إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الجبهة الشعبية: حذار من تكرار الأخطاء المميتة

الجبهة الشعبية: حذار من تكرار الأخطاء المميتة

بقلم: زياد ابوشاويش

ترددت كثيراً قبل أن أقرر الكتابة في هذا الموضوع الحساس المتعلق بقرارات خاطئة للمكتب السياسي واللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المبنية على فهم مغلوط لبعض المسائل السياسية والأمنية، ومبعث التردد هو أني كنت ممثلاً للجبهة بسورية وأحد كادراتها المطلة على بعض القضايا الداخلية التي حظيت بنقاش واسع في القاعدة الحزبية، واجتهاد لبعض الرفاق القياديين في الاتجاهين، منها عودة الأمين العام السابق الشهيد أبو علي مصطفى للأرض المحتلة والتي كانت بقرار من المكتب السياسي للجبهة وكان هو شخصياً غير موافق عليه، وكذلك القرار المتعلق بإلزامية وجود الأمين العام ونائبه داخل الأرض المحتلة، وبالتالي التعامل مع قضية خروج سعدات الأمين العام الحالي من السجون الصهيونية عبر التبادل على ذات السوية في موضوع أبي علي مصطفى، أي بقائه هناك بعد تحريره وهذا من وجهة نظري تكرار للخطأ المميت السابق المرتبط بقرار عودة أبي علي مصطفى الآنف الذكر.

قبل تناول الموضوع بالتفصيل لابد من لفت الانتباه لمسألتين، الأولى أن بعض الاستنتاجات لن تكون معللة بدرجة كافية لارتباطها بمعلومات ليس من المفيد ذكرها وأمانة الموقع الذي شغلته تفرض عدم نشرها. والثانية أن هذا الموضوع يجب أن يحظى بنقاش واسع في أوساط الجبهة، وهذا أمر غاية في الأهمية على صعيد الكادر والقيادة وأنني لا أملك حق منح صوتي بأي اتجاه كوني لست عضواً في الجبهة منذ أحد عشر عاماً وحتى إشعار آخر.

في بداية عام 1997 كنت في استقبال الدكتور جورج حبش رحمه الله قادماً من الأردن حيث كان يقضي عيد الميلاد المجيد ورأس السنة مع عائلته، وهي عادته في كل عام. وبعد أن أكملنا إجراءات الدخول لسورية غادرنا سوياً منطقة الحدود متوجهين لدمشق وفي الطريق كنت أرى بعض علامات القلق والتوتر على محياه وفي عينيه تساؤل سرعان ما كشف عنه بسؤالي عن مدى صحة عودته للداخل استجابة لنداءات العديد من الرفاق في الداخل والخارج، وكنت أعرف حساسية الأمر لدى جورج حبش القائد والإنسان وهو الرجل الشجاع والحكيم والذي يعرف تماماً أهمية العودة للاجئين الفلسطينيين لوطنهم.

فهمت أيضاً من لهجة السؤال أن الرجل في حاجة لمن يوافقه الرأي على خطأ هذه العودة دون الستة ملايين لاجيء في الخارج، ولذلك حين أجبته بأن عودته مهمة جداً لإحداث التوازن القيادي بين جناحي منظمة التحرير الفلسطينية إلا أن هذه العودة ستكون ذريعة للنيل منه شخصياً ومن الجبهة الشعبية حيث سيقول الشانئون وهم كثر أن جورج حبش عاد وترك شعبه لاجئاً وأنه اكتفى من حق العودة بممارسته شخصياً، ناهيك عن كلام الناس العاديين بل والمحبين للجبهة من أن الزعيم الفلسطيني الراديكالي والمؤتمن على الهدف الاستراتيجي يعود بتصريح من أجهزة المخابرات الصهيونية أو بموافقة سلطات الإحتلال.

الحكيم تهلل وجهه فور سماعه بكامل وجهة نظري وكما أسلفت فقد كان ينتظر ويريد هذه الاجابة وقد قلتها له ليس لإرضائه أبداً بل عن قناعة بكل كلمة فيما قلت.

والآن لجوهر الأمر وهو يتلخص بنقطتين: الأولى قرار اللجنة المركزية بأن يكون الأمين العام ونائبه داخل الأرض المحتلة، وفي هذه يحلو للبعض القول " داخل الوطن " بدل الأرض المحتلة وهذا كما يعلم الجميع خداع للذات لا يجب ان تمارسه الجبهة الشعبية التي تكثر من الحديث عن المنهج العلمي والمنطق الجدلي.

والثانية إبقاء الرفيق المناضل أحمد سعدات الأمين العام للجبهة داخل " الوطن " في حال الإفراج عنه نتيجة التبادل المزمع بين حركة حماس و"إسرائيل".

في الأولى أتذكر ومعي الكثير من الرفاق وكنت وقتها ما زلت عضواً في الجبهة أن قسماً كبيراً من الرفاق اعترض على القرار وأنا منهم على خلفية سياسية وأمنية، وقلنا حينها أن انتقال مركز الثقل للداخل لا يعني أبداً أن يكون الأمين العام ونائبه في الداخل لأن هذا يعني خللاً باتجاهين: الأول أن الجبهة الشعبية تتخلى عن الملايين الستة من اللاجئين بالخارج وتتساوق مع منهجية أوسلو التي دفعت بكل الكادر للداخل لنرى بعد هذا الأمر مواتاً في حراك الخارج ونشاطه والنتيجة أن قدرات الملايين الستة لم تجد على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية من يؤطرها أو حتى يهتم بها. والخلل الثاني أمني ويرتبط بوضع قيادة الجبهة الأولى تحت رحمة الأباتشي الإسرائيلية ليختار العدو الوقت المناسب للإجهاز عليها وهذا ما جرى على وجه الدقة.

ولمعالجة هذا الأمر بروح عملية ودون أن تتعرض الجبهة لخضات أو ثغرات تعطل الكثير من عملها اقترحنا أن يكون أحد الرفيقين في الداخل والآخر بالخارج، أو أن يكون للامين العام نائبان الأول في الداخل والثاني في الخارج أما وجود الأمين العام فتحدده قضايا السياسة والأمن وبشكل واضح وموضوعي وليس على قاعدة أن العائدين هم مشاريع شهداء وعليهم أن يلتزموا. إن الشعارات الجوفاء لا تقدم المثل والنموذج وقد قام الاحتلال باغتيال الأمين العام أبا علي مصطفي خلال أقل من عامين من تواجده في الداخل.

إنني أعلن وبضمير مستيقظ للغاية حول هذا الأمر أن هناك قسماً من المسؤولية يتحملها المكتب السياسي ودائرة الأمن المركزي في الجبهة الشعبية عن هكذا خطأ أدى لفقدان الجبهة أحد رموزها وقياداتها الكبيرة التي لا تعوض بسهولة، ومرجع استنتاجي هذا يعود لمعرفة المكتب السياسي ودائرة الأمن المركزي وقتها ومن خلال معلومات موثقة أن أبا علي مصطفى سيتعرض للتصفية على يد سلطات الإحتلال وأن اختراع الذرائع لقتله لن تكون صعبة وأن عدونا لا يحترم أي معاهدات أو اتفاقات، وقد سجلت في مذكرتي للمؤتمر العام السادس أن عودة نائب الأمين العام للداخل خاطئة رغم أهميتها وضرورتها وقناعتي الشخصية بذلك وأرفقت قولي بربط هذه العودة بموافقة علنية من أجهزة الأمن الصهيونية التي ألقت ظلالاً سوداء على مواقف الجبهة، وكان هذا هو تعبيري في المذكرة التي قرأها الشهيد أبو علي مصطفى قبل رحيله.

هناك الكثير مما يمكن قوله حول هذا الأمر وربما يقف المؤتمر العام السابع أمام هذا العنوان ليعالج ويستنتج ويرسم طريقاً أكثر أمناً لمصلحة الجبهة وصيرورتها، ومن العيب أن لا نتعلم الدروس من أخطائنا.

ولابد لي من قول الآتي: إن كان المكتب السياسي يعلم ما أقول فتلك مصيبة وإن كان لا يعلم فالمصيبة أعظم. إن النقاش حول الداخل والخارج يجب أن يستمر وأن نبحث عن أفضل التكتيكات والمعالجات لخلق التوازن بين جناحي العمل الوطني بأشكاله المختلفة بين الداخل والخارج فالظروف متغيرة ومعركتنا طويلة والقوالب الجامدة يجب ان تكسر لمصلحة عمل أكثر حيوية في خدمة القضية الوطنية وتأطير أعلى للجهد.

وفيما يتعلق بالمسالة الثانية فقد سمعنا أن المكتب السياسي للجبهة يرفض أن يغادر الرفيق سعدات " الوطن " بعد تحريره وأنه يرى ضرورة بقائه في الداخل وهنا أيضاً مكمن الخلل في العقلية إن كان هذا حقاً قراراً تم اتخاذه بالفعل، ذلك أن الأمين العام سيتعرض للاغتيال في مدة لا تزيد عن سنة واحدة بعد خروجه سواء كان موجوداً في الضفة أو في غزة، والصحيح أنه إن كان ضمن صفقة التبادل فعليه أن يغادر إلى سورية أو أي مكان آمن غير الضفة وغزة لأنه ليس من الشجاعة تقديم القرابين المجانية، ومن الطبيعي لرجل شجاع كأحمد سعدات أن يصر على بقائه في الداخل لكن من الحكمة أن يصر المكتب السياسي على خروجه إن كان يعمل لمصلحة الجبهة حقاً وليس لمصلحة أفراد… ولن أزيد.

الجبهة معنية بتعديل وتصحيح أخطائها وعدم الاصرار عليها تحت ذرائع وهمية وحتى يكون كلامي واضحاً والنصيحة كما يقال بجمل أعود للذاكرة لتذكير البعض ببعض القرارات الصائبة جداً رغم عدم انسجامها مع استراتيجية الجبهة ومفاهيمها المعلبة. في الجانب العملي لاتفاق أوسلو كان على "إسرائيل" أن تفرج عن مئات المعتقلين الفلسطينيين من كافة الفصائل وكان شرط ذلك الموافقة على نبذ العنف وعدم العودة لممارسته ضد الكيان الصهيوني، أي أن حرية رفاقنا وغيرهم كانت رهناً بتلك الورقة التي سيوقعها المناضل، وفي اجتماع الفصائل العشرة بدمشق وكانت هذه أحد نقاط الخلاف أو بالأحرى النقاش الذي كاد أن ينتهي باقتراح الأخ أحمد جبريل أمين عام الجبهة الشعبية- القيادة العامة – الذي اقترح أخذ قرار برفض التوقيع والذي لم يعارضه أحد في ذلك بمن فيهم قادة حماس التي كان يحضر عنها الأخ خالد مشعل والأخ موسى أبو مرزوق، وفي هذه اللحظة تدخل الرفيق أبو علي مصطفى ليصوب القرار بالقول: " نحن لا نستطيع تعليق حرية رفاقنا على ورقة يوقعها الرفيق لأن ذلك أمر فوق الاحتمال ونحن سنعطي رفاقنا في المعتقلات حرية التوقيع أو عدم التوقيع " وفي التو انضم الأغلبية لرأي الرفيق أبي علي مصطفى واتخذ قرار بذات المعنى تحفظت عليه " القيادة العامة ".

الدرس كما نرى واضح وما ينفع الناس يمكث في الأرض وحرية الرفاق حتى بتوقيع الورقة أنفع للقضية ولمستقبل النضال الوطني كما أن التوقيع لا يمس أي قضية استراتيجية رغم مخالفته لمفاهيم الجبهة الشعبية القديمة. إن ما تقدم لا يعني كل توقيع، وعلى سبيل المثال لو كان المطلوب هو التوقيع على ورقة تنص على التخلي عن حق العودة أو تتعلق ببيع الأرض لكان القرار صارماً بالرفض.

وإلى هنا أكتفي لإعطاء المجال لنقاش حر وشفاف حول القضيتين وليساهم جمهور الجبهة وأصدقاؤها وكل الناس في ذلك، الأمر الذي ينسجم مع رؤية الجبهة لموقع الجماهير ودورها في العمل الكفاحي من أجل تحرير فلسطين واستعادة كل حقوقنا الوطنية، وللحديث بقية في عناوين أخرى نتمنى أن تكون مفيدة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي نحبها ونتمنى لها كل الخير وهي تستقبل عيدها الثاني والأربعين وكل عام والشعب الفلسطيني بخير والجبهة ورفاقنا بخير..وإننا لمنتصرون.

[email protected]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد