إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تركيا : الى أين ؟!

 

 
تركيا : الى أين ؟!
بقلم : مأمون شحادة
مختص بالدراسات الاقليمية
الخضر – بيت لحم – فلسطين
ما ان اصدرت المحكمة الدستورية التركية قرارها بحظر حزب المجتمع الديمقراطي الكردي، حتى اخذ الشارع الكردي بالغليان معلناً حالة فريدة من نوعها يخوضها ضمن اطار الهبة الجماهيرية، وان كانت تحمل في اثنائها اموراً عدة يجب التطلع اليها من زاوية احتدام التجاذب والتنافر سياسياً ما بين السياسة التركية الداخلية من جهة وغليان الشارع الكردي من جهة اخرى، الامر الذي يضع سؤالاً ما بين قوسين حاملاً معه علامات التعجب، ما الذي يحدث؟
ان تلك الاحداث تحمل في جعبتها احتداماً للتجاذب والتنافر ما بين التيار العلماني والاسلامي على الساحة التركية، الذي تمثل في اشعال شرارة التنافر بين الجانبين باعلان حظر حزب المجتمع الديمقراطي الكردي من قبل المحكمة الدستورية التركية في اشارة "غير مباشرة" الى وضع العراقيل امام حزب العدالة و التنمية لافشال الحلول السلمية الاردوغانية تجاه القضية الكردية على اعتبار ان ما يقوم به اردوغان سيؤول الى تقسيم الارض التركية .
ان تلك الاحداث وما آلت اليه من هبة جماهيرية كردية انما يعني نقل الملف الكردي من حالة السلم واللاسلم الى حالة " تفاوضية " تؤدي الى صياغة اتفاقية سلمية داخلية، حيث ان تلك الهبة تعني في جوهرها نقل المعركة الكردية من وضعية العمل المسلح ممثلاً بحزب العمال الكردستاني الى وضعية العمل الشعبي بمفهوم الهبة الجماهيرية( الانتفاضة) ليتبين ان هناك تحولاً استراتيجياً كردياً نحو مفهوم جيوسياسي ضمن مفهوم الارض التركية، وهذا ما اكده رئيس الحزب( احمد ترك) داعياً الى تصعيد التظاهرات ضد هذا القرار، ما يعني ان تلك الهبة ليست مجرد ايام معدودة وانما طويلة الامد ضمن مفهومها الشعبي والمرتكزة على قاعدة الاجماع الكردي، حيث لم تعد محصورة في زاوية تحركات حزب العمال الكردستاني وقد حان الوقت لاعادة صياغة المعادلة الكردية ضمن الاطار التركي، كل ذلك سيؤدي الى تعاطف اقليمي ودولي مع هذا التحرك الشعبي الكردي .
هذا ينقلنا الى المربع السياسي الذي اشار الى ان ما قامت به المحكمة الدستورية التركية انما يمثل احراجاً لحزب العدالة و التنمية على اعتبار انه يشكل فشلاً ذريعاً له، ولكن هناك "ترويكا ثلاثية"  يجب الانتباه اليها، وهي الحالة الاقتصادية، والحالة السياسية، و معادلة الاندماج الاوروبي ضمن معادلة المستقبل التركي، فلو بحثنا في حيثياتها لوجدنا ان حزب العدالة و التنمية سيخرج سالماً من هذه الازمة و سيجني الثمار من وراء الهبة الكردية، ذلك لانها جعلت من اوراق اردوغان قوية ضمن المبادرة السلمية التي اطلقها، وهذا ما اكدته رئيسة القائمة الكردستانية سوزان شهاب" نأمل ان لا يؤثر هذا القرار على خطوات الحكومة التركية باتجاه الانفتاح على القضية التركية"، ما يعني ان لدى الاكراد اجماعاً على خطة اردوغان، الامر الذي يتطلب ايجاد حل فوري للملف الكردي .
ان تلك الترويكا الثلاثية حساسة للشارع التركي وتمثل ركائز اساسية يجب المحافظة عليها ، حيث تبين ذلك سابقاً في عام 1997 حينما لاحظ العلمانيون الممثلون بمؤسسة الجيش ان النخبة التركية لا ترى في سياسة حظر الاحزاب " حلاً " لحماية تركيا، بل ترى فيه تهديداً للديمقراطية، حيث تحرك اتحاد الصناعيين ورجال الاعمال ونادوا بالحلول الديمقراطية السلمية، بذلك اصبح المستقبل التركي محكوماً بعوامل داخلية وخارجية، داخلية: بتدخل قوى الاقتصاد التركية المنادين بالحلول الديمقراطية السلمية، وخارجية: لان التيار العلماني يتطلع لسياسة خارجية واحدة لدخول الاتحاد الاوروبي .
امام تلك التحديات يقف الشارع التركي متسائلاً: ما هو مستقبل تركيا سياسياً واقتصادياً و اوروبياً وسط الهبة الكردية التي تمثل 20% من سكان تركيا؟، حتماً ان الجواب واضح وهو خسارة لتركيا في كافة المجالات، وتدهور للعلاقات مع الاتحاد الاوروبي، واضعاف للجهود التركية في منطقة الشرق الاوسط، ولكن هناك سؤال اخر، من هو المسؤول عن تلك الاشكاليات؟ الجواب واضح، وهي المحكمة الدستورية التركية التي تتبنى سياسة اقصائية تجاه الاحزاب، رافضة بذلك اجراء اصلاحات للحالة الدستورية التركية وخصوصاً تعديل قانون الاحزاب، وهذا ما تعرض اليه حزب الرفاه بقيادة اربكان عام 1997 .
هنا سيقف الشارع التركي مرة اخرى وقفة جدية مع نفسه وسط هذه الاشكاليات، ما الحل؟ وما السبيل لاخراج تركيا من ورطتها الحالية؟، هنا سوف يتسلح اردوغان باسلحته السياسية المنادية الى ايجاد حل للمشكلة الكردية في اشارة منه الى ان الازمة الاخيرة تتحملها المحكمة الدستورية التركية ، الامر الذي يؤدي الى ضرب عصفورين بحجر واحد وفق مطلب اوروبي كشرط لدخول الاتحاد الاوروبي في اشارة الى حل الملف الكردي واعادة صياغة قانون الاحزاب في تركيا بما يتفق مع مسار الاتحاد الاوروبي .
ان تلك الازمة لن تمر هكذا، انما ستؤدي الى المناداة للاصلاح الدستوري في البلاد، لان الازمة الاخيرة وضعت تركيا امام هبات سياسية واقتصادية صعبة ستؤثر على الوضع السياسي والاقتصادي، الامر الذي يتطلب تحركاً لايجاد حل جذري للمشكلة التركية الداخلية، ولكن هل ستشكل تلك التحركات مسماراً يدق في نعش المحكمة الدستورية  ؟
 
 
 
 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد