إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الأمة العربية صناعة الله

Shareefشريف سالم

كان للعرب وضع خاص كشتات قبلي مع بدء الرسالة ، ووضع بالغ الأهمية للعرب كأمة في طور التكوين إثناء نزول الرسالة ، فتولي الرسالة كاملة بعد الانتهاء من تكوينهم "كامة " مكتملة الشروط والأهلية ، بتوقف الوحي عن النزول والتحاق الرسول العظيم برفيقه الأعلى .
 
فأين نحن كأمة في القرآن والتاريخ ؟
 
لقد اختار الله سبحانه وتعالى رجلاً عربياً ليتولى نقل رسالة السماء إلى العرب أولاً ، ولببقية العالم ثانيا ، في ظل شتات عربي قبلي ، يبدو للوهلة الأولى انه غير مؤهل لتلقي رسالة بهذا القدر من الحسم التاريخي لمصير الإنسانية جمعاء . وليس هذا فحسب بل اختار الله سبحانه وتعالى اللغة العربية السائدة في بيئتها ، لتكون لغة الوحي ، والرابط بين السماء والأرض ، من خلال القرآن العظيم .
 
تلقت البيئة العربية رسالة السماء في ظروف غياب فادح لشروط بناء الأمم المتمثلة بالأرض واللغة والاقتصاد الواحد والتاريخ الواحد والثقافة الواحدة المعبرة عنها بمشاعر وأحاسيس وآمال وأهداف واحدة ، والنظام الاجتماعي – السياسي المتفق عليه . لم تكن البيئة العربية آنذاك تمتلك من هذه الشروط سوى اللغة ، فالأرض متنازع عليها بصفتها مصدر للعيش و مصدراً للنفوذ السياسي لكل قبيلة على الأخريات ,  والإنسان ذاته كان مرتبطاً مع أخيه الإنسان برابطة الدم (القبيلة) وليس الرابط القومي , أما التاريخ فقد كان تاريخاً قبلياً مليٍْ  بالنزاعات والفتن والحروب الأهلية والغزوات , بحيث لا يشكل عاملاً محركا من عوامل التهوض، وأما الثقافة فقد كانت ثقافة فقيرة رجعية متخلفة لا أفق لها ولا أمل بالانتشار. ولهذا فقد غاب الناظم السياسي-الاجتماعي لكل هذا الشتات قبل نزول الوحي بالرسالة من السماء .
 
على مدى ثلاث وعشرين سنة هي عمر الرسالة ، تبلورت شروط يناء الأمة تدريجيا ، فقد تحول الإسلام العظيم إلى فرن عملاق ادخل إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام خامات الأمة الثلاثة الرئيسية "الإنسان واللغة والأرض " وما حولها وما ارتبط بها من ظروف وشروط بدائية أخرى ، ففككها وأعاد تركيبها وإنتاجها من جديد ، باستثناء اللغة التي عززها وأضاف إليها القرآن الكريم مما زادها غناً وخلود.
 
وكنتيجة حتمية لما قام به الرسوم محمد عليه الصلاة والسلام تنفيذاً لإرادة المولى عز وجل, فقد تغير الإنسان العربي القبلي فكراً وعقيدة بحيث لم يعد مرتبطا بأخيه برابطة الدم ، بل برابطة جديدة هي رابطة الإسلام ، ولم يعد بالطبع متناحراً معه بل متآلفا ومسانداً له , ولم يعد هناك صراع على الأرض فقد اصبحت الأرض لله والإنسان مستخلف فيها كمفهوم جديد أتى به الاسلام . أما التاريخ فقد تحول من تاريخ مليء بالنزاعات والحروب إلى تاريخ مشترك لكل العرب الذين حملوا رسالة الإسلام مليء بالكفاح الفكري والسياسي والحضاري المجيد مما خلق بالتالي ثقافة واحدة مضطردة النمو والازدهار ، شكَل فيها الإسلام والإنسان محورها الأساس .
وبناء على ما تقدم, تتبلور أمامنا حقيقة واضحة للعيان, ألا وهي أن العرب هم أول من دخل الدين كعامل وشرط من شروط بنائهم كأمة وما كان لهم أن يصبحوها لولاه .
 
لم يسجل التاريخ الاسلامي أن قامت أمة أو شعب أو قبيلة ذات صفة سياسية مستقلة بدخول الاسلام في حياة الرسوله الكريم غير العرب ، مما يعني أن الله سبحانه وتعالى قد قرر إن يبني "أمة العرب " برسالة السماء قبل أن تنخرط أمم أخرى في الإسلام كالفرس والروم والأحباش ، فتنحي العرب من موقع الريادة بحكم سيادة قانون الأقوى والأكثر تطورا وحضارة ، إلى أن يذوب ويندثر. وبالرغم من إسلام أفراد من أمم أخرى كسلمان وصهيب وبلال ، إلا أن كل واحد منهم بقي ينسب إلى قوميته ، فسلمان هو سلمان الفارسي ، وكذا صهيب الرومي وبلال الحبشي ، وبقي العرب عرباً صنعهم الإسلام امة كما هي امة الأحباش وأمة الفرس وأمم الروم .. مع فارق القوة المحركة.
 
تتجلى عربية القرآن وعروبية رسالة الإسلام ، في آيات قرآنية – إلهية – عديدة تزيل اللبس المثار حول شخصية هذه الأمة ورسالتها .
 
*" إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " (الزخرف –3)
*" إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " (يوسف – 2)
*"وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وفصلنا فيه من الوعيد " (طه –113)
*"كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " (فصلت –3)
*"قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون " (الزمر –38)
*"وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير " (الشورى –7)
*"وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ".
 
هذه الآيات الكريمات لا تتحدث عن لغة القرآن العربية وإنما تتحدث عن "أصحابه العرب ،" لان هناك آيات أخرى تتحدث عن لغة القرآن العربية وهي تدعم أيضا رأينا القائل ، بان هذا القرآن جاء أولا للعرب ليصنع أمتهم وليكون محركهم الروحي والتاريخي إلى المستقبل دوما بعد ذلك ، فآيات اللسان – اللغة هي :
 
*" فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون " ( الدخان –58)
*"وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا " (الاحقاف 12)
*" هذا لسان عربي مبين "(النحل 103)
 
فهل القول بالقرآن العربي هو كالقول بالأدب الروسي أو الأدب الياباني مع فارق التشبيه في الذات ومصدر الإنتاج, المهم هو النسبة, أي ( إلى ما ينسب هذا أو ذاك؟) والإجابة هي " هذا قرآن عربي " وهي إجابة إلهية.
 
ويعزز ما نقول في هذا الشأن, الآية الكريمة التالية: " وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها…" وآية " وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون".
 
فكلتاهما صريحتان بصورة مدهشة " فأم القرى ومن حولها…" هي مكة والعرب المستهدفون جميعا بهذا القرآن العظيم من الله سبحانه, ولم يتجاوز النص هنا بقية العالمين لان الآية الثانية تتكفل بذلك.. فهي في أثناء تأكيدها أن هذا القرآن لرسول الله وبني أمته – قومه – العرب, تحمله وإياهم المسؤولية كاملة في حمل هذه الرسالة إلى بقية العالمين تحت طائلة المسؤولية.
 
ولكن كيف سيتحمل العرب هذه المسؤولية أن لم يكونوا مكتملي الأهلية – أي أمة على قدم المساواة مع الأمم الأخرى؟
 
تتضح مسؤولية الله في بناء " الأمة العربية الإسلامية " ومسؤولية هذه الأمة في الآية الكريمة التالية : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " فمسؤولية المولى عز وجل تجاه العرب وصناعتهم على يديه تتلخصان في لفظتي, " خير " و " أخرجت".
 
فلا يمكن أن تكون هناك أمة أخير من تلك الأمة التي أخرجها الله على عينه – أي الأمة العربية الإسلامية, فكل الأمم الأخرى صنعها بشر من خلال قوة دفع ذاتية فيها, أما أمتنا فلم تكن تملك هذه القوة الذاتية قبل الإسلام, فاحتاجت إلى قوى خارجية هي رسالة السماء – الإسلام -, ولذلك استخدم الله لفظة " أخرجت" ( بضم الالف) ولم يستخدم " خرجت " (بفتح الخاء) التي تفيد قوة الدفع الذاتي, في حين تفيد لفظة " أخرجت " الكريمة أن ثمة قوة دفع خارجية … ثمة محركا خارجيا هو الذي " أستخرج " هذه الأمة من خاماتها الأولى , و الاستخراج هو صناعة.. وهنا نحن بين يدي صناعة خير أمة " أخرجت " للناس بأمر الله, حمدا وشكرا جل شأنه.
 
أن غياب أي شرط من شروط بناء الأمة العربية الإسلامية بعد اكتمال بنائها لأي سبب كان, لا يلغي حقيقة وجود هذه الأمة واستمرارها – كما هو واقع الحال الذي نعيش, والمتمثل بغياب واحد من أهم شروط وعوامل بناء الأمم أي – الاقتصاد الواحد وغيره. فالأمة العربية الإسلامية حقيقة حضارية قائمة مهما تكن فاقدة لهذا الشرط أو ذاك, فقد تعهد الله سبحانه بحفظها من خلال تعهده حفظ القرآن العظيم بقوله الكريم " إنا نزلنا الذكر وانأ له لحافظون " .. هذا الذكر يحوي في متنه المطهر الأمة العربية الإسلامية, فكما هو خالد.. تبقى هي الأخرى خالدة بأذنه تعالى.
 
وفي الختام نود أن نطرح السؤال التالي, ماذا لو لم تنزل رسالة الإسلام إلى العرب, هل كان بإمكانهم أن يصبحوا أمة ؟؟ الجواب بالقطع لا
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد