إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

سهرة من العمر مع فن محمد عبد الوهاب الخالد

 

سهرة من العمر مع فن محمد عبد الوهاب الخالد

 

*فرقة الموسيقى العربية النصراوية تحيي امسية موسيقية غنائية لمطرب الاجيال محمد عبد الوهاب مع المطرب المبدع ابراهيم عزت *نوسطالجيا نادرة سادت اجواء القاعة في ليلة انس لا تنسى *الفرقة الموسيقية بقيادة د. نزار رضوان والعازفين، ابدعوا وتجلوا عزفا وتوزيعا *

 

بقلم:   نبيــــل عــــــودة

 

تستطيع فرقة الموسيقى العربية ان تسجل لنفسها انجازا فنيا كبيرا سيظل يتردد على شفاه مئات المشاركين، الذين اكتظت بهم قاعة مركز محمود درويش الثقافي في الناصرة ليلة الاربعاء (9.12.09) للاستماع الى موسيقى واغاني الفنان الخالد محمد عبد الوهاب، بصوت واداء احد الاصوات النادرة في اداء ادوار عبد الوهاب بمثل هذا الاتقان الكامل، وكأن عبد الوهاب يتواصل في صوته… الا وهو المطرب ابراهيم عزت، الذي تشرشت جذوره الفنية، بارقى ما في الفن الغنائي العربي من ابداع وطرب، موسيقى واغاني احد اعظم الموسيقيين والمغنيين العرب عبر عصور الفن الموسيقي والغنائي العربي الحديث : محمد عبد الوهاب!

رغم البرد القارص والمطر الخير الدافق من السماء، الا ان الجمهور العربي في الناصرة ومنطقتها اثبت مرة اخرى انه متذوق للفن الاصيل، لدرجة ان فرقة الموسيقى العربية اعتذرت لعشرات عديدة من الجمهور الذي طلب الحصول على تذاكر، ولم تتسع القاعة لاكثر مما بيع من تذاكر في الايام الاولى بعد الاعلان عن امسية نوسطالجيا (حنين) مع موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب، مما اضطر مدير الفرقة، الاستاذ سهيل رضوان  الى الاعتذار للجمهور الواسع الذي لم يجد تذاكر للامسية، والوعد بان يقدم برامجا اخرى مع موسيقار الاجيال خلال السنة الجديدة.

والحقيقة الكبيرة، انها مفاجأة لجميع العاملين والنشطاء الفنيين لفرقة الموسيقى العربية، بأن يبرز هذا الحنين بهذه القوة للفن الاصيل وفي زمن صارت الاغنية عرضا للجميلات اكثر مما هي فن وطرب.

كنت انظر لمئات المشاركين، يهتزون على كراسيهم مع موسيقى عبد الوهاب واغانيه بصوت المبدع ابراهيم عزت.

ولا بد من الاشارة بدور الفرقة، بقيادة الدكتور نزار رضوان على ادائها المتقن، عزفا وتوزيعا. في انجاح تلك الامسية، وجعل الجالسين في القاعة يحلقون الى فضاء الفن الراقي، لدرجة ان دموع بعض كبار السن الذين عاصروا مطرب الاجيال كانت تترقرق فرحا بأمسية اعادتهم الى ايام شبابهم الباكر، حين كانت حفلات عبد الوهاب واغانيه التي تبث عبر الاثير، تسمرهم امام جهاز الراديو.

وحقا كانت مفاجأتي ان الشباب لم يكونوا اقل تهيجا وطربا، وهم لم يعرفوا عبد الوهاب الا من خلال تسجيلاته.

بدأت الفرقة بتقديم مقطوعة "الحنة" من موسيقى عبد الوهاب، ويبدو لي انها مقدمة لادخال الجمهور الى اجواء عبد الوهاب المعروف بكثرة تلويناته وتجديداته في مقطوعاته الموسيقية والحانه.

ثم ظهر ابراهيم عزت ليأسر الجمهور بثلاث اغنيات من افلام محمد عبد الوهاب، بدأها باغنية "سهرت منه الليالي" من فيلم "دموع الحب- 1935".

سهرت منه الليالي

مال الغرام ومالي

ان صد عني حبيبي

فلست عنه بسالي

لتبدأ النوسطالجيا ( الحنين ) الوهابية تجتاح مشاعر الجمهور، فيشارك الكثيرين المغني ابراهيم عزت في ترديد فقرات الاغنية، والتراقص على لحنها الذي يخترق شغاف القلب، وبعدها اغنيتان من فيلم "ممنوع الحب- 1942"، وهما من اشهر اغاني عبد الوهاب الشعبية: "بلاش تبوسني ف عيني"، ليزداد الطرب ويزداد الحنين وتتفجر الاشواق لايام الفن الخالد. ثم اغنية "يا مسافر وحدك"، لنسافر حقا، كل لوحده الى عالم الطرب والنوسطالجيا.

بلاش تبوسني ف عيني

دي البوسة في العين تفرق

يمكن في يوم ترجع لي

والقلب حلمه يتحقق    

****

يا مسافر وحدك \ وفايتني\ ليه تبعد عني \ وتشغلني ….

ومن ثم "استراحة" مع معزوفة "ايام وليالي" ليعود ابراهيم عزت باحدى اضخم اعمال عبد الوهاب الموسيقية والغنائية "انشودة الفن".

ولا بد من حكاية هذه الانشودة، كيف ولدت؟ ومناسبتها:

كانت هنالك شبه كراهيه من الملك فاروق لعبد الوهاب لإحساسه بإنه "محبوب من النساء"، ولكن العليمين بأسرار القصر الملكي ، يروون ان أخت الفاروق كانت تحب عبد الوهاب، والبعض يقول انها كانت على علاقة معه، مما أغضب العائلة المالكة خاصة وان عبد الوهاب مجرد "مغنياتي"، فتدخل الشاعر صالح جودت المقرب للملك وتوسط ان يصلح بينهما، وبعد ان أفهم عبد الوهاب ان حياته في خطر اذا استمر بالعلاقة او التودد للأميرة الملكية، كتب له قصيدة الفن ليغنيها للملك في أمسية بقصر العابدين، كبادرة حسن نية والابتعاد عن المعشوقة الملكية ، وكان على عبد الوهاب ان يقبل يد الملك ويعتذر عن "خطأه".

لحّن عبد الوهاب القصيدة خلال يومين او ثلاثة ، وجمع الفرقة الموسيقية للتدرب عليها ، وخلال أيام قليلة كانت جاهزة.

ويذكر ان عبد الوهاب حاول مدح الملك فاروق في أكثر من عمل استرضاء له من ناحيه (وربما بسبب العلاقة الخاصة مع الأميرة) وطمعا في الحصول على لقب البكويه من ناحية اخرى. الا ان كل المحاولات ذهبت هباء.   في اغنية الفن حاول عبد الوهاب استخدام حيل والاعيب موسيقيه للخروج بأغنيه متميزة تنال رضاء الملك فاروق.. الذي كان يعشق الحفلات الغنائية ويحضرها .

ابدع عبد الوهاب في تلحين قصيدة الفن بوضعه مقدمه موسيقيه غير مسبوقة ولا ملحوقة في تاريخ الغناء العربي  . المقدمة البديعة كانت من مقام النهاوند وتبدأ بمقدمة ماهرة على الكمان ويبدع فيها عازف الكمان الأسطورة انور منسي (احد ازواج المطربة صباح وابو ابنتها هويدا). وبعض المشاركات على القانون للجبار عبد الفتاح منسي، والذي يؤدي القطعه الشهيرة بمرافقة الإيقاع المنتظم. ويدخل عبد الوهاب بعد تمهيدة ايقاعية جميلة ، كأنها تقول له تفضل غني يا استاذ.

من كلمات القصيدة التي الغيت واستبدلت بعد ثورة الضباط الأحرار عام 1952:

الفن مين يعرفه الا اللي عاش في حماه
والفن مين يوصفه الا اللي هام في سماه
والفن مين انصفه غير كلمه من مولاه
والفن مين شرفه غير الفاروق و رعاه

 عبد الوهاب في انشودة الفن ، يتحول من مقام النهاوند لمقام الراست التطريبي لزيادة جرعة التأثير المطلوبة، ويرتد ثانية الى النهاوند في مقطع "انت اللي اكرمت الفنان و رعيت فنه" لعمل كونتراست لحني واع. ووصل القمة في المقطع الذي يقول: "رديتله عزه بعد ما كان محروم منه". في الكوبليه الأخير تحول عبد الوهاب  لمقام الحجاز استعدادا لوصف البلاد بالجنة ووصف فاروق بأنه حارسها – رضوانها.

بالطبع ما يخص مدح  الملك فاروق حذف من الاغنية بعد ثورة الضباط الأحرار 1952 ، واستبدلت الكلمات بكلمات أخرى ، ولكن اسلوب تلحين القصيدة يعتبر من أرقى الألحان العربية وأكثرها تنوعا . وتعتبر انشودة الفن من اضخم الاعمال الموسيقية الغنائية لمحمد عبد الوهاب.

بعد انشودة الفن تأتي (استراحة)، وهل من استراحة في عالم عبد الوهاب الموسيقي والغنائي. كانت المفاجأة، صوتا جديدا سيكون له مكانته البارزة في الغناء، الفنانة الشابة امل بشارات، التي قدمت وصلة غنائية ، مؤدية  اغنية "ايظن" التي كتب كلماتها الشاعر العملاق نزار قباني، ولحنها عبد الوهاب للمطربة الكبيرة نجاة الصغيرة، لتقف امل وتشدو بها على انغام عبد الوهاب، ولتتحول الاستراحة الى مزيد من النوسطالجيا الطربية، ولتتموج القاعة مرة اخرى طربا وتصفيقا لهذه الفنانة الواعدة والمبدعة .

وكانت القفلة من ثلاث اغنيات: "الحبيب المجهول"، من كلمات الشاعر حسين السيد، والموال الرائع "شجاني نوحك يا بلبل"، من كلمات الشاعر احمد شوقي، وليختتم المطرب الرائع ابراهيم عزت تلك الليلة النوسطالجية التي لا تنسى باغنية "عندما يأتي المساء" من كلمات محمود ابو الوفا. ليقف على اثرها الجمهور مصفقا بقوة ولفترة طويلة، وتكاد مشاعره تثب وهم يهتفون بقوة للمطرب ابراهيم عزت، وللفنانة الواعدة امل بشارات، وللفرقة الممتازة المبدعة، فرقة الموسيقى العربية وادارتها.

نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي – الناصرة

[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد