إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

إسرائيل عربية في الواقع، هذا هو المأزق! بقلم: علي الصراف

Israel(16)

الأمة العربية، هي الوحيدة بين أمم العالم التي يضم مكوّنها التاريخي الطبيعي أتباعا من الديانات الثلاثة.

وأمة الديانات الثلاثة هذه، هي وحدها التي تستطيع ان تتمثل تعدديتها الدينية من منطلق قومي لا تناظره أي قومية اخرى. هذه ميزة استثنائية، لا تؤكد قدرة العرب على استيعاب الإختلاف الديني فحسب، ولكنها تؤكد ان وحدتهم القومية لم يغلب عليها الطابع العلماني عن عبث. الإرتفاع فوق الإختلاف الديني كان مصدرا من مصادر التماسك والوحدة. ولهذا السبب كانت القومية العربية هي قومية تاريخ ولغة وثقافة وتقاليد لا قومية دين.
وهنا يكمن أحد أهم مصادر صدام العروبة مع الصهيونية. فهذه البدعة الإيديولوجية حاولت ان تضفي على الدين اليهودي طابعا قوميا. إلا انها فشلت. في حين نجحت العروبة، رغم كل التحديات، في ان تدافع عن نفسها بوصفها قومية "فوق دينية" بل عابرة للأديان والمذاهب. ولئن شكل الإسلام مرجعية ثقافية وقيمية وروحية عظمى فيها، إلا ان القومية العربية ظلت قادرة على استيعاب وتمثل تعدديتها الدينية كجزء من طبيعتها الجوهرية. ولهذا السبب، وبفضله، لعب العرب المسيحيون دورا سياسيا وثقافيا ونضاليا بارزا في مشروع التحرر القومي. ومن أبواب هذا المشروع دخل الفلسطينيون المسيحيون ليكونوا في الطليعة النضالية من اجل تحرير فلسطين من المشروع الصهيوني.
لماذا لم يلعب العرب اليهود دورا مماثلا، إلا في حدود ضيقة للغاية؟
السبب يعود بالدرجة الأولى الى ان المشروع التحرري القومي العربي الذي نشأ ليتصادم مع قوى الاستعمار الحديث، وجد نفسه امام عدو إضافي صنعه له هذا الإستعمار: انه المشروع الصهيوني. وكانت وظيفة هذا المشروع مزدوجة بامتياز: أولا، لكي "يكسر مجاديف" المشروع التحرري القومي "فوق الديني" العربي. وثانيا، لكي يجبره على الخوض في مواجهة دينية من داخل مكوّنه التاريخي.
تحوّل اليهودية الى "قومية" تخوض صراعا مع "القومية العربية"، هو الذي دفع الى تهميش العرب اليهود، بل والنظر اليهم كأعداء، وبرر في الكثير من الأحيان اضطهادهم. وهو الأمر الذي دفع بالكثير منهم الى الغرق في أحضان المشروع الصهيوني.
لقد تعرض المشروع التحرري القومي العربي الى هزائم وانكسارات كبيرة ومتكررة. إلا أن شيئا واحدا لم يتحطم: العروبة ظلت قلبا ينبض، ويلزم الراغب وغير الراغب، على أخذ حقائقها بعين الإعتبار. العلاقات البينية العربية ظلت ترتبط بوشائج قومية وثيقة، تملي حتى على أكثر "القطريين" قطرية ان يتورطوا بقضاياها، وان يلتزموا بمعاييرها. بل ان هذه الراوبط ما تزال تشكل واحدة من أهم مصادر الشرعية بالنسبة للحكومات العربية. وسواء أكانت "شرعية" هذه الحكومات مكتسبة بوسائل ديمقراطية، او موروثة، او "إنقلابية"، فانها جميعا ظلت تجد في "التضامن العربي" و"الدفاع عن الحقوق العربية" و"القضية الفلسطينية" ما يدعم او يبرر "شرعيتها" القطرية.
الواقع بالنسبة للصهيونية هو العكس تماما. اليهود السفارديم (الشرقيين) ظلوا مضطهدين ومهمشين قياسا باليهود الأشكناز (الغربيين). وعلى الرغم من ان اسرائيل تحاول من خلال اللغة ان توجد وتوحد شعبا، إلا ان هذه المحاولة فشلت في الثقافة كما فشلت في العادات والتقاليد، فشلها في مختلف مظاهر ومقومات الحياة الأخرى.
وبعد 60 عاما على نشوء إسرائيل، لا توجد اليوم قومية يهودية. هناك عدة قوميات متنازعة على النفوذ والمصالح. ويشكل العرب اليهود بينها قومية مستقلة ومتميزة ومضطهدة. انهم بروليتاريا المشروع الكولونيالي الذي صنعه اليهود الغربيون لأنفسهم، ومن اجل مصالحهم "القومية" (الطبقية) الخاصة.
ولقد فشل المشروع الصهيوني في اجتذاب يهود العالم الى فلسطين، او في تحويل فلسطين الى قبلة نهائية لليهود. الاحصائيات الاسرائيلية تؤكد ان اكثر من 60% من يهود العالم يعيشون خارج إسرائيل. وعلى الرغم من كل الإغراءات المتاحة أمامهم، فان أعدادا محدودة منهم ترغب بالمجيء الى إسرائيل.
ويقول تقرير اصدرته "الوكالة اليهودية" عام 2008، أن عدد اليهود في العالم يبلغ 13,3 مليون شخص، 5,5 مليونا منهم يقيمون في فلسطين. وحتى عام 2005 كانت الهجرة من والى اسرائيل متوازنة تقريبا، إلا انها منذ ذلك العام بدأت تختل لصالح الراحلين عنها.
معظم الراحلين من إسرائيل هم من اليهود الغربيين الذين قرروا العودة الى أوطانهم الأصلية. والكثير من هؤلاء يدركون انه لا مصلحة لهم في أن يجعلوا من أولادهم وقودا لحرب لا تنتهي ولصراع ينطوي على كراهيات عميقة مع المحيط العربي، بينما يختل التوازن الديمغرافي داخل إسرائيل نفسها لصالح اليهود الشرقيين والعرب والفلسطينيين.
وحتى الذين لم يهاجروا بعد، من اليهود الغربيين، فان اغلبيتهم تحتفظ بجنسيات اوطانهم الأصلية، واكثر من 50% منهم ما يزالون يحتفظون بمنازلهم في تلك الأوطان، وهم يعودون اليها بين الحين والحين. الأمر الذي يقدم دلالة قاطعة على طبيعة وحجم "الإنتماء" لهذا الوطن "القومي" المزيف الذي يدعى إسرائيل.
واليوم فان نصف الـ 5.5 مليون يهودي الذين يعيشون في إسرائيل هم عرب. وقد كانت نسبة الشرقيين تصل الى نحو 70% من مجموع اليهود لولا هجرة 800 ألف يهودي من الاتحاد السوفياتي السابق.
ويدرك العرب اليهود، ان كيانهم الصهيوني يبحث عن هجرة المزيد من الغربيين لأسباب عنصرية موجهة ضدهم بالذات. ومن اجل الإبقاء عليهم كمضطهدين ومهمشين.
لكن حتى الـ50% هذه ما تزال تميل الى صالح اليهود العرب والشرقيين، إولا بسبب عامل الهجرة المعاكسة الذي يدفع يهود الاتحاد السوفياتي الى البحث عن مأوى ذي مستقبل أفضل، وثانيا، بسبب تفاوت نسب الولادات بين اليهود الشرقيين ونظرائهم الغربيين.
وهناك، فوق هؤلاء العرب اليهود، 1.4 مليون عربي فلسطيني (وراء خطوط عام 1948). وهذا يعني بوضوح ان الغلبة الديمغرافية تميل بوضوح لصالح العرب (مسلمين ومسيحيين ويهودا ودروزا). هذا من دون إضافة 3.9 مليون فلسطيني يعيشون اليوم في الضفة الغربية وغزة.
مشروع "القنبلة الديمغرافية" الذي يأمل بعض الفلسطينيين باستخدامه، لدى تقديم خيار الدولة الواحدة، لا يبدو واقعيا، ليس لان إسرائيل تعيه وتخاف منه وترفضه وتحاول أن تحصن نفسها ضده (بتحويل التجمعات الفلسطينية الى كانتونات معزولة)، بل لانه يقدم نفسه كتهديد للعرب اليهود أيضا.
مثلهم، مثل اليهود الغربيين، فان الصيغة المثالية، هي ان يعود هؤلاء الى أوطانهم الأصلية. ولكن، بما أنهم عرب، في أرض عربية، فان المرء يستطيع أن يفترض ان بقاءهم في فلسطين يمكن ان يظل أمرا مقبولا.
ومثلما انه لا توجد عوائق تحول دون ان يعيش اليهودي المغربي في تونس، او اليهودي المصري في المغرب، فنظريا على الأقل، يفترض ألا تكون هناك عوائق تحول دون ان يعيش اليهود العرب في أي أرض عربية، بما فيها فلسطين.
نعم. هناك حقوق مقدسة للفلسطينيين يجب أن تُراعى. ولكن مهما كان النقص الذي سيقترحه حل الدولة الواحدة في هذه الحقوق، فانه يظل أفضل مليون مرة من التنازل عن ثلاثة أرباع فلسطين بموجب "حل الدولتين".
وفوق "التبرع" بحياة ومصير 1.4 مليون فلسطيني في أراضي 1948، فان المشكلة الجوهرية في "حل الدولتين" تكمن في الأمر الذي يتغافل عنه الجميع، وهو ان هذا الحل يتبرع بالعرب اليهود، مرة أخرى، للمشروع الصهيوني، بينما كان يجب، وما يزال يجب إعادتهم الى صفهم القومي الأصلي بدلا من الإلقاء بهم ليكونوا وقودا لمشروع قومي مزيف.
الدعوات الى عودة هؤلاء اليهود الى أوطانهم لن تكون صادقة ما لم تقترن بقبولهم كمواطنين متساوين بالفعل. المسألة ليست مسألة "استعادة أملاك" او "المحافظة عليها". المسألة مسألة مواطنية هي التي يجب أن تُستعاد. وهذه المواطنية يمكن أن تُستعاد لدى العودة الى المغرب او مصر او اليمن، كما انها يمكن أن تُستعاد بالبقاء في فلسطين أيضا.
الفلسطينيون بحاجة الى حركة تحررية وطنية يمكنها ان تستوعب ليس العرب المسيحيين وحدهم، بل أن تجرؤ لتستوعب العرب اليهود أيضا.
بعد "القنبلة الديمقراطية"، فان القنبلة التي يجب ان تنفجر في وجه المشروع الصهيوني هي "القنبلة القومية". انها، في الواقع، الجامع النهائي والأخير بين "القنبلتين" الديمغرافية والديمقراطية. هذه القنبلة هي وحدها التي يمكن ان تكفل عدم الدفع بالعرب اليهود ليبقوا ضحية مشروع قومي فاشل.
المشروع القومي العربي يمكن ان يؤكد تفوقه وانتصاره بالعودة الى طبيعته كمشروع تحرري عربي "فوق ديني".
لقد كان ديفيد بن غوريون، اول رئيس وزراء لإسرائيل، يردد القول: "لا نريد أن يصبح الإسرائيليون عربا".
في ذلك الوقت كان "الإسرائيليون" الذين بين يديه هم في غالبيتهم عرب. وظلت إسرائيل، لأسباب محض عنصرية، تحاول جاهدة ان تعدل ميزانها الداخلي باستقدام يهود من كل مكان آخر. إلا انها فشلت في النهاية في منع هؤلاء من العودة الى أوطانهم. فاسرائيل لم تقدم لهم إغراء حقيقيا بالبقاء. وكشفت عن نفسها لهم كمشروع سياسي واقتصادي واستراتيجي وثقافي فاشل.
الكل يعرف ان إسرائيل كيان هش اقتصاديا. وفوق هشاشته الاجتماعية والثقافية، فان ضعفه الإستراتيجي يجعله عاجزا عن البقاء حتى دون انسحاب من الضفة الغربية وغزة والجولان. الشريط الجغرافي الضيق الذي تمثله إسرائيل، يبدو كما لو انه ممر قابل للقطع في أي لحظة. والقنابل النووية التي تزعم إسرائيل انها تملكها (لتخيف الآخرين)، لا تخيف أحدا في الواقع. ومع ذلك فان إسرائيل تعيش بفضل إستمرار النزاع. وها هي جرجرت العرب والفلسطينيين 18 عاما في البحث عن حل وهمي لاقامة دويلة فلسطينية على ربع فلسطين. وفي النهاية فانها لم تقدر على المضي بهذا "الحل" قدما.
حل الدولتين، لا ينطوي على تنازلات تجعله مستحيلا فحسب، ولكنه يتجاهل حقيقة أن إسرائيل مشروع قومي فاشل، وقابل للإنهيار من الداخل.
الاستراتيجية الأصوب هي التي تدق على الوجع، لا أن تحاول مساعدة إسرائيل على البحث عن سبيل لكي يجد "مشروعها القومي" أرضا يُعترف له بها على أنها "يهودية"، أو لكي يجد لنفسه متسعا ليحل مشكلاته الداخلية.
اليهودية دين، لا قومية. مساعدة الصهيونية في ان تحوّل الدين الى قومية، هو أكبر هزيمة يوجهها المشروع القومي العربي لنفسه، وهو أكبر خيانة يرتكبها القادة الفلسطينيون ضد شعبهم وقوميتهم.
لقد مضى القادة الفلسطينيون، يسارا ويمينا، في الطريق الخطأ. وحسنا انهم يعترفون بالفشل اليوم.
لقد عرض الرئيس الفلسطيني محمود عباس إستقالته إعترافا منه بانغلاق أفق المفاوضات وفشل مشروع حل الدولتين. ولكنه عاد ليستخدمها كمناورة مبتذلة للبقاء في السلطة، من دون مشروع.
هذه كارثة، أسوأ من كل الحلول، حتى الفاشلة منها.
فأن تحكم من دون مشروع، يعني أن تقدم الإهتراء والتفسخ والتحلل على القضية التحررية الوطنية. وهذا ما يجب ألا يسمح به أحد.
ولكن مع مَنْ يمكن أن تتحدث؟
مع يسار لا يعرف ماذا يفعل غير التنطع بالكلام الفارغ؟ أم مع يمين يقتات على سلطة فساد وفشل؟
الفلسطينيون بحاجة الى استراتيجية وطنية جديدة. وهذه تتطلب حركة وطنية جديدة تستعيد قيم ومقومات حركة التحرر القومي العربية أيام كانت حركة بعث ونهوض وتنوير وتجديد قومي شامل.
مأزق إسرائيل اليوم، هو بالضبط ما كان يخاف منه بن غوريون. وهذا ما يجب الضرب عليه.
سواءبحركة تحرر مدنية سلمية أو بحركة كفاح مسلح، لمن يرغب، فان المجرى الوحيد الصحيحللنضال الوطني الفلسطيني يجب ان يتركز على إقامة دولة ديمقراطية واحدة. هذا الهدف لا يتطلب مفاوضات ولا تنازعا على الأراضي. انه يتطلب فقط القبول باجراء انتخابات لجميع المواطنين.
ولكنه يتطلب، من جانب الفلسطينيين، استراتيجية وطنية لا تضحي بأحد، ولا تذبح حقوق أحد.
ساعتها سيعرف بن غوريون، وهو في قبره، انه خسر المعركة.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد