إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

دفاعا عن السكيّن، ونكرانا لوجود الشعب الفلسطيني.. بقلم: علي الصراف

palestinian

ها أن "ثورة" الكترونية ضدي تندلع.

وسيلتها مقالٌ كتبتُه قبل عام، ويتم اليوم توظيفه، برخص وفشل، للرد على مقال جديد.
وأداتها أشخاصٌ (كثيرون في ما يبدو) كان يمكن للمرء أن يحفظ لهم الحق في العويل.
أما دافعها فدعارة.
ولقد رأيت مقالا يحاول، بفشل ذهني تام، الرد على المقال الأخير الذي نشرته "القدس العربي" لي قبل أيام (بعنوان: "دولة واحدة، من دون تهديد")، دافعت فيه عن "حل الدولة الواحدة" كخيار بديل لـ"حل الدولتين" الذي ثبت فشله. ولكن ما حصل هو ان الهدف العملي والنظري للخروج برؤية (ليست جديدة على أي حال) من الصراع العربي الصهيوني ضاع في غمرة "ثورة" الصعاليك الذين يحاولون التصيّد في "ماء عكر"، لا لنقص في الفكر (فهذا هيّن) ولا شحة في الدوافع المريضة (فهذه نص مصيبة)، بل من أجل ميلٍ ألكتروني لممارسة العهر. وهذه كارثة، خاصة إذا بدا انها كل ما بقي لليسار الفلسطيني أن يفعله.
من حيث المبدأ، ليس من مألوفي أن أرد على "ردود" يكتبها قراء او حتى كتّاب لثلاثة أسباب:
أولها، احترام الآخر. فبما ان صاحب الرد تجشم عناء الكتابة، فهذا يعني اني دست على بطنه، فصرخ. ولذلك، لا يحتاج الأمر دوسا على البطن مرة أخرى. فما كان أمرا عاماً يُصبح، في حالة الرد على الرد، إيذاءً شخصياً. وهذا كثير.
وثانيها، ان التعكز على ما يكتبه الآخرون، طريقةٌ رخيصةٌ ومبتذلةٌ من جانب أصحاب الردود، والكل يعرف انهم يستخدمونها للشهرة والتشهير. وقناعتي هي انه أحفظ لكرامة الكاتب أن يطويها بـ"عجرها وبجرها"، حتى ولو طاله منها جرح.
وثالثها، لأن "الردود" كثيرا ما تتحول الى مهاترات شخصية، يضيع من ورائها الهدف العام. خاصة إذا كان إناء أصحابها ينضح بما فيه من القدرة على توظيف الشتائم.
وقلمي لا يمتلك أي "موهبة" في توظيف الشتائم الشخصية.
يكفيني أيضا ان الوقاحة التي سمحت لبعض الذين يحاولون التشهير بي، باستخدام مقال عمره عام كامل، كانت من جنس الوقاحة نفسها التي سمحت لهم بإهانة وتخوين محمود درويش بعد أقل من اسبوعين من دفنه. كانت جثته ما تزال حارة. ويا ويلي على جثتي، حتى وإن كنت لا ارقى الى ركبتيه!
هذا الحال، إن كان دالا على مشكلة، فانه يستدعي اليوم، اكثر من الأمس، أن يتأمل أصحاب الزوبعة في ما يفعلونه بفناجينهم. الهدوء مفيد للعقل. الغضب يضر. والعنتريات واللغة الشعاراتية قد تكشف عن خلل عقلي، إلا انها لا تخدم قضية… أي قضية. وبالتأكيد فانها لم تخدم القضية الفلسطينية.
ما راعني هو انهم، من دون المئات من المقالات التي كتبتها في الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني، اختاروا مقالا منشورا قبل سنة، وقاموا باخراجه من سياق الحدث الذي أملاه، وعادوا للربط بينه وبين: "دولة واحدة، من دون تهديد".
هذا أسلوب رخيص.
وهو دليل على العجز، دلالته على الاستعداد لتوظيف وسائل قذرة بدلا من معالجة الأفكار والآراء.
لفكرة الدولة الواحدة ربٌّ يحميها، على أي حال. وهي فكرة دافع عنها "خونة" و"بغال" كبار من أمثال إدوارد سعيد. وليس يضر أن أكون واحدا بينهم. فأنا، بحق، خائن لقضية الشعب الفلسطيني. خائن لتلك القضية التي يبتاع فيها ذوو العنتريات النضالية الذين ها نحن نحصد من ثمار ما زرعوا.
ساترك فكرة الدولة الواحدة لربها. وسألتفت فقط الى مقالي الذي يتم توظيفه للتشهير بي.
انه: " فلسطين بين عصابتين: حل الدولتين، أم حل الثلاث دول؟" الذي نشر في 14/11/ 2008، ويمكن العودة اليه على الرابط التالي:
www.middle-east-online.com/?id=69810
ومن الضروري قراءته. لانه اليوم، وبسبب هذه "الثورة" الرعناء، ربما يقدم للقضية الفلسطينية فائدة عاجلة أكثر من فائدة الدفاع عن "حل الدولة الواحدة".
لا أريد ترويع أي أحد. ولكني متمسك بكل كلمة قلتها في هذا المقال.
أعيدوا قراءته مع الحدث الذي أملاه، وستجدون ان كلمة فيه تنم إحباطٍ بما آل اليه حال القضية الفلسطينية بسبب حرب العصابتين في غزة ورام الله.
لقد كُتب المقال بوحي من ما يسمى بـ"انقلاب غزة"؛ بوحي من مشاعر الخزي والعار التي أورثها الصراع الفلسطيني – الفلسطيني؛ بوحي من الدماء الفلسطينية الكثيرة التي سفكت في الشوارع؛ بوحي من حملة القتل والإعدامات التي كانت تقام على الأرصفة ضد شبان ومناضلين من الطرفين.
في ذلك الوقت كان مسؤولون فلسطينيون كبار يهربون بالبيجاما من غزة. وكان أستاذة جامعات يُلاحقون كما لو انهم الشياطين. وتحول الصراع على السلطة الى فضيحة كان يجب أن تجعل أي صاحب ضمير أن يشعر بالخزي، وأن يصرخ.
ولم أكن وحدي. ما من فلسطيني شريف إلا وشعر بالعار. وما من كاتبٍ ذي ضمير إلا ونزع القفاز.
وسأنزعه مرة أخرى، تأكيدا، لا نكايةً، ورفعا للإلتباس. وشكرا للذين "نكشوا" المقال. فلدي جرح. ولدي سكيّن. وسارفعهما لكي أزيد النزف نزفا.
الملايين من العرب شعروا بالمرارة والخذلان. فقد دافعنا، ودفعنا من دمائنا، عن قضية صارت بين أيدي عصابتين حقيرتين، بلا فكر ولا رؤية ولا مخرج.
زوجتي عاجزة رسميا اليوم. وتمشي على عجازة. إنما بفضل ارييل شارون. فقط الذين أنزلوها مضرجة بالدماء من ركام الطابق الخامس في قصف مقر الجبهة الديمقراطية في الفاكهاني عام 1981 يعرفون من هي.
وما هي إلا واحدة من مئات الآلاف من الضحايا الذين قضوا على مذبح هذه القضية.
وبفضلها أنا فلسطيني. ومشاعر الخزي التي لحقت بي، كما لحقت بملايين العرب أيام "الإنقلاب" في غزة، كانت هي التي دفعتني الى القول: لم يعد هناك شعب فلسطيني. انه اكذوبة. انه عار.
و"الإنقلاب" ما يزال كما هو. والعار ما يزال يُخزي كل الذين لديهم ذرة ضمير.
"نحن" أكذوبة. خدعة مريرة ساقتنا، فقط، من جحيم الى جحيم، بما فيها حجيم احتلال العراق. فهو جزء من الثمن الذي دفعناه من أجل "فلسطين"؛ من أجل قضية انتهت بين أيدي "عصابتين" (كما تسمي إحداهما الأخرى) كلتاهما تتوسلان إيران من أجل الدعم!
وبهما، وبكل من لف من حولهما، انتهينا الى عار ما نحن فيه.
أقولها، كمن يغرس السكين في صدره هو. بالألم الذي يجعلني اجر شارون ورائي أينما ذهبت. بالعذاب الذي سأحمله على ظهري ما حييت.
ولكي أزيد الجميع جرحا، على جرح، فلن أتخلى عن حرف واحد مما كتبت.
سأقول لكل أنذال القضية، تجارها، وأبطالها ومناضليها: انظروا من حولكم اليوم (حتى بعد مرور سنة على فضيحة الفعل و"فضيحة" القلم). فماذا سترون؟
لا تجعلوا عمى العين يدفعكم الى عمى القلب.
قولوا فقط: ماذا ترون؟
حتى أقصى اليمين العربي صار يتوسل أطراف العصابتين ان يتوحدوا لينقذوا ماء الوجه. ولكن أصحاب المخازي الفلسطينية، من أقصى كتائب اليسار، الى أقصى كتاب جند الله عجزوا عن أن يضعوا حدا للإنقسام. وما يزالون يتقاتلون ويعتقلون ويعذبون مناضلين من بعضهم البعض.
ومع ذلك، فما زال مطلوبا مني أن أبيع عنتريات!
ولست بفاعل.
وزيادة في الجرح، فإني أسال الشعب الذي كان شعب مقاومة باسلة، ماذا يفعل الآن؟
أسأل عما يفعل، وأتهم بما لا يفعل، حيال مصيبته ومصيبتنا فيه!
هل أدلكم على من يقتلون الأطفال والعجائز في غزة، لتعرفوا ان هناك مشكلة خطيرة، وانها ليست مشكلة مجرمين أفراد، وانما أزمة شعب مع عصاباته برمتها؛ مشكلة قضية يتاجر بها اصحاب العنتريات والشعارات الفارغة؛ مشكلة عقلية مماثلة للعقلية التي تتصيد ضدي في ما تفترض انه "ماء عكر".
وهو ماء أنقى من البلور. ولذلك لا تستطيع ان تعيش فيه الضفادع.
كل كلمة، في ذلك المقال، جرح. وكل حرفٍ جرح.
والجرح، يا ويلي، ما يزال ينزف.
انه جرحُ عارٍ قائم.
انه جرح دعارة "ثورية" في غزة، لا تناظرها إلا دعارة المفاوضين في رام الله.
هذه ليست هي "القضية" التي قاتل من أجلها الملايين.
والشعب الفلسطيني العاطل عن العمل، والعاجز عن غسل هذه الدعارة بالدم، ليس شعبي. وأنا بريء منه، مثلما يجب أن يتبرأ منه كل فلسطيني شريف.
لا يوجد شعب فلسطيني. انه أكذوبة. وأنا خائن. وسأقيم الدليل-الحد على نفسي: انه عصابة في غزة، تناظر عصابة أخرى في رام الله. انه "حل الثلاث دول" القائم واقعا الآن.
ويا ويلكم من الأوصاف المتداولة بشدة بين العصابتين. فما من تصريح يدلي به تجارٌ مأفونون بالسلطة، إلا وينطوي على إهانة ليس للطرف الآخر، بل للشعب الفلسطيني نفسه.
وهذا الشعب لم يخرج ليرد.
لم يخرج ليقول لهما: لعنة الله عليكم. لم يخرج ليقول لهما: طز.
لماذا لم يفعل؟ لانه لم يعد موجودا!
أبو عمار كان الفلسطيني الأخير. وهو صاحب القضية الأخير.
وماذا فعلنا عندما قتلوه؟
ذهبنا لنفاوض!
لماذا، لانه لم يعد هناك فلسطيني آخر حيا.
الكل ماتوا. والقضية ماتت.
والى ماذا انتهت المقاومة في غزة؟ ماذا كان آخر تصريحات اسماعيل هنية بشأنها؟
في 22 نوفمبر الماضي خرج ليقول: ان حركة حماس " تعمل على منع إطلاق صواريخ محلية من قطاع غزة على جنوب إسرائيل، بموجب توافق وطني".
وزاد على ذلك بالقول: "لا نرغب ولا نتطلع لجولات جديدة من العنف مثل الاحتلال ولكن هناك تصعيد ورغبة من قبل الاحتلال لاستهداف قطاع غزة مجددا".
هذا كل ما بقي من المقاومة. هل نجرؤ على مواجهة الحقيقة؟
ولم يخرج أحد ليقول له: طز فيك وفي "التوافق الوطني"!
أنا الفلسطيني الوحيد الذي بلغت به الوقاحة حدا ليقولها.
لماذا؟ لاني خائن ومتصهين طبعا، في حساب المتعنترين الذين ما تعنتروا على مصدر العار الذي انتهينا، بفضلهم، إليه.
نعم انها "قضية وجود". ولكن ماذا تعني على وجه الحقيقة؟ ما هو ذلك الوجود الذي صرنا نسحقه بمفاوضات تستمر، من دون طائل، منذ 18 عاما، ثم نعود لنسحقه بالميل الى الامتناع عن العنف، بموجب "تنافق وطني"؟
ولكن، هكذا صارت مقاومة اسماعيل هنية "الأم تيريزا"!
هذا هو العار. وهذا هو السكين.
ولا أدري كيف يمكن لأي شريف ألا يغرز السكين في صدره. و… يوغل فيه. بحق، لا أدري. وعاركم يلاحقني كل ساعة، وكل يوم في الطريق ما بين دمشق والقاهرة بحثا عن "مشروع وطني" لم يظهر الى الوجود بعد، سوى على ورق أرخص من ورق التواليت.
محظوظ الخائن محمود درويش، لانه مات قبل أن يرى هذه النهاية.
ومحظوظ العميل المدافع الأبرز عن فكرة الدولتين أدوارد سعيد لانه مات هو الآخر بالحسرة على رؤية سلطة فلسطينية لا ينخرها الفساد.
ولكن هل تعرفون كيف انتهينا الى هذا الخزي؟
ليس لان لدينا يمين تفاوضي، وليس لان يسارنا الفلسطيني انتهى الى دعارة بالشعارات، ومقاومة انتهت بوصفها "الأم تيريزا"، بل لان الشعب الفلسطيني لم يجرؤ على أن يكنس هاتين القيادتين معا؛ لم يجرؤ على أن يغسل العار الذي يلم بالقضية الفلسطينية.
الشعب الفلسطيني يكتفي اليوم بالجريمة. ونجح (لا وفّقه الله) في قتل 76 إمرأة خلال أقل من عام تحت زعم "الدفاع عن الشرف"! وهو بلا شرف!
هذا هو "شرفه" الأخير! عاره الأخير!
وأنا خائن.
يُسعدني ان أخون هكذا شعب، وهكذا قضية.
السكين سكيني، وأنا حر فيها، وحرٌّ بما أفعله في صدري.
ألا لعنة الله على كل الضفادع.
هذا ماء حرية رقراق. فاغتسلوا قبل أن تدنوا اليه. انه دم.
والدم لن يتطهر ما لم يتخلص الفلسطينيون من عار العصابتين، ويكنسهما معا كنس القمامة، بكل ما فيها من يسار ويمين.
هل نأتي بحركة وطنية فلسطينية تنقذ ماء الوجه؟
رحماك يا ربي. رحماك يا فلسطين.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد