إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ليس الآن يا قلبي

خيري حمدان

 

لا أدّعي بأنّني قد وصلت إلى حدود الحكمة في جمهورية أفلاطون الفاضلة! أتعرفون لماذا؟ لأنّني أتألم كلّما فتحت عينيّ. صباحًا تصفعني أشعة شمس غريبة. يبدو قرصها دائريًّا كذاك الذي كان يلسع خلايا الجسد فيما يسمّى وطنًا. المكانُ الذي رفض أن يذوب في جينات الآخر! أتدري الشمس بأنّني أتعذّب ولا أرحم قلبي في خضم الحياة والأعياد القادمة والماضية! أيدري قرص الشمس بأنّ صغيرتي كبرت وأخذت تعزف رحمانينوف، لم تعزفه قبل ذلك لأنّ رحمانينوف كتب الموسيقى للأصابع الطويلة، كتب للأعمار البالغة، ما فوق الخامسة عشر ويزيد. هل هي الحكمة التي تميّز الشرق وجمهوريات السلام والفلسفة والشعر والفكر والقصائد المقفّاة عن الغرب العاصف في وهج النهار؟ لا أدري، فأنا ما زلت أسيرَ العود حتى اللحظة. وأحني رأسي حين يغنّي مارسيل خليفة أو يدندن فارسٌ شرقيّ في العواصم الغربية وقد قوّس ظهره تُجاه العود ليبكي الكمان وينفطر، ولا تقوى الطبول على خنق الحسرة القادمة من أصل الحنجرة.

 

قبل عقدين من الزمان كان رفيقي شاب وسيم أسمر يقاسمني غرفة الدراسة، وكانت تعشقه الفتيات ويجرين خلفه كلّما بان بشعره المجعد وكنّا ننادي صديقي ابن يافا هذا "حبّ الرمان". تذكرته قبل أيام، تذكرت لمحات وجهه حين وافق الفلسطينيون على إقامة دولة فلسطين ضمن حدود عام 1967، اتفاقٌ لم يتحقّق حتى يومنا هذا! عندها صاح حبّ الرمان بصوت مجلجل "ويافا يا عالم"! ثم طفق بالبكاء. لسوء حظّه ربّما، كان يعرف يافا جيّدًا. لم يتمكن كلّ الجمال المترامي عند أوّل الطريق ونهاياته من تهدئة حربي حبّ الرمان. يافا مدينة إسرائيلية بامتياز! يفاخرون اليوم بجمالها العالم كلّه. كان يقطن المدينة قبائل عربية لا تعرف معنىً للحضارة والإنسانية، ولهذا لن يتعرّف عليهم التاريخ مجدّدًا! هكذا يدّعون ويروّجون. وبدورنا لم نتمكن من تهدئة حبّ الرمان، كان يبكي خلسة بحزن زاد من جاذبيته وعنفوانه، ثمّ مضى وغاب وأصبح رقمًا وطنيًّا في استراليا، تمامًا كما خطّط الإسرائيليون للكثير من أمثاله.  

 

قصّةٌ تتجدّد كلّ يومٍ، بل كلّ ساعة، وبتنا نخشى من التقدّميين والليبراليين الذين نحبّهم لأنّهم يبحثون عن التغيير والارتقاء بالعالم العربي إلى مدارات الحضارة والتقدّم. ولكنّهم لم يتمكنوا من تقديم وصفة مقنعة وشافية لأبي الرمّان. ذاك الفتى الذي لم يتنازل عن انتمائه وصلته بيافا. عذرًا يا قلبي لقد فتقت عضلاتك وشرايينك وألهبت أليافك فلا تغدر بي اللحظة. أنا لا أعرف يافا لكنّ قادتي يفهمون معنى الوطن والانتماء أكثر منّي بكثير، يعرفون جيّدًا بأنّ مشاعري كاذبة وليست واقعية ولا بدّ للبحث عن حلٍّ لهذه الآفة! أنا لا أريد يافا يا حبّ الرمّان فقد باتت غريبة وجميلة وكأنّها تخلّت بمحض إرادتها عن أصولها العربية! اسأل استراتيجييّ فلسطين فهم فطاحل الخطط السياسية ويعرفون أكثر بكثير مما نعرف نحن البؤساء العابرين في أحلام وأوهام لا تنجلي لها حقيقة.

 

تعال لما تبقّى من شتات القلب، أم أن سيدني سرقت هويتك وجعلتك راعي بقر يمتلك مزرعة لا تقدّر بمال. أين أدعوك اليوم بعد أن غطّينا الخارطة بخرقة في محاولة يائسة لستر عورتنا! إلى متى نطلب من الجسد أن يبقى مطيعًا وقد أرهقناه رحيلاً ورجاءً ومناجاة؟

 

ربّما حان الوقت لكي نصمت طويلاً .. حان الوقت لكي ننام، لعلّنا نحلم ببعض يافا، ذلك الجزء من المدينة الذي ما زال بالكاد يتعرّف على العربيّة. سأنام قليلاً لأن القلب لا يحتمل كلّ هذه المعرفة .. والوعي وزرٌ في زمن الخطايا.              

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد