إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حظــر المــآذن فــي سويســرا

Maathenصقر ابو فخر
بيروت – لبنان
قرر السويسريون حظر بناء المآذن في بلادهم في استفتاء أجري في 29/11/2009. وجاءت ردات الفعل من الهيئات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان وحرية العبادة غاضبة ومعارضة لهذا الاستفتاء ونتيجته باعتباره اعتداء على الحرية الدينية للأفراد والجماعات. واللافت أن أكثر الاحتجاجات شجاعة أطلقتها أوساط سياسية واقتصادية وثقافية سويسرية بالدرجة الأولى، وهؤلاء دعوا، بقوة، الى التصويت ضد مشروع حظر المآذن الذي دعا إليه اليمين الشعبوي، ورأوا فيه شأناً خطيراً يهدد السلام بين المجموعات الدينية في سويسرا، ويسيء الى صورة بلادهم. ولا ريب في أن موقف هؤلاء السويسريين، ومعهم فئات واسعة من الأوروبيين، هو موقف شريف ومعارض للعنصرية المتمادية في أوروبا، ليس ضد المسلمين وحدهم، بل ضد المهاجرين من البلدان المستعمرة سابقا، حتى لو كانوا مسيحيين. وما لا يدركه الأوروبيون، وبينهم السويسريون بالطبع، أن هذه الكراهية المنحطة، وتلك العنصرية البذيئة هي التي تؤسس للإرهاب الذي تشكو منه بعض الدول الأوروبية.
اللافت أن الغالبية العظمى التي صوتت على ذلك القانون هي التي تسكن في الكانتون الذي ليس فيه مسلمون أو جوامع، الأمر الذي يشير الى مدى تفاقم الأزمة الثقافية والفكرية في بلدان أوروبا التي عادت لتتلوث بالعنصرية المنفلتة من عقالها، والتي اعتقدنا أن أوروبا تخلصت منها غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية.
تأخرت الهيئات السياسية والدينية في بلاد العرب قليلاً كي تبدأ حملة الاعتراض على هذا القانون. لقد كانت أوروبا بمثقفيها الإنسانيين والمناهضين للعنصرية والمدافعين عن المهاجرين وعن حق الهجرة، ولا سيما لأبناء المستعمرات السابقة التي امتص البيض الأوروبيون نسغها وثروتها معاً، مثالاً يحتذى حقاً، ويخالف الوجه الآخر لليمين الأوروبي المتطرف المدرع بالكراهية. وهكذا كرّت سبحة المواقف العربية والإسلامية والدولية التي أدانت، في معظمها، موقف أغلبية السويسريين من هذه المسألة (58% وافقوا على حظر بناء مآذن جديدة).
سأحاول أن أتأمل، ما استطعت، في هذا الأمر، وأن أقلّب هذه القضية على وجوه اخرى غير ما اعتدنا أن نسمعه ونقرأه من أفواه المتعصبين في بلادنا العربية والإسلامية.
هل حقاً منعت حرية الاعتقاد لمسلمي سويسرا؟ وهل حظر بناء مآذن إضافية هو اعتداء فعلي على الحرية الدينية لجماعة المسلمين؟
أحسب أن حرية العبادة للمسلمين لم تمسّ. فالمسلمون في سويسرا، وفي النمسا والدنمارك والسويد والنرويج وهولندا وغيرها، ينعمون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية وبحرية التعبير عن إيمانهم أكثر، بما لا يقاس، مما هو متاح لهم في بلدانهم الأصلية. أما الأمر الطارئ فهو منعهم من إقامة مآذن جديدة فحسب، وهذا الأمر مرتبط تقريره لا بالمسلمين وحدهم، بل ببقية السكان من الجماعات الأخرى التي طالما أزعجها ارتفاع صوت الأذان في الفجر في الأحياء المختلطة. أي إن حظر بناء مآذن إضافية هو، في أحد وجوهه، دفاع عن حق الآخرين من غير المسلمين (وربما بعض المسلمين أيضا) في النوم الهادئ عند الفجر، وحقهم في عدم إيقاظ أبنائهم التلاميذ قبل موعد وصول حافلات النقل المدرسي.
سيمط كثيرون شفاههم عجباً لكلامي هذا، لذا سأعيد التذكير بما جرى في طهران منذ سنوات عدة، فلعل البعض يتذكر ويتفكر بعقل نقدي وعيون صاحية، فقد طلب آية الله جلالي خميني، وهو ممثل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، من مساجد طهران ألا تسبب إزعاجاً للأهالي برفع أصوات مكبراتها الصوتية. وذكرت صحيفة «إيران دايلي» التي تصدر بالانكليزية أن جلالي خميني أوضح بعبارة صريحة «أن مكبرات الصوت في المساجد ينبغي ألا تتسبب في إزعاج سكان الجوار، وينبغي عدم رفعها إلا لدى الأذان» («السفير»، 15/7/1998). ويعرف كثيرون هنا في بيروت مقدار معاناة التلاميذ، والذين عليهم الاستيقاظ في السادسة صباحا على سبيل المثال، جراء تداخل أصوات عشر مآذن على الأقل في حي واحد متوسط الحجم، علاوة على الاحتفالات الدينية المتمادية طوال أيام الأسبوع. وصارت بعض المساجد لا تكتفي بمئذنتها العادية، بل راحت تمد مكبرات الصوت الى سطوح المباني البعيدة.
إذا كان قرار أغلبية الشعب السويسري، المتمرس بالديموقراطية والحريات وقضايا العدالة والمساواة تعتوره شبهة الاعتداء على الحريات الدينية، فنحن، بالتأكيد، ضد هذا القرار حتى لو أن غالبية الناس هي من اتخذته. لكنني أعتقد أن مثل هذا القرار قد يكون لمصلحة المسلمين في سويسرا، ولعلنا لا نريد، فعلاً، أن يسمع السويسريون بعض خطب الجمعة التي يتخللها الدعاء على النصارى واليهود. فهل يريد بعض المتعصبين منا حقا أن يستمع السويسريون الى الحض على الكراهية مثلما فعل الشيخ عدنان إبراهيم في النمسا، وهو إمام وخطيب مسجد الشورى في فيينا، عندما وصف المسيحيين واليهود بـ«المشركين والزناة»، وطلب من المسلمين عدم الزواج من الكتابيات البتة، إلا إذا اضطر الى ذلك، فعليه، والحال هذه، عدم الإنجاب؟ (جريدة «السياسة» الكويتية، 5/1/2007). وهل من الملائم لنا أن يكتشف السويسريون بعض الخطب التي تعلّم المسلم كيف «يربي» زوجته بالضرب كما فعل الشيخ محمد كمال مصطفى إمام مسجد في إحدى مدن اسبانيا الذي كان ينصح مريديه «بعدم الضرب في حالة الغضب المفرط، بل توجيه الضربات الى اليدين والقدمين بقضيب ليس غليظاً جداً، بل بقضيب رفيع كل لا يترك جروحاً أو ندوباً أو أوراماً» («الشرق الأوسط»، 3/7/2003)؟

[ [ [

إحدى مشكلاتنا في هذا العصر المضطرب ليس اليمين الأوروبي المتطرف بنسخته السويسرية فقط، بل اليمين الديني الأعمى عندنا، وبالتحديد «جماعة حدثنا فلان فقال». والمدافعون عن حرية المسلمين في الغرب (وهو أمر مبدئي في أي حال) عليهم أن يدافعوا عن الحرية في الدول الإسلامية أولا كي يستقيم دفاعهم. والذين اعتقدوا أن الحرية باتت مهددة في فرنسا عندما جرى حظر إشهار الرموز الدينية في المدارس والمؤسسات الحكومية (كالصليب والنجمة السداسية والحجاب)، وتظاهروا احتجاجاً على هذا الحظر باعتباره يمس الحرية الفردية (وهذا أمر صحيح الى حد ما)، هؤلاء لم يتظاهروا ضد تركيا عندما أسقطت عضوية مروة القاوقجي من البرلمان لإصرارها على ارتداء غطاء الرأس. وهؤلاء الذين يحتجون اليوم على حظر بناء مآذن جديدة في سويسرا باعتبار ذلك عدواناً على الحرية، لماذا لا يدافعون عن حرية المرأة في بعض الدول الإسلامية التي تمنع عليها قيادة السيارة وحتى دروس الرياضة في المدارس؟
إن وقوف بعض هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المهاجرين والمنافحين عن حرية الاعتقاد ضد نتيجة الاستفتاء السويسري لهو أمر جدير فعلاً بالتقريظ والاحترام. لكن مواقف «جماعة حدثنا فلان فقال» تسيل منها رائحة الانتهازية والنفاق بصورة لافتة. فهؤلاء (بل بعضهم على الأحوط) رفضوا بناء كنيسة في قطر التي يقيم فيها 400 ألف مسيحي من جنسيات شتى. ومع أن هذه الكنيسة دشنت في 15/3/2008، إلا أننا ما زلنا نتذكر ما كتبه لحدان بن عيسى المهندي في صحيفة «العرب» القطرية فقال: «إن الكنائس في قطر أمر يثير الاشمئزاز»، وكيف رفض المهندس راشد السبيعي في رسالة الى صحيفة «الوطن» «إعطاء المسيحيين الحق في بناء دور عبادة»، وكيف اعترض نجيب محمد النعيمي وزير العدل القطري السابق (ومحامي صدام حسين) على بناء الكنيسة («النهار»، 7/2/2008). وعندما اكتشفت جماعات سلفية في الكويت سنة 2001 أن مجموعة من «السيخ» تلتقي في أحد المنازل في ضاحية سلوى للتعبد، ارتفعت الأصوات تطالب بإقفال المنزل، وطالب سعد العنزي بهدم هذا المعبد المستور والموجود منذ سنة 1985، ووافقه في ذلك محمد الطبطبائي، عميد كلية الشريعة بجامعة الكويت، والدكتور عبد الرؤوف الكمالي، الداعية الإسلامي المعروف بالقول: «لا يجوز إعطاء الحرية في العبادة لغير المسلمين في أرضهم» («الرأي العام»، 21/6/2001.(
المشهور أن أي كنيسة غير موجودة في طول المملكة العربية السعودية وعرضها استناداً الى حديث منسوب لابن عباس يقول ان النبي أوصى عندما اشتد عليه وجعه بـ«ألا يترك في جزيرة العرب دينين». والمعروف أيضا أن دخول مكة ممنوع على غير المسلم. الآن، ماذا لو منعت روما بناء أي مسجد فيها؟ وماذا لو اتخذ الفاتيكان قراراً بمنع المسلمين من التجول في شوارع هذه الدولة؟ أما كــانت القيـامة تقوم احتجاجاً على هذه العنصرية، وعلى المس بالحريات الدينية؟
نعم. لو أن روما أو الفاتيكان أو أي دولة أو عاصمة اتخذت ذلك القرار، لكان الأمر يشكل، بالفعل، اعتداء على الحرية، وعملاً عنصرياً منحطاً. لكن، ماذا عنا وعن سلوكنا حيال المسيحيين والجماعات الدينية الاخرى كالهندوس والسيخ والبوذيين؟ وسلام على من إذا زجر بالحق ازدجر، وإذا تأمل وتفكّر ونظر اعتبر.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد