إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

آية الكون المبجل الاعظم

 

آية الكون المبجل الأعظم
بقلم سهام البيايضة
على اطراف الغابة البعيدة تجمعت عائلة الأسود حول مأدبة من لحم الغزلان الطري الشهي اصطاده اشبال العائلة وقد تجمعت، بأسودها ولبوأتها تنهش اللحم وتملأ شهيتها، ثم تنسحب فرادى وجماعات، تتجمع تحت شجر الصفصاف ،فوق العشب الأخضر، تتثاءب وتتمطى وتمد اجسادها المثقلة الأمعاء، تسندها فوق الأرض،لتشجع الأشبال الشقية على القفز فوق البطون الممتلئة تداعب امزجة الكبار المثقلة بالتعب والشبع.
عندما انهى الجميع وجبتهم واخذ اطياب اللحم فيها ،جاءت قطعان الثعالب والذئاب والضباع واسراب من الطيور الجارحة تنتظر لحظة ابتعاد الأسود، لتنقض على ما بقي من اشلاء تناثرت وعظام قرضت .برضى وأمان .اعتادت عليه حيوانات الغابة .و ساعد على استقرار شريعة الغاب بما يحقق التوازن والاستقرار للجميع ويحقق الصالح العام !
فوق مقصورته مد الأسد جسده الضخم، وبعيون يغالبها النعاس، النظر الى جموع القطعان التي اجتمعت لتنال نصيبها من خيراته ،والاستفادة من عطاياه التي اتسعت حتى بلغت  أطراف الغابة ،وللتمتع بمزايا هذه السلطة النافذة شرائعها، والمقبولة قوانينها،التي يعرفها سكان الغابة اجمع، ولا تحتاج لتجديد بيعتهم لسلطته ،ولا حتى ،مناقشة بنود الشرائع السارية المفعول ،التي قبل بها الجميع وتكيفت معها باقي الحيوانات .
اقترب من بين الجموع ثعلب اشقر اللون توجه بحذر نحو مقصورة الأسد ،عندما أوشك على اختراق خط منطقته المرسومة حدودها ببول الأسد النفاذ ،زئر الأسد زئيراًً أخاف قطعان الحيوانات فوق الجيف وافزع الطيور الجارحة التي انتفضت نحو السماء، مبتعدة عن وليمتها! ..حتى الأشبال ارتعبت والتصقت بأمهاتها اللبؤات خشيةً من غضب الأب الأسد، رغم شعوره بالثقل والنعاس.
علم الثعلب الأشقر انه المقصود بالتحذير.لأنه كاد أن يخترق المنطقة المحظورة.فاخذ له مكانا آمن ،أمام الأسد، دون أن يلامس حدود اثر الأسد النفاذ، ويزعج أعصابه، في استراحته.وقد أمن انقضاضه، بعد أن امن شبعه .
 الأسد يراقب الثعلب الأشقر بعيون أثقلها نعاس الشبع..يفتحها حيناً، وتسقط جفونه غصباً، حيناً آخر.
كلما طالت فترة انسدال جفون الأسد ..كان الثعلب يزحف باتجاهه .وقد امن ردة فعله الكسولة.
فجأة تجمدت الدماء في عروقه عندما سمع الأسد يزأر من جديد صارخاً:ماذا تفعل أيها الثعلب الماكر..الم تشم رائحة بولي النفاذة.. التي انتشرت حول مقصورتي ..الم تكتفي من وليمتنا العامرة؟ لماذا تتسحب مثل اللص؟ ..هل لك حاجة ؟ أفصح، وإلا انقضضت عليك واسعدت بك  تلك القطعان المجتمعة هناك فوق مائدتي !!
اسند الثعلب مؤخرته وبهدوء على ذيله، مرتكزاً على أقدامه الأمامية في مواجهة الأسد:سيدي..مولاي..أردت أن أشكرك على مائدتك العامرة..اريد أن اعبر لك عن امتنان قطعان وساكني الغابة على رعايتكم ،  وأجدد انتمائي إليك ولعائلتك الكريمة!
..وبإشارة من ذيله، أخذت الثعالب بالتصفيق وتعالت أصواتها بالعواء والتشجيع، بصورة أحرجت باقي الأسود!
 الأسد:ما هذا ؟ هيا ابتعد من هنا وبسرعة..أنا لا احتاج الى هذا النفاق الثعلبي الماكر.. من واجبي رعاية اهلي ورعيتي!!  أيها المنافق..هيا ابتعد ..ابتعد!
الثعلب، يحاول استجماع قوته، غير مستسلم من الاستفادة من هذه الفرصة:سيدي الأسد..لدي نصيحة لك ولعائلتك..احب..
زئر الأسد قويا :أيها الماكر ..منذ متى احتاج لنصائح المكر والخداع..هل تعتقد اني لا أعرفك.. يا أشقر الثعالب وأمكرها؟؟
الثعلب:إنها ليست بنصيحة يا مولاي..حاشى الله أن أنصحكم، وانتم عين الحكمة على الأرض!!..إنهم..فقط .. يقولون ….
استند الأسد على قوائمه الأمامية، صارخاً:يقولون ؟..من؟…عني أنا؟..من يجروء على ذلك؟..ماذا يقولون ايها الثعلب المنافق الماكر!!
الثعلب وقد شعر بتمكنه من  الأسد:أستميحك  عذراً في القول يا مولاي..إنها أقوال تغضب الأرانب فما حال الأسود؟؟
الأسد وقد تملكه الغضب:هل تستمتع باللعب على اعصابي ايها الماكر..هيا.. قل ما بجعبتك قبل أن أصل إليك ببطشي
الثعلب.وقد تمكن من استحواذ اهتمام الأسد:.يقولون يا مولاي.. انك قد كبرت..وان عائلتك قد كبرت، وتعدد نفوذها، ولم تعد الغابة بما رحبت بكافية لهذا العدد الكبير من اللبؤات والأشبال وأبناء العمومة والأخوال والأنساب والنسيبات والأصدقاء والصديقات ..و ..
قاطعه الأسد مزمجراً :كفى !..كفى! ..انك حقا لثعلب ماكر.. إنهم اسود الغابة وحماتها، أيها الجبان !!.من يتصدون لغزو الطامعين، أتريد أن انقلب على أبنائي وأشتت شملهم خوفا على سلطتي وزعامتي…لقد فهمت قصدك ايها الماكر المخادع!!!
الثعلب مستدركاً غضب الأسد:لا.. لا..أرجوك يا مولاي..أن لا تشك.. ابدآ بولائي وانتمائي لك ولعائلتك..! لقد سمحت لي بالقول وقد صدقتك .. القصد يا مولاي، أن أزيد من سيطرتك عليهم وأزيد من نفوذك على الغابة..اقسم لك على ذلك!!
نهض الأسد من مكانه وقد غاب النعاس عن عينيه ،واخذ يسير بين أفراد عائلته التي انتشرت أجسادها الملقاة على الأرض بكسل متخم،يفكر بكلام الثعلب ،ويحلل معانيه ،ويقارنه بدلالات ومشاهد حوله ،والثعلب الأشقر من بعيد يراقب حركاته التي خطط لها بإتقان ينتظر عودة الأسد إليه ليطلب الحل والمشورة!!!
توجه الأسد الى الثعلب قائلا :اقترب أيها الماكر..اعتقد أننا نحتاج الى بعض التغيير هنا!
لكنه تراجع عن فكرته قائلا:لا..لا تقترب..سآتي أنا إليك!!
 تنفس الثعلب الصعداء، عندما شاهد الأسد بهيبته وجلالة قدره، قد تبع المكيدة مخترقا حدود بوله النفاذ إليه.
الملك بصوت خافت:ما الحل أيها الثعلب الأشقر ؟؟
الثعلب مبتسما:بسيطه يا مولاء ..سنضع فوق راسك عمامة ..ونضع بجانب اسمك لقبا روحياً..ما رأيك.. بالأسد المبجل الأعظم ؟؟ أو آية الكون الأسد الأعظم؟؟!!
الأسد مستغربا:ولماذا هذه الخزعبلات؟؟
الثعلب مفسرا:انها القاب تأسر القلوب المؤمنة  ..وتحجم أصحاب العلم والمنطق.. وتجتمع حولك الطاعة العمياء وقطعية القرار!!
الأسد:ولكن..ماذا سأفعل بهذا الكم، من الاشبال والأسود؟ سيحاولون معارضتي ..واذا اجتمع مجلس العائلة سيكون من السهل اقصائي الى ما وراء النهر العظيم!
الثعلب الأشقر:لا تقلق يا مولاي..أنا وقطيع الثعالب في خدمتك..سأكون وإياهم أعوان لك، على الخونة والرافضين!!ثق بي .. مولاي
الأسد مستفسراً:وهل لكم قدرة على مواجهتهم؟..إنهم أقوى وأسرع منكم!
الثعلب الأشقر:اطمئن مولاي .. الكثرة تغلب الشجاعة!.ثم نحن.. يا مولاي  معشر الثعالب.نروع ونخيف.ونملك خطط واستراتيجيات قصيرة المدى وطويلة المدى ووسائل تعجزون عنها انتم معشر الأسود!!
 الأسد:كيف حصلتم على هذا العلم وهذه القوة..وكيف لم يعلم بها أبنائي الأسود!!
الثعلب:هذا قصة طويلة يا مولاي.ابنائك الأسود يستخدمون قوتهم البدنية ونحن يا مولاي نستخدم قوتنا العقلية..التي نريد أن نسخرها لمصلحتك ومصلحة الغابة !
 الأسد:ما المطلوب..  الآن؟؟
ابتسم الثعلب الأشقر قائلا:هل تسمح لي يا مولاي ان أمد أرجلي في حضرتك !..فلقد تعبت وأنا انتصب أمامك احتراما وهيبة..واعذرني يا مولاي..فنحن معشر الثعالب الشقراء، تعودنا على الحرية والانفتاح، وتخلينا عن كثير من انضباطيات السلوك المحلي!! ..أصبحنا أكثر مرونة.. (كووول ) يعني!!!
الأسد وقد تناثر شعر رأسه من شدة انتفاض جسده، رافضا هذا السلوك الغريب في حضرته الملتزمة.
 الأسد:ما هذه اللغة العجيبة؟؟..على كل حال. ..قل بسرعة ..ما سنفعل الآن؟
الثعلب: لا بد يا مولاي أن نبدأ بمراسم التنصيب..ولا بد أن يكون احتفالا كبيرا وعظيما نستخدم فيه كل مظاهر الأبهة..وان نضع على رأسك عمامتك الجديدة ..عنوان نفوذك ومركزك الروحي والعاطفي الجديد!!
 الأسد:عمامة ؟؟عمامة كبيره؟؟من أين ستأتي بها أيها… الأشقر!!؟؟
الثعلب:لا تقلق يا مولاي..عمامتك جاهزة وعلى مقاسك ..مصنوعة بأيدي خبيرة وماهرة..ستزين هامتك العالية وسيظهر شعرك المنسدل من تحتها جميلا على جانبي أكتافك العريضة القوية!!
ضحك  الأسد عاليا : نعم ..نعم ..دائما زوجاتي اللبؤات، يغرن من شعري المنسدل الطويل !!
الثعلب الأشقر:اسمح لي يا مولاي أن اذهب لإحضار عمامتك المبجلة..وارجو منك أن تعلن بدء الاحتفال وان تصدر لنا قرار – معشر الثعالب الشقراء- بتسهيل مهامنا ، وان لا يعترض احد عملنا وتنقلاتنا في الغابة ..سيدي!!
 الأسد :اذهب واحضر العمامة ..وستجد حصانتكم جاهزة.. و كما تريد ..هيا اذهب!!
بعد غروب الشمس ومع خيوط الليل الذي انسدل فوق الغابة ، ومع اكتمال القمر بدراً ،اجتمعت الأسود في المقصورة وقد تصدرهم  الأسد بهيبته وفخامته المعهودة،وحول المقصورة وعلى مسافة من خط البول النفاذ، وقفت حشود من الحيوانات المختلفة الأنواع والأشكال ،يمنع تقدمها نحو المقصورة صفوف رصت من الثعالب الشقراء تلمع عيونها الزرقاء والخضراء في عتم الليل ، تقفز وتحرك ذيولها الطويلة فرحةً بالمرحلة القادمة من تاريخ الغابة ومسيرة  الأسد الجديدة.
بعيدا أمام المقصورة وقف الثعلب الأشقر أمام أربعة ثعالب، يحملون العمامة على أكتافهم وقد ازدانت بالإزهار والرياحين والأحجار الكريمة ورشت بتراب الذهب والفضة الذي انعكست من فوقه أشعة القمر البيضاء.
بخطوات مهيبة، اقترب حملة العمامة، من المقصورة يتقدمهم الثعلب الأشقر،وعند اقتراب الثعلب من اثر خط البول النفاذ ..انتفض الأسد، من قبيل العادة..لكنه عاد ليهدأ من جديد ملتفتاً الى عائلته مطمئنناً أفرادها، أن الأمور مسيطر عليها، ولا داعي للقلق!
اقترب الثعلب الأشقر من الأسد هامساً بإذنه:هل تستطيع أيها المبجل العظيم..أن تطأطئ لنا راسك قليلا حتى نستطيع وضع العمامة ..فنحن معشر الثعالب قصار القامة، ولا نستطيع أن نصل الى رأسك المهيب ..مولاي!!
أمام أهل الغابة جميعا، وعلى مرأى من الأسود كافة.. طأطأ الأسد رأسه باستسلام مذعن للعمامة ،وعندما رفع رأسه سقطت العمامة حتى عينيه !!..بطرف خف قدمه داس الأسد على ذيل الثعلب الأشقر هامساً:ما هذا أيها الثعلب الأشقر؟…لا أرى شيئا أمامي.. ما أراه، هو مسافة امتداد أقدامي فقط.. أيها الماكر!!
الثعلب:هل نسيت مكانتك المبجلة والروحية الآن… يا مولاي؟؟ ..مولاي ..اكثر من هذه المسافة لا تحتاج حتى تمارس مهامك الجديدة ، تأكل وتشرب وتحتضن لبؤتك الغالية ..وسنقوم نحن على حمايتك ..سيدي المبجل العظيم!!
ثم صرخ عاليا:والآن نقدم لكم:آية الكون المبجل الأعظم الأسد!!
انتهت
 
 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد