إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تفاصيل ‘آخر استقبالات’ الرئيس صدام حسين قبل إعدامه: حافظ على أناقته وكشف تفاصيل ‘المؤامرة الإيرانية’

Saddam(22)رصدت صحيفة ‘القدس العربي’ من خلال اللقاءات والاستماعات، وفي أكثر من عاصمة عربية المساجلات المنطلقة من الأطر القانونية للمحكمة الجنائية العراقية وآلية تعاملها مع محاكمات كبار أركان الحكم العراقي السابق، ورأت ان اغلبها ينطوي في الكثيرمن الأحيان على آثار سياسية، مردها المعطيات المعلوماتية الجديدة التي كشفها مؤخرا اكثر من مصدر اما عبر محامي الرئيس العراقي الراحل، والذين التقت ‘القدس العربي’ بهم او عبر مصادر من عائلة الرئيس صدام.

وتزداد هذه المعطيات أهمية مع الجدل المتصاعد الذي أعاد إنتاج مشهد اعتقال ومحاكمة ثم ‘اغتيال’ الرئيس العراقي السابق صدام حسين،على حد تعبير المحامي بديع عارف الذي لا يزال مهتما بصفة خاصة بإظهار ما خفي عن الإعلام من جوانب المسرحية الهزلية التي شهدتها محاكمات كبار أركان نظام الرئيس صدام وما زالت.
عارف الذي توقفت معه ‘القدس العربي’ في أكثر من محطة واستمعت إليه كما استمعت لآخرين بينهم ودود فوزي وخليل الدليمي وزياد الخصاونة يركز حاليا على كشف الكوارث القانونية والأخلاقية التي ميزت العمل داخل المحكمة الجنائية الخاصة التي ما زالت تعمل داخل وفي إطار الحراسة الأمنية في عمق المنطقة الخضراء في بغداد العاصمة، مصرا على ان ما حصل مع الرئيس الراحل صدام حسين لا تنطبق عليه إطلاقا معايير الإعدام بصفة شرعية ونظامية، بل تنطبق عليه معايير القتل والاغتيال والتصفية الجسدية بناء على عدة أسس ومن بينها تنفيذ الإعدام وخلافا للقانون والتقاليد في يوم عطلة رسمية.
ومستوى الإثارة في كشف ملابسات وظروف اعتقال ومحاكمة ثم إعدام الرئيس صدام تزايد في الأسابيع الأخيرة مع إصدار محاميه الشاب خليل الدليمي لكتابه الأخير الذي كشف العديد من الملابسات والأسرار، وهو المحامي الوحيد الذي لازم الرئيس الراحل طوال المحاكمة وحتى قبل اسابيع من تنفيذ عملية الإعدام والقتل، فيما يسجل المحامي البارز ودود فوزي وفقا لمقابلة سابقة معه نشرتها ‘القدس العربي’ بانه قد يكون آخر محام تمكن من لقاء الرئيس صدام ولثلاث ساعات ونصف الساعة قبل تنفيذ حكم الإعدام الذي تم إبعاده (اي فوزي) عن حضوره. اما المحامي فوزي فيعتبر ان الظروف حاليا غير مواتية للكشف عن تفاصيل هذه الساعات الأخيرة له بمعية الرئيس صدام حسين ويفضل بعدما تحدثت إليه ‘القدس العربي’ في دمشق عدم التحدث عن التفاصيل.
لكن سجالات المحامين وأحاديث إضافية لمحامين أردنيين وعراقيين إستمعت لهم ‘القدس العربي’ تميط اللثام عن بعض التفاصيل الجديدة سواء على صعيد المخالفات القانونية الفادحة التي ارتكبتها المحكمة الجنائية فيما يتعلق بمحاكمة صدام أو غيره من كبار أركان حكمه، أو فيما يتعلق بما نقل عن صدام وما حصل في غرفته المحصنة في الساعات الأخيرة له في الحياة.
‘القدس العربي’ تعرض اهم المحطات بعد رصدها من اكثر من مصدر وشاهد عيان:
 
إعدام القاضي البندر
 
أحد أبرزمحامي الرئيس صدام يؤكد لـ’القدس العربي’ بأن القاضي في كل اعراف الدنيا وقوانينها لا يصدر بحقه حكم بالاعدام حتى عندما يخطىء، لكن هذا الامرحصل مع عواد البندر الذي حكم بالاعدام رغم سجله كقاض سابقا، وهو امر مخالف تماما لمعايير العدالة وأنظمتها في كل قوانين الدنيا، اما ولده المحامي بدرعواد البندر الذي اهداه صدام نسخته من القرآن الكريم فقد اثار استغراب الامريكيين بعدما اصر على مقابلة 15 معتقلا بدلا من زيارة والده المريض وقضاء الوقت معه، وعندما سأله السجان الامريكي عن ذلك قال: ان هذه هي وصية والده إليه.
ولا يجوز بكل الاحوال وحسب جميع النصوص القانونية المعمول فيها ان يتطوع رئيس الوزراء نوري المالكي للمصادقة على قرارات الاعدام كما حصل عند مصادقته على قرار اعدام الرئيس صدام، فيما لم يصادق على اعدامات الاخرين مع ان القوانين العراقية لا تتضمن النص على مصادقة رئيس الوزراء.
مخالفة أخرى كانت لافتة جدا، فنائب صدام طه ياسين رمضان ادين في قضية الدجيل مع حضور شاهد واحد فقط افاد بانه شاهده واقفا عند تجريف الاشجار في منطقة الدجيل، وهو امر غير جائز من الناحية القانونية، فالعدالة في ذهن القضاة لا تستقر بالعادة بناء على شاهد واحد فقط والقرينة في قضية طه ياسين رمضان كانت ايضا ضعيفة من حيث الدلالة القانونية وحجتها انه وقع كتابا بالتعويضات المالية بصفته نائبا لرئيس الوزراء حيث أدين الرجل على هذا الأساس.
الإشارة ايضا كانت واضحة بالنسبة للمحامي ودود فوزي وهو يتحدث عن الدستور الموضوع من قبل الإدارة والإحتلال في العراق، والذي يقول بالنص ان قرارات الاعدام يصادق عليها الرئيس ونائباه، وقد رفض الرئيس جلال الطالباني المصادقة على قرار اعدام صدام بدعوى ان حزبه من الموقعين على ميثاق الاشتراكية الدولية، وبعد قرار التمييز غادر الطالباني الى الشمال ثم غادر نائبه طارق الهاشمي الى عمان واختفى عن المشهد تماما النائب الثاني عادل عبد المهدي وفوجئ الجميع بقرار الاعدام يصادق عليه رئيس الوزراء خلافا للقوانين والانظمة.
 
عزل المستشار الكندي
 
مسألة أخرى من المتوقع ان يثيرها كتاب خاص يعمل على إعداده المحامي فوزي وتتعلق بتكاليف الانفاق على المحكمة التي وصلت لـ 75 مليون دولار من الميزانية المرسومة بناء على التشريعات والقوانين التي وضعها الحاكم البريمر بأمر من وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد،وهو وضع مالي وقانوني لم يحصل بأي احتلال بالماضي ويشكل في بعده القانوني سابقة لا تغطيها لا القوانين المعمول فيها بالعراق أو في أي بلد تم احتلاله.
بنفس الوقت يمكن القول ان المستشار القانوني الكندي الذي عينه الامريكيون قدم لائحة يقترح فيها قبل انتهاء المحاكمة عقوبة اقل من عقوبة الاعدام بهدف اظهار حصول تغيير في العراق كما قال، وهو امر لا يجوز اخلاقيا وقانونيا مما دفع الرئيس صدام لرفض تمثيله من قبل المستشار الكندي، وقد شكل ذلك مخالفة واضحة وفاضحة لمعايير العدالة الدولية، فمن غير المسبوق لوكيل قانوني حتى وإن كان معينا من إحتلال ان يدين موكله مسبقا قبل المحاكمة على أساس سياسي كما حصل مع المستشار الكندي، الذي أدان صدام برأيه مسبقا ولاعتبارات سياسية وقبل حتى بدء المحاكمات فطالب الرئيس الراحل بطرده وعزله.
الترتيبات بعد الأشهر الستة على المحاكمة كانت تتضمن اتصالا لعشرين دقيقة فقط خلال الجلسات وعبر قناة تلفزيونية بين المتهم صدام حسين وممثليه القانونيين وتحديدا خليل الدليمي وودود فوزي، وكلاهما كان يستغل هذه الدقائق لتدوين وتوثيق ما يريده الرجل وما يقوله بعلم الأمريكيين، والمعنى ان ظروف الإعتقال والحجز لم تكن عادلة ومنصفة بسبب وجود وقت محدود للتواصل عبر حاجز صناعي، فطوال فترة التحقيق القضائي مع صدام يقول أحد المصادر، تمكن محاموه من الإجتماع به لمرة واحدة فقط داخل الزنزانة وبسبب أهمية الرجل وأهمية ما يمكن ان يقوله خصصت الدقائق العشرون للإستماع وتدوين الملاحظات، فلم يحظ المحامون بالوقت الكافي للتحاور مع موكلهم خلافا لمبادئ العدالة والقانون.
واستمرت هذه المخالفات بالسماح للمحامين بلقاء صدام بعد التحقيق معه وليس أثناء او قبل التحقيق خلافا أيضا للقانون حيث تولى ضابط أمريكي من أصل صيني في المنطقة الخضراء يدعى الكابتن لي مهمة الإتصال بين المحامين وصدام وكان يشرف على اللقاءات ونقل المحامين وتأمينهم. قبل ذلك كان المحامون يحضرون من عمان إلى بغداد بالطائرة أثناء الجلسات ويتم نقلهم من المطار بسيارات مصفحة إلى قاعة المحكمة الجنائية، مما شكل عموما جوا غير مؤاتٍ وغير صحي ويفتقر للعدالة.
 
تسريبات حول إفادة ضد صدام قدمها علي حسن المجيد
 
تشوشت عائلة الرئيس صدام حسين في ضوء تسريبات تتحدث عن ‘خيانة مفترضة’ لابن عمه المعتقل علي حسن المجيد تمثلت في تقدم الأخير بإفادات أثناء التحقيق تدين الرئيس صدام حسين وتكشف معلومات ينبغي ان لا تكشف.
وصدام سمع كغيره هذه المعلومات التي رددها المحامون في أروقة المحكمة الجنائية، وكان علي حسن المجيد معنيا جدا بان لا يتم تشويه موقفه وعليه إتفق مع محاميه آنذاك وهو ودود فوزي على إبلاغ عائلة الرئيس بعدم صحة المعلومات المتداولة حول تقدمه بشهادة تدين صدام او تحمله المسؤولية.
ولهذا الغرض سافر المحامي فوزي إلى عمان والتقى رغد صدام حسين ونقل لها الرسالة، مطالبا بان لا تصغى هي والعائلة لما يتردد في أروقة بعض المحامين حول موكله علي حسن المجيد المهتم بإظهار براءته من هذا التشويش.
ومن هنا حصريا يعتقد ان التلاقي حصل بين المحامي ودود فوزي والرئيس صدام حسين. فقد زار الرجل في عمان هيئة الإسناد والدفاع عن الرئيس صدام، ولاحقا طلبت منه رغد تمثيل والدها أيضا والإلتقاء به.
وكان اللقاء الأول بين المحامي فوزي والرئيس صدام مشحونا وعاطفيا إلى حد ما، فقد جلس المحامي فوزي هادئا وصامتا ومتأملا وجه الرئيس المعتقل فبادره صدام بالسؤال: ها.. بأي صورة تقارن؟.. فرد المحامي قائلا انه يقارن بالمرة الأخيرة التي شاهد فيها الرئيس صدام وكانت عندما أقسم اليمين امام المجلس الوطني بعد الاستفتاء في شهر 10 عام 2002.. يومها كان بكامل أناقته وبكى عندما وضع يده على المصحف، والتفت الى عبد حمودي وسأله عن اسباب تكرار أخطاء الإملاء.
وبعد هذا اللقاء توطدت العلاقة القانونية بين المحامي فوزي والرئيس صدام، حيث شارك المحامي في هيئة الدفاع بعد عشرة أشهر على الأقل من بداية المحاكمات، وكان فوزي وزميله خليل الدليمي الوحيدين اللذين يقابلان صدام والأهم اللذين يسجلان عنه كل كلمة يقولها، وهو ما أشار اليه في حديث سابق لـ’القدس العربي’ المحامي فوزي وهو يتحدث عن ‘دفترين’ما زالا بحوزته سجلهما من أحاديث الرئيس صدام.
 
قبل الإعدام بأيام فقط
 
يوم 26 من الشهر الذي اعدم فيه الرئيس صدام حسين وقبل وقت قصير من تنفيذ حكم الإعدام الذي لم يبلغ به عمليا اي من المحامين في هيئة الدفاع دار حوار خاص بين المحامي ودود فوزي والمحامي التونسي الدكتور أحمد الصديق والمحامي العراقي الشاب بدر عواد البندر، فبعد لقاء للمحامين الثلاثة مع الرئيس المحكوم بالإعدام إستمر لسبع ساعات تم إبلاغ المحامين من قبل ضابط الإتصال الأمريكي بأن مؤتمرا صحافيا سيعقد خلال ساعات، وعندها كان رأي المحامي فوزي كما أبلغه للمحامي الصديق بان المؤتمر الصحافي سيخصص للإعلان عن المصادقة على قرار التمييز باعدام الرئيس صدام وهو ما حصل فعلا.
ويوم 28 بعد تمييز حكم الاعدام احضروا للرئيس صدام شقيقيه وطبان وسبعاوي للوداع وبقيا معه لمدة ساعة.
 
الزيارة الأخيرة للرئيس الراحل
 
قبل الإعدام بيومين فقط ودون إبلاغ المحامين بتوقيت تنفيذ حكم الإعدام بعد المصادقة على قرار التمييز نظم الأمريكيون بناء على طلب المحامين الثلاثة فوزي والبندر والصديق زيارة خاصة للرئيس المعتقل، حيث كان الثلاثة وخلافا لبقية المحامين يسمح لهم بالإقامة في المنطقة الخضراء، ويومها غادر الصديق عائدا إلى بلاده وحضر جزءا من اللقاء الثلاثي مع صدام، ثم غادر المحامي البندر بعدما طلب منه الرئيس صدام زيارة والده المريض في السجن وتخصيص وقت أكبر له، وأخيرا بقي المحامي فوزي في قاعة مغلقة وسط الحراسة الأمريكية مع الرئيس صدام حسين، ودار حديث مهم جدا، حسب العديد من المصادر، يحجم المحامي فوزي عن التعرض له الآن لكن لإيران حصة وافرة فيه حسب مصادر قانونية على صلة بالموضوع، حيث كان صدام حسين وحتى اللحظات الأخيرة مصرا على دور إيران في كل ما حصل وفي التآمر على العراق.
لكن ما يمكن قوله ان الرئيس صدام وفي لحظات حياته الأخيرة وبعد مصادقة غرفة التمييز على قرار إعدامه بقي متماسكا وصلبا وناعما جدا وحريصا على اللياقة واللباقة في اقسى الظروف، وكان يحمل بنعومة المحارم الورقية الملونة ويوزعها على المحامين الثلاثة الذين تناول معهم طعام الغداء، ووصف له الاطباء الامريكيون طعاما خاصا هو عبارة عن خضراوات مسلوقة لكنه كان يحب البصل والبندورة ويأكل من أطباق المحامين بعد الإعتذار بلطافة لهم عن ميله لتناول البندورة والبصل المتاح في أطباقهم. قبل استرسال الرئيس صدام في حديث الساعات الثلاث المهم مع المحامي ودود فوزي الذي بقي في النهاية وجها لوجه امام صدام في قاعة مغلقة بعدما غادر المحاميان صديق والبندر أجهش المحامي بالبكاء وبقي صامتا لعدة دقائق فسارع صدام للقول:يا ودود.. الرجال لا تبكي في الأزمات.
بعد ذلك أظهر صدام إستغرابه عندما سمع المحامي فوزي يقول انه مفصول من حزب البعث منذ 8/ 8/ 98 بسبب اعتراضه على مظاهرة ضد سورية، وكان موقفه آنذاك ان العراقيين في حالة حرب مع ايران ولا يجوز الصدام مع دولة شقيقة في مثل هذه التوقيت. وصدام كان يعرف دائما ان المحتل الامريكي يسجل كل شيء، لذلك كان متحفظا في الحديث خصوصا أثناء المحكمة وعبر القنوات التلفزيونية، ومن الواضح انه تقصد في الوقت الذي انشغل فيه المحاميان الدليمي وفوزي بتسجيل وتدوين ما يقوله التحدث أمام الحراس الأمريكيين ‘باللغة العامية’ وأحيانا باللهجة التكريتية التي من الصعب فهم بعض مفرداتها لكن الامريكيين حرصوا دوما على منع المحامين من تداول أي أوراق اووثائق مع صدام.
 
10 كيلوغرامات أثقال في كل رجل
 
لاحقا تم تنفيذ حكم الإعدام بحق الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بدون إبلاغ اي من محاميه بموعد التنفيذ وبدون حضور أي منهم، وقد أبلغ العلامة العراقي الإسلامي أحمد الكبيسي بعض المحامين بان مشهد رحيل صدام غير طبيعي، وقال: لا يوجد بشر يمكن ان يموت بهذه الطريقة التي غابت فيها سكرات الموت المعتادة.
وتبين لاحقا انهم جلبوه وقدماه مقيدتان مقيدة بالاثقال وهي عبارة عن عشر كيلوغرامات في كل قدم، وقد رحل بطريقة غريبة، فقد صعد مع اثقاله وهو يقول ‘يا الله’، ورفض لبس الغطاء وقال وهم يتصايحون ‘هاي المرجلة’.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد