إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قصة قصيرة – شهرة متاخرة

shoكتابة /ثبات نايف

 
     كنت أقف أمامها ، أرقب تعابير وجهها وهي تقرأ في ورقتي . . فكانت تبتسم ثم تفتح
   عينيها على سعتهما وما تلبث أن تضحك ضحكة خفيفة و تهز رأسها دليل الموافقة ..
   وعندما انتهت من قراءة السطر الاخير قالت لي باعجاب :
اقرئيها على زميلاتك
أخذت الورقة منها ووقفت في مواجهة طالبات السنة الثانية من المرحلة الإعدادية ، وقرأت عليهن أول قصة كتبتها في حياتي .
كانت الست صبيحة معلمة اللغة العربية توليني اهتماماَ أكثر من غيري من الطالبات فتمنحني درجات كاملة في الامتحان كا نت تلام عليها من قبل باقي المعلمات ، وحجتهن أن اللغة، أي لغة ، ليست معادلات رياضية يتقن المرء حلها ويصل إلى نتيجة معلومة فيها فاللغة بحر واسع لايستطيع الإ نسان أن يلم بها إلماما كاملا حتى وإن كانت لغته الأم .
عندما انتهيت من قراءة قصتي فوجئت بتصفيق حاد ، وكان أول من صفق لي صديقتي ناهية التي كانت تهوى الشعر وتكتبه ، وهي بدورها كانت تحظى باهتمام الست صبيحة وتشجيعها .
أمسكت معلمتي بيدي وقالت لي:
انظري ياابنتي ..لديك موهبة في كتابة القصة ، والموهبة نعمة من الله ، ولكنها وحدها لاتكفي للدخول إلى عالم الأدب الجميل .. بل يجب عليك أن تقرئي كثيرا وتتعلمي من الأدباء الكبار … وأنا واثقة من أنك ستكونين كاتبة مشهورة في المستقبل..
بعد انتهاء الحصة أخذت ناهية القصة مني وقالت لي إنها ستعطيها إلى شقيقها الطا لب في كلية الحقوق والذي يعمل مساءا في صحيفة يومية ، وأخبرتني في اليوم الثاني أن شقيقها أعجب بالقصة وأنه أعطاها إلى رئيس التحرير الذي وافق على نشرها في صفحة ألأدب ..
نُشرت القصة بعد ثلاثة ايام ، وكدت أطير من الفرح وأنا أقرأُ اسمي مطبوعا ، تما ما كما تفرح المراهقة الصغيرة وهي تتلقى أول رسالة من حبيبها . أخذت الصحيفة إلى أمي التي كانت تجيد ألقراءة والكتابة دون قريناتها ، ففرحت هي الأخرى لفرحي ولكنها قالت لي
آه … كم اتمنى أن تكوني طبيبة يا ابنتي ..
قلت بثقة :
ولم لا ؟ كاتبة وطبيبة مثل القاص الكبير الدكتور يوسف ادريس .
في تلك الساعة غابت عن ذهني حقيقة يرددها الكبار ولم أكن أدركها ، هي أن الإ نسان لايملك مصيره بيديه ، فقد كان لنشر القصة أثر كبير في حياتي وتغييرمسارها بشكل لم يخطر لي على بال ، فالصحفي الشاب لم يكتف بنشر قصتي بل راح يتابعني ، وينشر لي ما أكتب ، وأحيانا يحمل لي بعض الكتب والمطبوعات ويحثني على قرا ءتها .
وهكذا نشأت بيننا علاقة صداقة سرعان ما تطورت الى علاقة حب قوية انتهت بزواجنا بعد سنة واحدة من تخرجه.
أخذتني دوامة الحياة الزوجية وتركت تعليمي مختارة بعد حصولي على الشهادة الاعدادية التي اهلتني للالتحاق بوظيفة حكومية بائسة لقاء راتب ز هيد ، ولكن كان له أثر فعال في مساعدة زوجي على تحمل مطالب الحياة ، ومع قدوم أربعة اطفال أصبح علي مستحيلا أن أمسك قلما أو اقرأ صفحة في كتاب
كان نهاري يبدأ مع أول شعاع ترسله الشمس ولا ينتهي مع مغيبها.. بل يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل ، وكانت مسؤوليا تي تزداد مع تقدم الأطفال في العمر ثم دخولهم المدارس حتى تخرجهم من الجامعات ، ثم زواجهم واستقلالهم نهائيا .
أما رب أسرتي فلم يمارس المحاماة بعد تخرجه من الجامعة ، بل اختار العمل الصحفي إذ كان صاحب فكر ومبادئ سامية وتلك الصفات زادتني حبا وإجلالا له … وكان يعتقد أن الصحافة تخدم مبادئه فعمل فيها بجد وتفان ، وانتقل الى العمل في صحيفة حكومية ولم يمر وقت طويل حتى عين في منصب رئيس تحرير . وعمل كهذا لايرحم صاحبه وبالتالي لايرحم اسرته ، إذ اصبح الرجل يعمل كل ساعات نهاره ومعظم أوقات ليله ، فكنت أقوم عن طيب خاطر بسد الفراغ الذي يتركه غيابه وأنجز الأعمال التي تعد من واجباته كرب أسرة ، ولم تتوقف تلك الدوامة من عمله إلا عندما أحيل على التقاعد فقد عاد يوما ووضع أمامي ورقة قائلا
التقاعد !
استبشرت خيرا وقلت له :
الحمد لله ، لك الآن أن ترتاح من عمل لم تكسب منه إلا ألقليل القليل، بل لم تجن شيئا يذكر، مقابل سنين شبابك كلها . الآن ستتفرغ لمشاريعك الشخصية .
تأملني مبتسما …ولم يقل شيئا ..لكنه قال لي الكثير
ذات يوم زارتنا شقيقته ناهية وبيدها كتاب عليه غلاف جميل . قالت :
هاكم هذا ديواني الأول !
أخذت الكتاب منها ، وقلت لها وشيء من الحسد يسري في نفسي :
مبروك ..
بينما لم يخف شقيقها فرحته وهو يأخذ الكتاب من يدي ويقلب صفحاته ويقول :
جميل ..جميل جدا
ولكنه بعد أن تصفحه قال باستغراب :
كل القصائد قديمة ، وأين الجديدة ؟
قالت : لم اجد في قصائدي الجديدة ما يستحق النشر ، وأعترف لكم بأنني لم أعد قادرة على كتابة الشعر كما كنت في بداية حياتي (وسكتت قليلا ثم أوضحت
عندما قررت الحصول على شهادة الدكتوراه كان علي أن أختار بين الدراسة والتدريس وبين الشعر ، وفي حسابات متطلبات الحياة العصرية كان لعمل التدريس الغلبة … فالشعر لن يطعمني خبزا .. اليوم كل وقتي للطلبة ، أبحث عن شعراء جدد بين طلابي وأحاول توجيههم ..
ضحكت وقلت لها :
إذن أنت الآن ست صبيحة أخرى .. هل تذكرينها ؟
 
قالت : ومن ينسى معلمة مثلها ، لقد جعلتني أحب اللغة ألعربية حبا ملك مني كل حياتي   كما ترين ..
لم تتزوج ناهية مع أن كثيرين تقد موا إلى خطبتها ، فهي لم تقتنع بإي منهم ، و كانت تفصح لي عن رأيها بالزواج فتقول : إن الفتاة تتزوج عندما تجد رجلا مكافئا لها .. وهي لم تجد في أي رجل من الذين تقدموا اليها من يناسبها ، ربما بسبب ما في نفسها من غرور الشعراء .
عندما خرجت ناهية كنت أفكر مع نفسي و أسئلة و أجوبة متضاربة تدور في رأسي . لاحظ زوجي شرودي وكأنه عرف ما يدور براسي فقال :
هيا أفصحي عن أفكارك . أنادمة أنت على اختيارك الزواج والأسرة..؟
       قلت بلا تردد :
     – أبدا أبدا ..لاشيء يعوض المرأة عن حياة الأسرة مهما كانت تضحياتها لها.. ولكني لم أصبح طبيبة كما تمنت أمي ، ولم أصبح كاتبة مشهورة كما تنبأت معلمتي ، ولست الآن سوى موظفة بسيطة متقاعدة ..
ضحك وقال :
وزوجة لرجل مشهور جدا (رمى بعقب سيجارة من يده) وأكمل
رمانتان بيد واحدة مستحيل … ربة أسرة ناجحة وكاتبة مشهورة مستحيل، أما هذه أو هذه، فأي اختيار لإحداهما معناه التضحية بالأخرى (وأخذ نفسا عميقا من سيجارته التي أشعلها توا وأكمل) ..
اليوم وبعد أن أكملت رسالة الأمومة كما يجب .. بإمكانك أن تبدئي الكتابة وتستحضري الكاتبة الموجودة في أعماقك .. إجمعي قصصك وأضيفي لها أخرى واطبعيها في كتاب .
 فكرت في كلامه واقتنعت به .. وفتحت درجا صغيرا من دولاب في غرفة المكتبة وأخرجت منه ما كنت احتفظت به من قصصي ألمنشورة وأعدت كتابتها في دفتر صغير وأضفت بضع قصص أخرى لم أنشرها
أخذت الدفتر إلى مطبعة أهلية فقال لي صاحبها وهو يقلب الدفتر :
هل هذه القصص لابنتك..؟
قلت متباهية دون أن أفهم قصده :
كلا ..إنها لي
نظر في وجهي نظرة ذات معنى جعلتني أفهم سؤاله وقال :
ومالذي ستحصلين عليه من طبع هذه القصص ؟ هل تعتقدين أن الناس في هذه الايام يمسكون بكتاب ويقرؤون .. ؟ نحن ياسيدتي في عصر التلفزيون حيث الإنسان يمضي معظم أوقاته في مشاهدة المسلسلات التي لا تنتهي
أطرقت مليا ثم قلت :
ومع ذلك يجب أن أطبع هذه القصص . كم سيكلفني ذلك ؟
لم يعلق على كلامي بشيئ، بل مط شفتيه ، فالأمر لن يضيره مادمت سأدفع له أجره ، فهو في النهاية رجل تاجر يهمه أن يقبض نقوده كاملة .. وفي الحال أخرج ورقة وقلما وراح يدون أرقاما مختلفة ثم قدمها وقال :
هذا هو المبلغ المطلوب ، فدفعته إليه ، وخرجت . وبعد شهر تقريبا أخبرني بالانتهاء من طبع كتابي وطلب مني الحضور بسرعة لاستلامه فلا مكان لديهم في المخزن
عدت إلى البيت أحمل كتابي في علبتين من الكارتون وأفرغتهما على رف صغير في غرفة المكتبة .
قلت لزوجي ونحن نرتب النسخ :
نصحني صاحب المطبعة أن أهدي نسخا من كتابي إلى مسؤولي الصفحات الادبية في الصحف وأن أعطيه إلى بعض المكتبات للبيع
قطب زوجي حاجبيه وقد استحضر البدوي الصغير داخله وقال مستنكرا
وهل ترين أن الفكرة مناسبة لك وأنت في هذه السن ؟!
بقيت النسخ مركونة على الرف مدة غير قليلة أهديت عددا منها إلى صديقاتي وبعض جاراتي ، غير أنني لم ألق ترحيبا منهن كما تمنيت ، فمن تقدم بها العمر قالت لي :
ومن أين لي بالبصر في عيون لاتكاد تميز الطريق أمامها لكي أقرأ كتابك ياصديقتي ؟
أما الثانية فقد استغربت قائلة :
بعد أن شاب أخذوه للكتّاب !
وعندما أعطيت نسخة إلى جارتي الشابة قالت لي بلطف وتهذيب :
يا خالتي أنا لا أجد وقتا أمشط فيه شعري ، وأكاد أفقد عقلي مع نصف دزينة من الاطفال
تركت نسخ الكتاب دون أن أتخذ قرارا حاسما بشأنها ، لكن سؤالا ظل يطرق في ذهني ويزعجني بين الحين والآخر :
ماذا أفعل بالنسخ الألف ..؟
ذات يوم وجدت الجواب لسؤالي في حافلة نقل الركاب ، إذ كنت أجلس إلى جانب رجل يقرأ في كتاب ولاحظت أنه مستغرق تماما في القراءة . سألته متطفلة ؛
أتقرأ كثيرا يا سيدي ..؟
قال :
أجل ..
قلت :
أتقرأ في كتب في مجال واحد؟؟
قال :
أبدا أبدا ، أقرأ أي كتاب يقع بين يدي ، المهم أن أقرأ ..
ابتسمت وقلت :
أنا كاتبة قصة ولدي كتاب مطبوع ..أعطني عنوانك لأرسله إليك ..
رحب الرجل وأخرج ورقة وقلما ودّون عنوانه . في اليوم التالي كنت أحمل نسختين من كتابي وأرسلتهما إليه با لبريد العاجل مع توصية بأن يعطي النسخة الأخرى إلى من يريد .
بعد أسبوع وصلتني منه رسالة إعجاب وتمنيات مخلصة بأن يقرأ لي قصصا اخرى .
رسالة هذا الرجل أوصلتني إلى فكرة جهنمية ، فقلت لنفسي وأنا أقلب الفكرة : كل شيء ممكن .
في صباح اليوم التالي كنت أحمل عشر نسخ من كتابي وتوجهت إلى مركز المدينة في حافلة لنقل الركاب . جلست إلى جانب رجل وتعمدت أن أضع نسخ الكتاب في حضني بشكل يلفت نظره . وكما توقعت سألني وهو بشير إلى الكتب :
أهذه للبيع ؟
قلت :
لا
وأعطيته نسخة .
مد راكب يده وكان واقفا قريبا منا فأعطيته أخرى . وابتسمت شابة في وجهي تجلس قريبا مني ومدت يدها ، فناولتها نسخة . وتنبه الراكبان الجالسان أمامي والتفتا يستطلعان الأمر فسألتهما إن كانا يريدان ، فهز أحدهم رأسه موافقا أما الثاني فقال بجفاء :
لا
بعد ذلك امتدت أيد عديدة من هنا ومن هناك ، وفي أقل من دقيقتين نفدت النسخ التي معي
فأسرعت بالنزول من الحافلة عند أول توقف لها وعدت إلى البيت مبتهجة .
بعد أسبوع أخذت مجموعة أخرى ، ولكني صعدت إلى حافلة فى اتجاه مخالف متفادية أن يكون بين الركاب بعض من كانوا في الحافلة في المرة السابقة ، ووزعت النسخ كما في تلك المرة .
وهكذا كان ألأمر في الأيام التالية ، وفي كل مرة كنت أتوخى الحذر من أن أعطي الكتاب إلى شخص أخذه مني سابقا ..
 قلت لرب أسرتي بانتصار :
لم يبق إلا عشر نسخ !
ضحك وقال بنبرة جادة :
احتفظي بها فقد يأتي إليك من يطلبها ليكتب عنها .
قلت إنها تجربة ولا أدري أن نجحت فيها أم لا ، ولكن الذي أعرفه جيدا أن هناك مئات من الناس قد قرأوا قصصي وهذا شيء يسعدني فعلق مداعبا :
الآن أصبحت كاتبة مشهورة
قلت وكأني أقنع نفسي .
أجل ، ولكن في غير أوانها !
 
 
 
                                                 بغداد-27/5/2008
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد