إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

المجتمعات المهزومة وترف مسابقات الجمال

خيري حمدان

 

لا شكّ بأنّ مسابقات الجمال أنشطة تعبّر عن رفاهية وترف المجتمعات، حيث تدلف الفتيات إلى ساحات الغرور جيئة وذهابًا، في محاولة لعرض مفاتنهنّ وجمالهنّ الصارخ! في الأثناء يحتسي الحضور الشاي المعطّر بالنعناع الخالي من الكحول بالطبع، لصعوبة احتسائه في زمن الاحتلال وإفلاس السلطة الفلسطينية. في الأثناء، تكون النساء الثكلى والأيتام قد نسوا تمامًا أو على الأقل يكونون قد تناسوا ذكرى الموت وهدم المنازل والسياحة المكوكية التي تقوم بها القوات الإسرائيلية ما بين المدن والقرى الفلسطينية لنثر الحلوى وألواح الشوكولا والابتسامات والأموال على المحتاجين، كما تقوم بعمليات جراحية لمعالجة المرضى وليس كما يدّعي البعض بهدف استئصال بعض الأجهزة العضوية كالكبد والرئة والقلب وما شابه. معاذ الله أعزّائي القّرّاء!

 

لكلّ هذا تأتي هذه الفعالية التي تستحقّ التصفيق الحادّ فقد تمكّنت بنات الذوات من نثر الريحان والياسمين ومشاعر الحريّة على وجوه العذارى والكبار قبل الصغار، حتى وإن كان شبح الجدار العازل ما زال قائمًا ووحشيًّا في جبروته. ما العيب في ذلك، فارتفاعه لا يتجاوز ضعف ارتفاع جدار برلين وطوله لا يتجاوز ثمانون ضعفًا مقارنة بالجدار الذي شقّ العاصمة الألمانية إلى قلبين!

 

مسابقات الجمال ليس ترفًا لأنّنا شعبٌ يمكنه بسهولة أن يرتقي فوق جراحه وآلامه، لهذا من السهل علينا أن نحتفي ونتفاعل ونصفّق حتّى تحمرّ أيادينا وليس وجوهنا بالطبع من الصفعات وبصقات التاريخ! لهذا نحن في أمسّ الحاجة لمسابقات ملكات الجمال العابرة في رحم الاحتلال. أقترح في هذه اللحظة أن تنظّم مسابقة لأجمل سفير فلسطيني قادر على الاحتفاء بمناسبة مرور ألف عام على تأسيس تنظيمه في أفخم الفنادق الأوروبية، وعلى بعد يوم أو يومين من مناسبة اغتيال قائد فلسطينيّ أو مجزرة في مخيّم وقرية.

 

ليس ترفًا أن نحوّل أموال المساعدات من ميزانيات الوزارات الفلسطينية لتصبّ في فعاليات أجمل فخذ وساق ونهد، كيف لا ونحن ندفع الثمن بتنازلات لا تنتهي. نحن متواضعون للغاية وقانعون حتى الشماتة! نحن مثالٌ صارخ لقدرتنا على احتمال الخناجر المغروسة في ظهورنا، وعلى الأرجح قد نكتفي بعشرين كيلومترًا مربّعًا لقيام دولة فلسطينية غرّاء تكفي لاستيعاب قرية نموذجية تتكوّن من قصور مبنية بحجارة بيضاء وقرميد عازل للصوت والضجيج حتى نمنع صدى صراخ الضمير البائس!

 

لا أريد أن أبدو سوداويًّا فنحن على أبواب خلق دولتين دفعة واحدة، كما أن مستوى حياة المجتمع الفلسطيني مرتفع حتى سماء الحريّة، ولا ينقص المجتمع الغزيّ سوى عشرات من سيارات الكاديلاك والفراري، أمّا نابلس ورام الله والخليل فهي تحتفل بتوأمتها بلندن وباريس وروما. وهذا يعني أن يشعر ابن نابلس بأنّ "بيج بِن وسوهو" على بعد خطوات من مأساته.

وفي النهاية أرفع كأس الشاي المحلّى بالعسل وأقول لمنظّمي الاحتفال: بصحتكم، الجمال بضاعة رائدة .. دعونا نصدّرها للعالم بعد كساد الثورة!  

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد