إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عيد اليوم والأمس

3eed

 

جاكلين صالح أبو طعيمة
 
كلما كان يشتد الموت … كنا نفيق من سكراته على أمل … والأمل يحبو ويحبو حتى يسير بنا ويمشي بعيداً … نستمر تحدونا قوة لا نعرف لها أصلاً … رغم أننا بها نبقى … نعم نبقى … هي القصة في البقاء..
 
البقاء في تلك الحجرة بما تحويه من دفء وحب وأمل بأن الحياة أجمل والعمر أطول …
 
البقاء حيث الحدوتة القديمة … وعيوننا الصغيرة التي تدور في الظلام حول شجرات الزيتون لتراقب الغول… هل تراه قادماً كما قالت جدتي أم سيظل وهماً يطارد أحلامنا اليَقِظَة؟ … وهل يأتي ذلك الغول حين تطفئ أمنا النور في الغرفة يلعب حولنا ونحن نائمون، ويخطط ليأكل أول واحد ينام قرب الباب كما كنا نتخيل …
 
رغم وجود الغول .. وتشبثنا بغطائنا وتبولنا خوفاً ونهر الأم والأخت الكبرى في الصباح إلا أنها كانت أجمل … كنا نحب البيت والحارة والمدرسة، نحب أن نعيش كثيراً ونكبر … والآمال تحدونا تسير بنا … غدا العيد … نستمر في بكاء قبل مجيئه بأربع وخمس أيام لنحتال على أمنا فتشتري لنا كل جديد … أياً كان ما يشتروه لنا كنا به نسعد … نرضى … كان للرضا طعم آخر..
 
كبرنا فجأة .. طرق العيد أبوابنا مستأذناً بالدخول … ترانا هل نسمح له أم ينتظر لنخطط ونتفاكر .. حين كنا صغار لم يكن العيد يطرق الأبواب كان يأتي من كل مكان من السماء بزرقتها في صفاء لم نعرفه إلا في خربشات دفتر الرسم في الصف الأول … كان يأتي من الشمس في بهاء لا نره إلا حين يمد أول قريب يهنئ بالعيد يده في جيبه ليخرج لنا (خمسة ألاف أو عشرة آلاف) نسيت اسمه شيكل ونصف شيكل.. ونحن نردد شكراً يا عم كل سنة وأنت سالم ..
 
 
 
جاء العيد قبل يوم ينظرنا يقف ببابنا … يسترق السمع لهمساتنا … وكله ظن بأننا لا زلنا نهمس كما كنا … أفزعه صراخنا وتوترنا … ارتجت معالمه ابتعد قليلاً … واستدعى قواه وعاد ينصت … كنا قد كبرنا وعلا صوتنا وزادت مطالبنا فلا عاد قميص واحد يكفي أو حتى حذاء.. فالقميص له اسمه والحذاء له عشرة أسماء … والألف والخمسة آلاف مذبوحة على مناسك التغيير والتطور… بل الغلاء والموضة والأزياء… نظر العيد مستهجناً وظن أن البيت قد تغير سكانه .. ابتسمنا بمكر لم يعرفه في براءتنا وقلنا نحن هم في زمن جديد … ولم ير ابتساماتنا لكنه لمح كيف كانت تبرز أنيابنا … ولم يلمح فرحة في قلوبنا أو على شفاهنا فقد كان همنا ما نلبس غداً وكيف نظهر بشكل أجمل … لم يرَ فينا نفوساً صافية أو عيوناً تبرق بحب للحارة والجار وابنة العم والخال… كان يرى قشوراً تزين أجسادنا … اهتز كيان العيد باكياً بما يحمل من ذكريات لأيامنا وهمس بخوف لم يكبر فيكم شيئاً سوى القبح والسوء … كبرت أنفسكم على الحب والصفاء … وغادر أعتاب بيوتنا يمزقه شوقاً لسعادة جاء ينثرها بعبير حب وأمل ليوم جديد…
 
 
 
ومن ذلك اليوم الذي زادت فيه قشورنا حسناً وجمالاً رحلت السعادة عنا ورحل الأمل … حتى العيد الذي كنا ننتظر أصبح يأتي اسماً لا معالم له ولا روح … فقد ماتت روحه في ضجة تغيير عمت الحارة القديمة مرة..
 
وكبرنا بقشورنا وكبرت همومنا فلا عدنا نخاف الغول ولا زوجته الغولة لأن ما يخيفنا أكبر من حدوتة جدة أو نور منطفئ في غرفة صغار … ما يخفينا أصبح أننا ضيعنا كل شيء حتى مخزوننا من الأمان …
 
فللعيد الذي جاء يوماً وولى عن ديارنا أقدم كل الاعتذار … لا تجزع يا عيد إن لم تجدنا كما نحن فأنت أيام وتمضي لكنا نحن لا زلنا لا نجد أنفسنا … والسلام .
 
 
 
جاكلين صالح أبو طعيمة
 
فلسطين – رفح
 
28/11/2009
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد