صخب الموانئ 5 . بقلم م. زياد صيدم

0

قرع الطبيب المعالج باب غرفتها رقم 22..  كان ينظر إلى إبراهيم وفى عينيه رجاء بان يتفهم الوضع، ويتماسك أعصابه..قبل أن يسمعا صوتها يأذن لهما بالدخول.. تقدم إبراهيم الطبيب بخطواته حتى أصبح بمواجهة زوجته.. كان يبتسم لها، مهيئا ذراعيه ليضمها ويحتضنها بكل الحنان والحب والرحمة.. فقد شعر بهما أكثر من أي وقت مضى.. كانت شفتاه ترتجفان قبل أن ينادى باسمها : نجوى.. نجوى.. اشتقنا إليك كثيرا حبيبتي، الأولاد  يشتاقون إليك،  يسألونني عنك ..نريدك معنا في البيت.. نجوى نحن نحبك كثيرا، نفتقد إلى دفء البيت بغيابك عنا .. – إبراهيم أهلا  !، نطقتها وهى تحتفظ بمسافة بينهما.. ثم أدارت وجهها إلى جهة  طاولتها الصغيرة.. والتي تناثرت عليها أوراق مهلهلة .. التقطت بعضها بيدها المرتعشة، لوحت بها في وجهه ، استمرت في حديثها : ينقصني أن اكتب نهاية روايتي ؟..  لكنى أريدها بان تكون محل إعجاب الجمهور!، وتنال تصفيقا مدويا في قاعات السينما.. – تصور يا إبراهيم بان المنتج يلاحقني ويريد مساومتي على ثمن الرواية !! – نعم.. نعم نجوى سيكون هذا بلا شك، التفت إلى دكتور نصري وقد فاضت عيناه بدموع لم يستطع حبسها.. انهمرت وهو يستذكر أطفاله المنتظرين خبرا مفرحا.. يستذكر نجوى كيف كانت، وكيف أصبح حالها… لم يحتمل برودة أعصابها، وعدم لامبالاتها بلقائه بعد غياب ثلاثة أسابيع بناء على إرشادات الطبيب المتابع لحالتها.. لم تسال عن أطفالها وكأنها ليست بأم !، خاطب نفسه مجيبا أيعقل هذا ؟.. يغرق  في بحر دموعه وما يزال واقفا أمامها.. يلوذ بالصمت .. يبدأ صدره بالخفقان.. لا بل انه نحيب لم يستطع أن يحجبه..كان شيئا يضغط على صدره بثقل الجبال.. أراد أن يتخلص منه لكن كيف السبيل؟.. فوجد طريقه الأقرب إلى أن ينفجر بالبكاء من جديد.. – أتبكى يا إبراهيم كيف هذا ! ولماذا ؟ سألته بصوتها  الغريب، والذي حمل كل عذابات حاضره ومستقبله المجهول.. – لا حبيبتي أنا لا أبكى، إنما هي فرحتي بلقائك، إنها دموع الفرح غاليتي.. أحس حينها بنيران تجتاحه، وقهرا يضغط على صدره يحاول خنقه.. في هذه اللحظات كان لابد من الطبيب  أن يتدخل : باش مهندس هل أترككما وحدكما؟  فقد أكون في غير مكاني واعتذر لكما عن تطفلي .. كان يخاطبه  متجها برأسه نحو نجوى.. لكن المفاجأة التي لم يتوقعها كانت تكمن في إجابتها: لا، لا داعي من بقائك هنا إبراهيم !  فقد خطرت لي فكرة كنت ابحث عنها طوال الأيام الماضية لنهاية روايتي.. أريد أن أسجلها يا دكتور بعد إذنكما .. انتهت المقابلة !.

 

اتكأ إبراهيم على كتف الطبيب يحاول سحب قدميه .. يجرهما جرا .. يسير ببطيء  إلى حيث  مكتب الطبيب.. رمى بنفسه على أول كرسي عثرت عليه عينيه.. انه في وضع لا يحسد عليه.. لقد أيقن بان زوجته في وضع اشد صعوبة من ذي قبل ، ميئوس من شفائها قريبا.. – هون عليك باش مهندس  سنتابع الحالة إلى آخر مداها .. لن نقصر أبدا، وسنعمل و نضع كل إمكانيات المؤسسة وخبراتها في خدمتها أجابه وهو يفتح ملفها.. بدأ يقرأ على مسامعه خطوات متابعة حالتها في الأسابيع الأخيرة ..ثم  أردف قائلا: لم استغرب تصرفها أبدا معك !، فهذه البرودة العاطفية أمر عادى لمثل حالات الانفصام الحاد في الشخصية .. وهذه الهلوسة والعالم الغير واقعي التي تعيشه زوجتك في صميم أعراض المرض .. لكنها لم تنتقل بعد إلى حالة ميئوس منها حتى الآن .. – حالة ميئوس منها يا دكتور كيف؟ هل شرحت لي بأكثر وضوحا أرجوك قالها إبراهيم بعد أن خرج من صمته وذهوله .. – هي حالات متأخرة نعم قد يلجأ فيها المريض إلى إيذاء نفسه بشكل خطير !! – انتفض واقفا وأشعل سيجارته بنهم غير مسبوق ثم تمالك نفسه: كيف يا دكتور ؟ هل فسرت لي أرجوك، أوضح .. كانت كلماته غير مسموعة ، تكاد أن تتوه بين ضعفها وتلعثمها وبين فقدانه للأمل والرجاء بشفاء زوجته.. – بصراحة  تامة نخشى من محاولات انتحار لها .. ولهذا رأيت بأم عينيك بعض الاحتياطات التي اتخذناها في الغرفة …

 

ذُهل إبراهيم وغط في صمت ووجوم افقده القدرة على الحركة أو الكلام.. لم يعد يرى سوى هيكلا يتحدث أمامه، فاقد لملامحه، فقد اغرورق بدموع كثيفة، أفقدته حاسة الرؤيا لديه.. نهض متجها صوب الطبيب، مد يديه المرتعشة كمن يريد الاستنجاد .. أراد الخروج من المكان بأقسى سرعة.. ليستجمع قواه، ويعيد اتزانه وحساباته بمنطق أكثر وعيا وإدراكا للوضع القائم.. وقف الطبيب  وقد اقبل عليه مودعا إلى باب مكتبه واصطحبه خرجا إلى حيث الفناء الرحب.. والحديقة التابعة للمؤسسة .. وهنا توقف الطبيب مصافحا إبراهيم .. شد على يده واعدا عمل كل ما باستطاعته والطاقم المتخصص لأجل شفائها.. كما همس له بان يكون على اتصال دائم به …

 

 كان سائق إبراهيم قد أشعل موتور السيارة عندما رآه خارجا.. فقد كان يجلس على كرسي نُحت من الصخر، ومنقوش بالخزف والأشكال الجميلة.. كان موضوعا مع مجموعة مقاعد مشابه بشكل نصف دائري، أسفل شجرة وارفة الظلال .. صعد السيارة إلى جانب سائقه، مشيرا له بالتوجه إلى البيت فورا، حيث أحس بشوق كاسح كي يحتضن أطفاله .. لكنه عرج إلى محل للألعاب، فاشترى لهما لعبتين جميلتين حسب ذوقيهما الذي يعرفه .. أوصله البيت ثم عاد السائق أدراجه..  فتح إبراهيم بوابة البيت حيث استقبلته أم سعد، وقبل أن يسال سؤاله المعتاد ..كانت تجيبه أم سعد: الأولاد يلعبون في غرفتهم وقد أكلوا جيدا  بعد أن أخبرتنا بتأخرك اليوم .. – حسنا يا أم سعد  فعلتي خيرا أشكرك من أعماق قلبي، أجابها..  – هل أجهز لك طعام الغذاء ؟ .. – نعم لكن بعد أن آخذ حمامي المعتاد ، لكنه اتجه إلى غرفة الأطفال، فوجد ابنته في غرفة أخيها.. لوح لهما من باب الغرفة بالهدية .. تهلل وجههما.. قفزا فوق السرير بابا..بابا.. احتضنهما بشوق وحنان ولهفة لم يسبق لهما مثيلا من قبل.. أطال في ضمهما إليه، كان يقبلهما بلهفة .. قبل أن يفتحا هديتهما من الألعاب التي يحبونها كل حسب رغباته، طارا فرحا وبهجة، تعلقا في رقبته وهو جالس على ركبتيه، حتى كاد أن يوقعاه أرضا .. فضحك معهما .. ثم استأذنهما في الذهاب ليأخذ حمامه اليومي.. وقبل أن يغلق الباب عليهما، القي بنظره صوبهما، كانا يلعبان غير منتبهان إليه.. كانت نظرة فرح امتزجت بحزن دفين.. فانسحب بهدوء مغلقا الباب ورائه، بينما كان يخفى ألمه وحسراته عن عيون أطفاله.. اتجه لأخذ حمامه عله يجد مع الماء سكينته وراحة، فيغسل وجع الحاضر وقسوة الزمن الصعب عليه ..لكن الأمل يبقى سيد الموقف، والأمنيات وحدها ستصاحبه من الآن فصاعدا…  توجه لاحقا إلى غرفة السفرة.. تناول طعامه على عجالة، فقد أحس بنوع من الإرهاق فاتجه إلى غرفة نومه ليكسب ساعة نوم اعتاد عليها…

 

 ما أن دخل الغرفة حتى وقعت عيناه على جهاز الحاسوب.. تنهد بارتياح.. أحس بشوق يكتسحه.. تذكر معاده  الليلة مع حنان حيث أحس باشتياق لها أكثر.. تنهد، استرخى على سريره، كان يحلم بلقاء عذب، لقاء يحتاجه أكثر من أي وقت مضى.. فجأة اختلطت عليه هواجس متعددة؟.. فز من سريره إلى ركن اعتاد عليه في أوقات متقاربة منذ أن غادرت زوجته البيت، وقف أمامها: – أيعقل أن تكون أنت إبراهيم ؟ سأله صديقه وهو يطل عليه بكامل هيئته قبالته مباشرة –  نعم وهل ترى شخصا آخرا ماثل أمامك الآن ؟ فمن أكون إذا ؟ أجابه.. – لا، لم تعد إبراهيم الذي اعرفه ؟.. – كيف؟ هل أوضحت لي هذه الاسطوانة المشروخة؟ التي  تكررها على مسامعي مؤخرا.. – أنت تبكى بكثرة هذه الأيام!، كما انك تصرخ أحيانا: بأنك تريد الحياة؟..ماذا يعنى هذا ؟ لم تعد تفكر إلا بنفسك !، نسيت الثورة والوطن والواجب المقدس..؟ – لا ، كيف تتهمني بهذا، اللعنة ساترك صياغة بيانات الثورة لغيري.. إلى من هم يمتلكون مفاهيم جديدة، وكلمات لم تعد مهترئة.. فالوطن في القلب، لم يخرج منه ولن يفارقه.. –  والبارودة  يا  إبراهيم ؟.. – موجودة  لن يمسها احد، إنها عرضي وشرفي وأحد فلذات كبدي عليك اللعنة، إنها في الحفظ والصون ،إنها أمانة للأجيال حتى النصر والتحرير، هي  في أحسن حالها وجاهزة ليوم موعود !.. – يسخر منه بابتسامة تُخفى عذابات الحاضر والواقع ؟!..- اللعنة عليك ما أغلظك اليوم من صديق، ألا يكفيني ما مر بى اليوم؟.. – يبدو انك لا تحتمل نقدا اليوم، اذهب الآن فأنت بحاجة إلى نوم لتريح عقلك وأعصابك، وبعدها لنا حديث آخر…

 

 يتجه إبراهيم إلى سريره من جديد.. يحس بإرهاق ونعاس.. فانكب على وجهه، وأغمض عينيه وذهب في نومه المعتاد.. مرت أكثر من ساعة.. وإذ بأم سعد تهرع إليه، تحاول أن توقظه مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم !.. يحاول أن يفتح عينيه بصعوبة، بينما كانت شفاهه تردد حنان.. حنان .. احتاجك يا حناني.. عندما اطمأنت عليه أم سعد بأنه قد استيقظ كانت لا تزال تضرب كفيها : لا حول ولا قوة إلا بالله..  الله يجبر خاطرك يا ولدى ويصبرك، ويفرج عليك كربتك ووحدتك، ويحقق لك كل ما تتمناه .. لكنها قبل أن تغادره سألته : يا ولدى من تكون حنان هذه التي كنت تهذى باسمها بصوت عال، أخافني وأرعبني عليك ؟..- لا، لا شيء كان كابوسا لا أكثر.. حاول إخفاء الأمر عليها لكنه لم يستطع، فإحساسه وشعوره بالسعادة الداخلية التي غمرته..كانت تسبق إجابته التي كتمها في صدره.. فارتسمت على وجهه ابتسامة أمل وتفاؤل، كادت أن تفضح سره .. نظرت إليه أم سعد غير مقتنعة بما قاله.. وهمت بالانصراف وهى تتمتم : ربنا يسعدك، ويهدأ من روعك يا ولدى..  فأنت بحاجة إلى رعاية وحنان !!…

 

يتبع..

 

إلى اللقاء.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.