إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

واجهــات وزوايـــا

Zawayaعدلة الكوز

     بدا البناء شامخا في نهاية أحد شوارع عمان .. تراءى لها من بعيد كوجه بهلوان .. كانت واجهته تزخر بعدد غير قليل من اللافتات الملونة …
 
     استشعرت تعبا كبيرا وهي تنهب أرض الشارع في الطريق إليه .. حدقت في كل الوجوه المارقة من أمامها .. كانت شوارع عمان في ساعة الظهيرة تلك تمور بمئات الوجوه والأشياء ..
 
     وقفت أمام البناء .. طالعتها أول لافته بحروف بارزه (عيادة طبية) اجتاحتها نحوها قوة خفية جارفه .. توقفت لحظات أمام مصراعي الباب ثم دلفت إلى الداخل وراحت تصعد السلم عدوا ..
 
بعد لحظات …
 
     وجدت نفسها في ممر واسع وشاهدت على يسارها صفا من الأبواب ألصق عليها لافتات نحاسية تحمل اسم الطبيب الذي يشغل المكان ..
 
وأخيرا …
 
     كانت تجلس داخل قاعة صغيرة جدا … تجثم في زواياها بعض المقاعد البسيطة … هذه إذا هي قاعة الانتظار …
 
    أخذت تلتقط أنفاسها في حين كانت نظراتها تطوف في أرجاء المكان .. ولكن لماذا هي هنا …. تضحك بصوت تغلفه الدهشة .. تغرق في الضحك … وتهم بالقيام لتعود من حيث جاءت … وفجأة يفتح الباب عن وجهه يومئ لها بالانتظار لحظات ..لابد أنه وجه الطبيب ..ملامحه ليست غريبة..لا بأس .. ولكن ماذا ستقول له … هي تدري بأنها مريضه وبحاجة إلى طبيب .. ولكنه ألم تحسه ولا تعرف موضعه بالتحديد .. ألم يقطعها .. يفتتها .. على كل حال هو طبيب وسيعرف كيف يعالجها …. ترتاح إلى هذه النتيجة .. تسكن.
 
xxx   xxx    xxx
 
تصحو على صوت الطبيب يسألها عن السبب الرئيس لحضورها .. كانت تأخذ مكانها بمواجهته .. تصمت وهي تصوب إليه نظرات تائهه .. كانت صمتها ضروريا ..
 
ثم أردفت بصوت خفيض ..:-
 
-: أنا لست مريضة ..
 
     ومسحته بنظرة تحتية سريعة .. شعرت إن ثمة تقلصات تنحدر على وجهه وثمة تساؤلات حادة وسريعة تتجلى في نظرة عينيه .. لا بأس .. ستعرف كيف تجتاز هذه الهنيهات …
 
-: في الحقيقة يا دكتور أنا أحس بالفراغ وبحاجة للتحدث إلى إنسان … لا تدري كيف استطاعت تحدبد موضع ألمها .. غريب ..
 
-: أهلا وسهلا .. ما اسمك ..
 
-: وهل تهمك الأسماء ..؟!
 
-: كلا ولكنه سؤال تقليدي ..
 
     تظاهر بأنه يبحث عن علبة سجائره .. وجدها …أحست بنظراته تقع عليها وقعا فاحصا دقيقا .. هناك أشياء كثيرة تدور في رأسه .. بمرارة تضحك في سرها إزاء حركاته تلك .. لماذا لا يصدقها هذا الطبيب وقد كانت صادقه معه إلى حد كبير .. أكان يجب عليها أن تقسم له .. وبدلا من أن تبتهج اكتأبت الكآبة الصميمة التي تسحقها دائما ..
 
-: إن عيادتك صغيرة وجميلة ..
 
     جال بنظرة في أرجاء المكان وكأنه يستطلعه للمرة الأولى وشيء من الأسى معلق بين حاجبيه .. وشيء آخر يتحرك في داخله أحسته قويا رهيبا .. شيء غريب .. ثمة هلوسة في صدره …
 
-: حقا مع أنه ينقصها الكثير ..
 
     تسربلت عبارته الأخيرة بلون من الاستجداء .. إنه يستجدي كلمات إطراء لشكل العيادة وكأنما تزيح الكلمات عن خاطره كدرا يعكر صفو حياته كلما تأمل عيادته المكونة من مجموعة من الزوايا المتقابلة حول مساحة صغيرة جدا من الأرض بالمقارنة مع مساحة الغرفة العادية …
 
-: أنا أرى أنه لا ينقصها شيء .. المهم أنك تمارس طقوسك الطبية فيها وتحقق ذاتك من خلال المهنة التي تعشق .. يباغتها بصوت مرتفع ينبئ عن بداية إعصار في داخله …
 
-: لقد قتلوا فينا هذا العشق ..
 
    تسكن ملامحه شيئا فشيئا وترتسم على وجهه ابتسامة كالحة تقطر مرارة وحسره…
 
يسود الصمت …
 
ظل طوال الوقت يحاول أن يلملم صدى صوته المبعثر فيه …
 
-: ومن هم الذين قتلوا فيك عشقك وطموحك …؟؟!
 
   تفتر عن ثغرة ابتسامة مسكينة .. دعيك من هذه المتاعب وحدثيني عن عالمك أنت ..
 
أصبحت كلماته فيما بعد تأخذ طابعا وديا بسيطا …
 
-: أحدثك عن عالمي .. لا أظنه بلون عالمك .. فعالمك فيه خضم زاخر من الألوان والخطوط المتضاربة وعالمي أنا كما أعيشه ذو لونين أبيض وأسود ولكن في كل الأحوال كلا العالمين في إطار واحد .. هكذا يبدو لي ..
 
     لم تكن تعرف الكثير عن العالم الخارجي الذي يحيط بها .. أدركت أنها كانت تعيش داخل الأنا … لقد كانت رومانسية إلى حد بعيد .
 
     ها هي تستمع إليه وهو يتحدث بإنفعال عن ثمن صندوق البندورة وعن ثمن كيلو الدقيق وعن ارتفاع أجرة البيت والعيادة وعن الظلم اللاحق بالدهماء …
 
ها هو العالم يتسع أمامها أكثر فأكثر بل يتشوه …
 
وصورة الطبيب الغاضب تتراقص أمامها وكل الأشياء المحيطة بها يرتقيها الغضب …
 
وقع خطوات … تخمن بأن القادم مريض …
 
تتحرك باتجاه الباب … لكنه سرعان ما يدعوها للجلوس والانتظار لحظات …
 
-: لماذا … هناك مريض في الخارج …
 
-: على هذا المريض أن ينتظر في الخارج بعض الوقت … هذه سياسة العمل … في لحظة تحسه يتعملق على كرسيه ..ويأخذ نفسا عميقا .. يسرق من داخله إحساسا بالزهو …
 
تخرج .. تتركه على تلك الصورة ….
 
     وتصطدم بالمريض .. كان كهلا يجر قدميه بصعوبة .. لعله أحد المتسولين الذي يحترقون على الأرصفة ….
 
خرجت خارج حدود البناء وهي تتنفس الصعداء … أحست بأنها أميل للتحديق أكثر في الوجوه … أحست بأنها أميل للتمرد.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد