إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الأندلـس (2/3) (لا أنتِ أنتِ… ولا الديار ديار)

Ref3at(4)(1)بقلم/ د. رفعت سيد أحمد

 
"قراءة في كتاب إنجليزي مجهول صدر قبل مائة عام يحكي قصة مجد إسلامي استمر 800 عام ثم اندثر"
في كتابه الموسوعي البديع (قصة العرب في أسبانيا) يذهب "إستانلي لين بول" إلى رصد تفصيلي دقيق، ورائع، لحوادث الصراع السياسي سواء فيما بين العرب الفاتحين أو القوط ومن تلاهم من الحكام المسيحيين، أو فيما بين العرب والبربر، ولكنه في كل ذلك كان موضوعياً وأميناً، وها هو يقول أن موقعة شارل مارتل سنة 733م (115هـ) كانت بمثابة السد المنيع أمام غزو المسلمين لأوروبا، فلم يعودوا يفكرون في دفع فتوحهم إلى الأمام، واتجهوا إلى توحيد المملكة التي افتتحوها وجمع أطرافها، وبعد أن وقعت الواقعة بجيش شارلمان، عاشوا في بلادهم آمنين لا ينازعهم منازع مدة ثلاثمائة سنة، نعم إن أبناء القوط
المنهزمين تمسكوا باستقلالهم في المقاطعات الجبلية الشمالية، وأخذوا من آن لآن يستردون أجزاء من مملكتهم القديمة، ولكن هذه الغارات، وإن ضاقت بها صدور العرب، لم تكن إلى الآن خطراً عليهم، لأنهم كانوا يقطنون القسم الأعظم من أسبانيا في رخاء وبلهنية، ولم يتحقق خطر المقاطعات إلا في القرن الحادي عشر الميلادي.
*          *          *          *          *
وقبل الفاتحون أول الأمر ـ كما يقول المؤلف ـ الاعتراف باستقلال هذه المقاطعات، وعدّوا ذلك شراً لابد منه، لأن انتزاعها من أيدي الأسبان كان يكلفهم دماء أغلى مما تستحق، فتركوا للمسيحيين جلِّيقيَّة (غاليسية)، وليون، وقشتالة، ومقاطعات غسقونية، وقنعوا بأحسن قسم في أسبانيا، وأرغموا المسيحيين على التمتع بمفاوز الشمال الموحشة الباردة، وصخوره القاسية الجافية، على ألا يطمحوا أو يمدوا أعينهم إلى ما ينعم به العرب، من الولايات الجنوبية والشرقية الدفيئة الخصيبة.
ومنذ نهاية القرن الثامن الميلادي يقول المؤلف "حينما وقفت حدود مملكة العرب عند غاية، إلى أن زحف المسيحيون على ممالك الإسلام في القرن الحادي عشر، كان الحد بين المسلمين والمسيحيين على التقريب، عند امتدادت شارات (جبال) وادي الرمل، التي تمتد في اتجاه شمالي شرقي من قُلمرية في البرتغال إلى سرقسطة، ويمكن أن يُعد نهر إبْرَه حداً تقريبياً، فكان المسلمون ينعمون بالسهول الخصيبة لأنهار تاجه، ووادي يانه، والوادي الكبير، وهو الاسم الذي سمي به العرب هذا النهر لعظمه، وكانوا يملكون إلى جانب مدن الأندلس الشهيرة مزايا الثروة، ورواج التجارة، واعتدال الجو إلى غير ذلك مما اشتهر به هذا القسم من عهود الرومان، وهذا التقسيم طبيعي، فقد تميز القسمان تميزاً جغرافياً من القدم، لاختلاف أجوائهما، فالشمال موحش معرض للرياح الهوج، والأمطار الهائلة، والبرد الشديد، وهو على جودة بعض المروج والمراعي به، لا يصلح كثير من أراضيه للزراعة أما الجنوب، وإن كان مهدداً بالرياح الحارة التي تهب من أفريقيا، فمزدهر كثير المياه، صالح للزراعة، وبين القسمين مساحة واسعة، كان المسلمون ينتفعون بها على الرغم من أن ملكيتها كانت موضع شك وجدال، وأبغض العرب وهم عشاق الشمس المتألقة هذه المساحة الباردة، فتركوها لقبائل البربر.
*          *          *          *          *
ملك المسلمون ـ كما يذهب المؤلف ـ ثلثي شبه الجزيرة وسموها بالأندلس، وأنشئوا بها مملكة قرطبة العظيمة، التي كانت أعجوبة العصور الوسطى والتي حملت وحدها في الغرب شعلة الثقافة والمدنية مؤتلقة وهاجة، وقت أن كانت أوروبا غارقة في الجهالة البربرية، فريسة للشقاق والحروب.
*          *          *          *          *
ثم يؤكد "إستانلي لين بول" أنه يجب ألا يجول ببال أحد أن العرب عاثوا في البلاد أو خربوها بصنوف الإرهاق والظلم، كما فعل قطعان المتوحشين قبلهم، فإن الأندلس لم تُحكم في عهد من عهودها بسماحة وحكمة، كما حكمت في عهد العرب الفاتحين".
"وقد يسأل المرء نفسه دهشاً ـ والقول للمؤلف ـ من أين جاء لهؤلاء العرب كل هذه المواهب السامية في الإدارة والحكم؟ فقد جاءوا مباشرة من صحرائهم العربية ولم تترك لهم فتوحهم المتوالية من الزمن إلا قليلاً، لدراسة فنون سياسة الأمم المغلوبة، نعم إن بعض رجال دولتهم كانوا من اليونان والأسبان، ولكن هذا لا يبطل العجب، لأن هؤلاء لو تُركوا وحدهم، أو عملوا في ميدان آخر بعيد عن العرب، لعجزوا عن أن يكون لهم أمثال هذه النتائج الباهرة، وكل ما هُيئ للعقول الأسبانية من القدرة الإدارية، لم يكف لجعل الحياة أيام دولة القوط محتملة هنيئة، ولكن الأمة الإسلامية على النقيض من ذلك كانت في ظلال حكم العرب راضية هانئة كما يمكن أن يرضى ويهنأ شعب مغلوب يحكمه غاصب، بل إنها كانت أسعد حالاً وأرخى بالاً، مما كانت عليه حين كان حكامها القوط يدينون بدينها الذي تراءوا باسمه دون حقيقته، فإن اختلاف الدين كان في الحق أقل المصاعب التي لاقاها العرب في أول حكمهم، وإن أصبح بعد ذلك مثار عنت واضطراب، لأن ميول الأسبانيين للمسيحية كانت لا تقل عن ميولهم للوثنية، فقد فرض عليهم قسطنطين المسيحية فرضاً، فبقي الناس متشبثين برومانيتهم، ولم يترك الدين في نفوسهم إلا أثراً ضئيلاً، وهم في الواقع لم يكونوا في حاجة إلى دين جديد، بل كانوا في أشد الحاجة إلى القدرة على أن يعيشوا حياتهم في أمن ورغد، وقد منحهم سادتهم المسلمون هذين".
وبإنصاف يؤكد المؤلف "في بُداءة الفتح، مر بالأندلس وقت قصير مضطرب، شوهته حوادث الإحراق والقتل والمصادرة، غير أن حكام العرب أسرعوا إلى وقف كل ذلك، ورأت الرعية بعد أن استقرت الأمور في نصابها أن حياتها على كل حال لم تكن أسوأ مما كانت عليه من قبل، ثم أخذ الناس بعد قليل يشعرون بأنهم أفادوا من تغيير الحكم، فقد كان للأسبانيين أن يحتفظوا بشرائعهم وقضاتهم، وعُين لهم حكام من أنفسهم يديرون المقاطعات ويجمعون الضرائب ويفصلون فيما شجر بينهم من خلاف، وأصبح سكان المدن لا يُكلفون إلا الجزية والخراج ـ إن كانت لهم أرض تزرع ـ بعد أن كانوا في عهد القوط يحملون وحدهم عبء الضرائب والأموال التي تنفق على الدولة، وكانت الجزية متدرجة على حسب منزلة المطالبين بها: فكانت تبتدئ من اثني عشر درهماً إلى ثمانية وأربعين في العام، أو من نحو ثلاثة جنيهات إلى اثني عشر، وقد قسمت اثني عشر قسطاً، يُجبى قسط في كل شهر للتخفيف عن الرعية، وقُصرت الجزية على المخالفين في الدين من النصارى واليهود، أما ضريبة الأراضي التي كانت تتفاوت على حسب قدرة إنتاج الأرض، فإنها فرضت بعدل ومساواة على النصارى واليهود والمسلمين جميعاً، ولم تمتد يد المسلمين في الغالب إلى أملاك المدن والأهلين التي كانت لهم قبل الفتح، نعم إن أملاك الكنائس صودرت، وكذلك الأملاك التي فر أصحابها إلى جبال الشمال، ولكن العرب تركوا عبيد هذه الأراضي يعملون بها، على أن يؤدوا إلى ساداتهم نسبة من الحاصل تتفاوت بين الثلث وأربعة الأخماس، وعومل بعض المدن كمادرة، وأريولة معاملة خاصة، وفازت من الفاتحين بخير الشروط، فاحتفظ السكان فيها ببضائعهم وأراضيهم، على أن تؤدى إلى الحاكم إتاوة في كل عام، ولم يكن المسيحيون على أسوأ الفروض ملزمين دفع ضرائب أكثر مما كان يدفع جيرانهم المسلمون، على أنهم قد ظفروا بحق لم يكن لهم أيام ملوك القوط، فأصبحوا في عهد الإسلام قادرين على نقل ملكية أراضيهم لغيرهم، أما التسامح الديني فلم يدع للأسبانيين سبباً للشكوى، فقد تركهم العرب يعبدون كما يشاءون من غير أن يضطهدوهم أو يلزموهم اعتناق عقيدة خاصة كما كان يفعل القوط باليهود.
*          *          *          *          *
وكان من أثر هذه المعاملة وذلك التسامح، أن رضي المسيحيون بالنظام الجديد، واعترفوا في صراحة أنهم يؤثرون حكم العرب على حكم الإفرنج أو القوط، حتى إن القساوسة أنفسهم لم يكونوا شديدي التألم لحكم العرب كما يدل على ذلك التاريخ المنسوب إلى (إيزيدور) الباجي.
أما فرح العبيد ـ وفقاً للمؤلف ـ بما طرأ على نظام الحكم من التغير فقد كان عظيماً حقاً، بعد أن لاقوا من ضروب العسف والقسوة من القوط والرومان ما تقشعر له الأبدان، فإن الرق في رأي المسلمين الأخيار نظام إنساني، حتى إن النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما لم يجد بداً من الإبقاء على هذا النظام العتيق الذي يعارض مبادئ الإسلام، بذل كل جهد في تخفيف ويلاته في كثير من الوصايا والأحاديث، فهو يقول في الأرقاء: "إخوانكم خَوَلكُم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليُلبسه ما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإذا كلفتموهم فأعينوهم" وعن أبي مسعود الأنصاري قال: "كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً يقول: اعلم يا أبا مسعود: الله أقدر عليك منك عليه، فالتفتُ فإذا هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار".
والمؤلف المنصف يستطرد قائلاً: "ولم يكن بين القُرَب التي يتقرب بها المسلمون إلى الله أجل من اعتاق العبيد، وكثيراً ما حض النبي علي تحريرهم، وقد جعل الإسلام إعتاقهم كفارة لبعض ما يُجترح من الذنوب".
*          *          *          *          *
لقد كان فتح العرب للأندلس في جملته ـ كما يذهب إستانلي لين بول ـ نعمة ورخاء على الأندلسيين المحكومين، لأنه أبطل ما كان يملكه كبار النبلاء ورجال الكنيسة من الضياع الواسعة، وحولها ملكيات صغيرة، ثم رفع عبء الضرائب عن الطبقة الوسطى، واقتصر منها على الجزية على غير المسلمين، والخراج على المسلمين وسواهم، ثم حث على تحرير العبيد والرفق بهم وإصلاح أحوالهم فأصبحوا زراعاً مستقلين في خدمة سادتهم المسلمين، ثم زادت صراعات وخلافات الفاتحين من الحكام لفترة من الزمن طيلة القرن الثامن الميلادي، واستمرت الروح القبلية لم تضعف سيطرتها بعد، وبقيت الثورات تتغلب على الحكومات وتستبد بها، واستمرت الحال على هذا كما يقول المؤلف في نهاية فصله الثالث المعنون بـ"الأندلسيون"، حتى نزل الأندلس حاكم من طابع جديد، سلاحه الجلال والمهابة، يحمل بين جنبيه عزة الخلفاء الأمويين، وتجري في عروقه دماؤهم، قدم إلى الأندلس ليحمل صولجان الحكم في مملكة مضطربة، منحلة الأواصر، وليجمع في حقبة من الزمن كل القبائل والعشائر تحت لواء أمير قرطبة، هذا الشاب هو الأمير الجديد الذي جاء شرلمان لقتاله فآب بالخيبة"، ولمزيد مما قاله المؤلف نضيف نحن أن هذا الشاب الذي يقصده المؤلف هو عبد الرحمن الأموي (عبد الرحمن بن معاوية بن هشام) المولودعام 113هـ، والذي اشتهر لاحقاً بعبد الرحمن الداخل، والذي ضمن بسيفه وقوته ومهابة حكمة وإنجازاته، أن يستمر حكم الدولة الأموية بعد زوالها على أيدي العباسيين عام (2750 ـ 1320هـ) لأكثر من ثلاثمائة عام في الأندلس، ويقول المؤلف: وقد أعطانا ابن حيان ـ وهو مؤرخ قديم للأندلس ـ صورة لأمير قرطبة عبد الرحمن الداخل فقال: "كان عبد الرحمن راجح الحلم، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد في إبرامها برأيه، شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحدة، قليل الطمأنينة بليغاً متفوهاً، شاعراً محسناً، سمحاً سخياً، طلق اللسان، وكان يلبس البياض ويعتم به ويؤثره، وكان قد أُعطي هيبة من وليه وعدوه، وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها، ويصلي بالناس إذا كان حاضراً الجُمع والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى، ويكثر مباشرة الناس والمشي بينهم".
انتهى كلام المؤلف في هذا الفصل، ونضيف نحن أنه قد توالى بعد عبد الرحمن الخلفاء الذين عمروا الأرض وبنوا الحضارة ونشروا العلم والفلسفة، وإعادة توحيد الصفوف إثر كل انشقاق ولدته طبيعة الترف، الذي كان يعيش فيه بعض الخلفاء، إلى أن جاء الخليفة عبد الرحمن الناصر، فأعاد بقرطبة وحواضر الأندلس وحدتها ومجدها السياسي والاجتماعي التليد، قبل أن تدور عليها الدوائر كما هو حال التاريخ دائماً.
والحديث موصول ؛؛؛
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد