إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مليارات أبو ظبي لن تنقذ دبي من موتها الاقتصادي!

Dubai(9)

أشار محللون بريطانيون، منذ الأيام الأولى لأزمة دبي، أو منذ إعلان دبي نفسها عن أزمتها، كون الأزمة موجودة قبل وقت طويل من ظهورها إلى الإعلام، إلا أن أصحاب القرار اكتشفوا أن التكتم مضرّ أكثر من الإفصاح، فسارعوا إلى إعلان إعادة جدولة الديون. المحللون البريطانيون أشاروا في تحليلات نشرتها "السياسي" في حينها بأن تدخّل أبو ظبي في ضخ أموال للإمارة الجريحة لن يتم بالسهولة التي يتخيلها بعض المتفائلين. فهذا الضخ المالي سيكون مشروطاً بأن تتنازل دبي عن جبروتها واستقلالها الجارف بوجه الإمارات الأخرى، وأن تكف عن اتباع سياسات منفردة ومغامرة في إيحاء منها كأنها دولة مستقلة.

 
وتساءل البعض عن ماهية التنازلات التي ستقوم بها دبي كي تزيل مخاوف المصرف المركزي الإماراتي بألا تعود إلى سابق عهدها من تفرد بالقرار الاقتصادي وعدم دراسة طبيعة العجلة الاقتصادية في المنطقة التي تحتم على أصحاب القرار ربط توجههم الاقتصادي بالواقع السياسي المتحرك والذي هو في الشرق الأوسط على كف عفريت في أغلب الأحيان.
 
أخيراً، قررت أبو ظبي ضخ مليارات من الدولارات إلى الإمارة الجريحة. المراقبون سارعوا إلى القول: إن المبلغ قليل قياسا بأزمة دبي. ولفتهم أن العاصمة تتباطأ بضخ المبالغ المطلوبة لإنقاذ دبي من مواتها الاقتصادي الذي هرّب المستثمرين وسحَب الأموال من الإمارة بل إن مشاهير هذه الإمارة بدأوا مغادرتها واحدا بعد الآخر، على طريقة القفز من السفينة المعطوبة!
 
أجمع المحللون على أن جزئية الضخ المالي من ابو ظبي إلى دبي سببه المطالبة بتغييرات متوازية مطلوبة من الإمارة الجريحة. بحيث تترافق المبالغ المرسلة مع تغييرات عليا تفترض ربط القرار الاقتصادي، وعلى رأسه قرار الاستدانة، بالمصرف المركزي الإماراتي، الذي تصر الإمارات أن يكون له الكلمة الفصل في أي تعاملات اقتصادية كبرى ستقوم بها، ذلك أن انفراد دبي وحدها بالقرار الاقتصادي لن يترك أثرا على دبي وحدها، بل ستضطر معه باقي الإمارات الى التعامل مع أزمة دبي كأزمة وطنية لايستطيع معها حاكم الإمارات القول إن جمهوريته مجروحة ولن يتأثر بجرحها الآخرون.
 
مخاوف حكام الإمارات نابعة من كون سوء السمعة التي ألحقتها دبي بباقي الإمارات يتطلب نوعا من الإجراءات الجراحية العاجلة للقرار الاقتصادي في الإمارة المصابة. فقد تأكد كل المستثمرين الغربيين في المقام الأول، أن أزمة دبي أقلقت الاستثمار في الإمارات كلها. ولذلك لن يحق لدبي أن تتصرف كجمهورية مستقلة داخل الدولة تتباهى على الآخرين لو نجحت وتطلب معونتهم لو فشلت كما حصل في الآونة الأخيرة.
 
المليارات المحدودة التي قبلت أبو ظبي بضخها الى دبي تؤكد المسعى إلى إجراءات متوازية يريدها المركزي الإماراتي، فهو قادر على ضخ المبلغ كله، إلا أن المانع من ذلك هو مجموعة من التنازلات الجوهرية التي يريدها على أرض الواقع كي يقوم بإنقاذ الإمارة الجريحة من مواتها الاقتصادي. فضلا عن أن دبي التي كانت تتحرك بمساحة سياسية واسعة إلى درجة تتصرف فيها باستقلال سياسي حتى عن العاصمة، كالعلاقات مع إيران وزيارات حاكم دبي المتكررة الى البلد الى يحتل جزره ويدعي ملكيتها، وكذلك العلاقات الاقتصادية التي تجمع الحاكم بمجموعة من السياسيين العرب الأثرياء الذي كونوا ثرواتهم من مناصبهم في الدول التي ينتمون إليها، جعلت الأنظار كلها تتجه الآن إلى ماسمّي "عقلنة اقتصاد دبي" بحيث يعود الابن الضال الى مملكة الأب، ويتوقف عن التصرف باستقلالية متورّمة تصل حتى طلب الاعتراف بها كجمهورية مستقلة!
 
مليارات أبو ظبي لن تقوى على إخراج دبي من الغرق، على المدى المنظور. هي اختبار لجدية التغيير المأمول من حكام الإمارة الذين مازالوا مترددين في التنازل عن "الكبرياء المالية" التي أدت الى كل هذه الخسائر. وماعلى محمد بن راشد إلا أن ينصت للضرورة الوطنية التي تحتم عليه التعامل مع اقتصاد بلاده كرؤية سياسية شاملة وليس مجرد استثمار معزول عن سياقه. وإلى حين هذا التغير البنيوي ستظل دبي جنة سابقة طُرِد منها كل الذين رأوا أن الاقتصاد يمكن أن يتم معزولاً كما لو أنه باراشوت تنزل من الفضاء على رؤوس البشر في الدولة الشاخصة!
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد