما طال المشوار إليك ستظل القافلة تسير وتسير تتحدى العتمة والغربان ، تتحدى هذا الليل الباسط ذراعيه على آفاقنا ، تطارده بمشاعل التحرر والخلاص حتى ينجلي إلى الأبد .
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. أيها الواعد الموعود . ما زلت ملهما لأبنائك الميامين المنزرعين بين ذراعيك كصخور جبالك الشماء . واعدا باللقاء الأخير على ثراك الطهور . موعودا بأسراب طيورك ، تعود من منافي الشتات والإغتراب إلى عشك الدافئ الحنون . موعودا بأسراب شامخة الجبين خلف القضبان ، شاءت فلا بد لقيدها أن ينكسر يوم تشرق شموس نهارات الحرية . موعودا بأجيال أسراب ما زالت في رحم الغيب ، سـتولد في أحضانك كما ينبت الربيع ويخضوضر بعد ليل خريف وشتاء طويل .
 
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. وأنت تصحو هذا الصباح ترفرف فوق روابيك أجنحة الذين مهروك أرواحهم فداء وعد الحرية والرجوع إلى أحضانك . إنهم فتية آمنوا بربهم ، وآمنوا بك . كانوا رماحا تهوي على صدور الغربان ، ويوم قبلوا ثراك قبلة الوداع ، حلقوا إلى العلياء ، إلى مدارات الذكرى الأبدية . غدت أسماؤهم مشاعل تضيء فضاءاتك نورا وخلودا .
 
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطن الأسرى .. تمردوا على قيود عبودية الزمن الملطخة كفاه بالسواد والطغيان . أسراك أيها الوطن الأسير وهبوك شبابهم مهرا لعرس حريتك . تحدوا المستحيل ركبوا الاهوال ، شقوا غبار الموت والدمار . وها هم الآن خلف القضبان يطرزون لك من عنادهم وشاح كبر ، ينظمون لك من إصرارهم مسبحة حرية ، يرسمون لغدك من سنا محياهم شمسا لا تغيب ، شمسا لنهارات وعد لا يخيب .
 
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. لا تحزن إذا لم تعد هذا الصباح الأطيار الضاربة في المنفى إلى أحضانك . لا تحزن إذا لم تتنسم رائحة الحرية عندما تفتح عينيك هذا الصباح . الحرية ما زالت تشق غبار الشتات لتلقي برحلها بين يديك . لا تحزن ، لا تحزن إذا لم يحمل هذا الصباح لك العيد . عيدك ما زال على أجنحة وعد العشاق . غدا ستصحو على مغناتهم تعطر المدى . تعيد لك العيد . تتوج به هامتك البهية . تزرعه على محياك ابتسامة لا تمحو إشراقتها الليالي الليلاء .
 
كل عيد .. وأنت العيد والحب .. يا وطني .. ها نحن نقف بين يديك هذا الصباح كما في كل صباح . نمد أيدينا إلى السماء . وبكل إيمان وخشوع نصلي لله في عليائه ، سائلين إياه جل جلاله أن يطلق سراحك من بين براثن الإغتصاب . أن تعود لنا كما كنت على مدى الأيام . أن يمن علينا بنعمة الرجوع إلى أحضانك . أن تكتحل عيوننا ببهاء طلعتك الأبية ، وشموخ جبينك الوضاء . أن تكبر أجيال أطفالنا بك ، وتكبر بهم . يومها تصبح كل أيامنا وليالينا أعيادا وأعراسا . فأنت أنت وحدك العرس والعيد والحب والوطن .
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد