إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الفولاذ شرق مصر

 

 

 

هل تكره الحكومة المصرية شعب فلسطين أم تخاف منه؟ أي إجابة لن يصدقها العقل بما في ذلك إنها تحرص علينا.

فلم يكن شعب فلسطين يأجوج ومأجوج كي يخشاه  حاكم مصر وينفخ الحديد والفولاذ عليه, وقد نوافقه في سجننا لو أن المصري الأول بنى أبو الهول وهو ينظر إلى الغرب كارهاً شرقه, وسنعذره لو أن أخناتون لم يصلي للشمس التي تُشرق عليه من سماء فلسطين.

ولكن لا التاريخ المصري القديم ولا الديانة المصرية الأولى برغم وثنيتها رأت أن فلسطين تهب الموت بدلاً من إله الشمس (رع). فقط نعلم أنه كلما أندس عدو بين شقيقين سيبنى جدار (في بغداد وحدها 18 جداراً).

مع بداية الثمانينيات وعندما بدأت إتفاقية (كام ديفيد) تعطي أُكلها أصدر الأديب المصري "بهاء طاهر" روايته الواقعية (شرق النخيل), وحاول من خلالها  قراءة المستقبل عبر ماضٍ مهزوم, ففي الرواية يكبر الفتى بطل الرواية في حياة ملئها الفشل الجامعي والأخلاقي محاولاً طرد صورة أبيه "الجبان" من حياته وفكره.. حيث بنية طفولته المبكرة في ظل معاهدة الصلح التي وقعها إبوه مع قاتل عمه, فلم يكتفي الأب بمسالمة قاتل أخيه, ولكنه تنازل مع السلام عن أرض جده التي قُتل العم فداءاً لها.. فكانت المصيبة مضاعفة (دم وأرض), والذي بقي من إرث العائلة فقط الدم المهدور وذكريات أرض مسروقة, بالإضافة إلى والد الفتى "المسالم" .. أبٌ ذليل يريد أن يحيا حياته كما الحياة تريده.. لا كما هو يريدها ان تكون, أبٌ خانع في نظر إبنه الذي يؤمن بأن الآف الأبطال لن يستطيعوا محو الجينات المستلسلمة التي قد يورثها لنسله, والفتى المتمرد الذي أحب عمه القتيل وآمن بقضية أرض أجداده التي بيعت فداءاً (للستر) وليت العار يستر العاري, فيحاول الفتي دون علم أبيه النفاذ إلى (شرق النخيل) خلسة, وكان يستطيع, ولكن (زن) الأب مُدعي الحكمة كان له بالمرصاد .. يخيفه بإطلاق الشائعات بأن الأشباح المخيفة والكلاب المستأسدة التي تحيا شرق النخيل  تفتك بكل زائر  .. دون أن يوضح له كيف أن الأشباح لا تؤذي إلا أصحاب الأرض فقط, فييأس الفتي أخيراً ويسافر إلى المدينة, ولكن ضوضاء الحضارة والمدنية لم تقدر على تدجينه فيما هو لم يستطع الفكاك من موروث الطفولة المؤلم, فترى الفتى عائماً بين ماضي يكرهه ويراه ذلاً, وبين واقع لم يدخله قوياً كي يقدر على معايشته, فكان الفشل الجامعي قدراً والمخدرات هي المنقذ, ويتراكم عليه الفشل إلا ان يمر بمظاهرة طلابية تهتف لفلسطين.. فعاد وعيه إلى ذاته بعدما تذكرطريق أفضل للرفض غير التقوقع وجلد الحاضر بأوزار الماضي, لينتهي السرد الروائي مع هتاف الفتى الذي على صوته, وصرخ بكل الكلام الصامت الذي كتمه منذ سنين: "إصحي يا مصر", يقولها كأنه يهتف لنفسه, فقضيه مع بلده كانت وحدة.

تغنينا رواية (شرق النخيل) عن مئات التحليلات المتلفزة, التي تحاول فك التشابك الإجتماعي والثقافي المكونين لوعي المواطن العربي الساكن وراء كراسي ضخمة من الخوف والتنازل, حيث بدى بأن الوعي والثقة لم ولن تعود إلى المواطن -الفتى-الذي يشق طريقه في الحياة إلا عبر الرجوع إلى شمولية المشكلة, فالإنتماء للقضايا الكبرى سيغسل عار الذنوب الصغرى, ويمكن تطبيق هذه النظرية على الأحزاب المصرية الحالية.. وكيف أنها تتخذ من القضايا الكبرى (قومية وإسلامية) قاعدة لأصلاح الفساد الداخلي, فالقضية أيضاً واحدة, فيما ان الجرح "الحكومي" والصُلح الغير عادل يولد عاراً مورثاً  لأبناء مصر, ويبنى عليه بمحاولة فصل المواطن عن أساس مشكلته الأولى التي تعاقد الأسلاف على بيعها (فلسطين), فأثرت سلباً في إرث وثقافة المواطن العربي ككل؛ نقص في النمو وتخلف ثقافي تشترك كل الأكتاف المحنية في حمله, ناهيك عن شذوذ الوعي وفقد الثقة, والحكومات ضلت السبيل, تارة بوهم القوة لدى العدو, والآن ببناء الحواجز الفولاذية بدلاً من مد الجسور وحفر الأنفاق..

         يطمئنني أخي المصري بأن أبو الهول ما يزال ينظر إلى الشرق

فأُجيبه: لا أشباح ولا جداران فولاذية تستطيع أن تحجب مليون كم2 من التاريخ والأخوة بين أملنا وخلاصكم.

 

 

عنان العجاوي

صحفي فلسطيني

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد