الطوائف الدينية وجدلية الولاء الوطني (1)

0

 

الطوائف الدينية وجدلية الولاء الوطني (1)
رائد قاسم
     في جميع أنحاء العالم ومنذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا تبرز على السطح في أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو دينية معضلة الولاء الوطني للأقليات المذهبية والطائفية ، خاصة عندما تنشا الأزمات نتيجة إخفاق الدولة الوطنية في رعاية مواطنيها وأداء واجباتها نحوهم ، حيث تظهر بوضوح الو لاءات المذهبية والعرقية والقبلية والطائفية فيما يتضاءل الولاء للوطن كردة فعل عكسية على هذا الإخفاق، ولعل ما تعانيه الكثير من دول العالم الثالث وفي مقدمتها الدول العربية دليل واضح على ذلك ، في الغرب ثمة نزعات انفصالية ذات جذور عرقية ودينية وطائفية كما في الولايات المتحدة ، حيث رصدت جماعات سياسية داعية للانفصال في أكثر من 10 ولايات على الأقل ، ونقلت بعض الصحف الأمريكية إن ريك بيري حاكم تكساس قال في محفل عام بأنه يؤيد انفصال تكساس عن الدولة الأمريكية ، ومن ابرز الشخصيات السياسية الأمريكية المؤيدة لإنهاء الاتحاد الأمريكي " توماس نايلور " وهو بروفسور سابق في الاقتصاد وحاليا زعيم لجماعة تسمى " الحركة من اجل جمهورية فرمونت الثانية ، وقد صرح لإحدى وكالات الأنباء مؤخرا  ‘إن الدولة الفدرالية فقدت سلطتها المعنوية وحكومتنا تخضع لأوامر وول ستريت’.
   وفي بريطانيا ينشط الجيش الجمهوري الايرلندي، وهو منظمة شبه عسكرية يسعى لتحرير ايرلندا الشمالية من الحكم البريطاني وإعادة توحيدها مع جمهورية ايرلندا، وتنقسم الاتجاهات السياسية والدينية في ايرلندا الشمالية ما بين طائفة الرومان الكاثوليك ( أقلية) المطالبين بالانفصال عن بريطانيا وطائفة الايرلنديين البروتستانت ( أكثرية) المواليين للتاج البريطاني ، وفي اسبانيا تبرز منظمة ايتا التي تسعى إلى انفصال إقليم الباسك عن الدولة الاسبانية ، ويتحدث سكان الإقليم بلغة خاصة وتمتد حدوده التاريخية إلى أجزاء من فرنسا ، ويعاني سكانه تمييزا من قبل الحكومات الاسبانية المتعاقبة مما أذى إلى نشوء المنظمات الانفصالية واضطراب سياسي وامني دائم في الإقليم . 
     إن النزعات الانفصالية والولاءات المذهبية والقومية المتضادة مع الولاء الوطني تشبه كثيرا الفيروسات التي تعيش في جسم الإنسان بشكل طبيعي، ولكن عندما تضعف مناعة الجسم لأي سبب فان هذه الفيروسات تتمكن من إلحاق الأذى بالجسد ! فالنزعات الانفصالية ذات الأيدلوجيات الدينية والفلسفية المتطرفة والموغلة في تضخيم الذات موجودة في الولايات المتحدة وهي أقوى دولة في العالم ، إلا أنها تيارات ضعيفة ولا تحض بأي تأييد شعبي حقيقي، وليس لها وزن سياسي، وذلك لكون الدولة الأمريكية قوية بحيث أنها ما تزال عصبة لكافة مواطنيها ، ولكن ما أن تضعف الدولة كمؤسسة عن أداء مهامها ويشيع فيها الفساد والاحتكار فان شرائح الشعب وفئاته المختلفة تبحث لا إراديا عن عصب جديدة وانتماءات أخرى تشبع فيها حاجتها وتحقيق مطالبها ويأتمن بها أفرادها ومنسوبيها على أنفسهم ومستقبلهم .
  إن الحركات الانفصالية تنشا عادة بشكل غير طبيعي ، إنها أشبه بنشأة الفيروسات والبكتيريا  ! فعندما تفشل الدول في أداء مهامها وتخور قوتها المجسدة للصحة العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا تبدأ الحركات المعارضة في نخر جسد الدولة وتدميرها ، وهي التي يمكن تشبيهها بالأمراض المختلفة التي يتعرض لها الجسد الإنساني الذي يعاني من ضعف في بنيته وجهاز مناعته ، لتعيث الأمراض بفيروساتها فيه حتى تدمره تماما .
     في العالم العربي تتشعب أزمة الولاء الوطني لتتداخل عوامل سياسية وثقافية وانتربلوجية ساهمت في تكوين المذاهب الدينية ، ويمكن القول إن المذاهب والفرق والتيارات الدينية تكونت في ظروف غير طبيعية ، حيث إنها نشأت في ظل صراعات سياسية اتصفت بالدموية ، كما أنها ظهرت في ظل متغيرات ومنعطفات معرفية وثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية بالغة التعقيد ، مما ساهم في جعل مفهوم الانتماء الوطني مشوها ومعقدا ومركبا بل وغير حاضر في الوعي الجمعي والمسار التاريخي للمجتمعات العربية ، وفي معرض تجاوزنا لتاريخ نشأة المذاهب الدينية التي انقرض معظمها وبقي منها طائفتي السنة والشيعة بفرقهما المتعددة فانه يمكن القول إن الوعي الديني والمعرفة الدينية التي أنتجت الثقافة الدينية المعاصرة لا تعترف بمفهوم الولاء الوطني، خاصة وانه مفهوم حديث وعصري ، نشا مع ظهور الدولة القومية في القرن العشرين على وجه التحديد ، فقد كانت حركة الوعي ومسار تطور الثقافة الدينية محصورا في مفهوم الأمة الواحدة المبنية على أساس الانتماء الديني ، فالفكر الديني الشيعي والسني لا يعتبر الولاء الوطني جزء من أسسه الفقهية والعقائدية وثقافته العامة ، وإنما الوطن هو جزء من الأمة ، فعند الشيعة يعتبر الوطن هو جزء من الأمة الإسلامية التي يقودها الحاكم الشرعي وهو الفقيه الذي يعيش في المراكز الدينية الشيعية ، أما الدولة الوطنية التي تحكم هذا الجزء أو ذاك فهي حالة طارئة اوجد لها الفقهاء الشيعة مجموعة من القواعد والأحكام التي تسهل التعامل معها بما لا يتعارض مع قاعدة الولاء للأمة وحكامها الشرعيين ، ولا يختلف الأمر عند السنة أيضا، فالوطن هو جزء من الأمة ، ووضعوا كذلك قواعد للتعامل مع الحكومات المحلية ولكنها أكثر مرونة وحداثة من الشيعة ، فالشيعة لا يعتقدون بشرعية أية حكومة إلا حكومة الإمام المعصوم ، وقد حدث تطور لافت في الفكر السياسي الشيعي فقال بعض الفقهاء بشرعية الحكومة إن قادها احد الفقهاء أو فوضها لحاكم عادل ، أما السنة فأنهم اقروا بشرعية السلطة جزئيا إذا ما انطبقت عليه مجموعة من الشروط التي يفرضها مقتضى الحال ، ولكنها في كل الأحوال لم تكن إقرار بالشرعية المطلقة  للحكومات القطرية ، وفي حقيقة الأمر كان تساهل فقهاء السنة مع حكومات زمانهم بناء على كونها معتنقة للمذاهب السنية بقدر ما كان علماء الشيعة يتعاملون بايجابية مع الحكومات التي تعتنق المذهب الشيعي ، وفي كلا الحالتين لم يكن هذا التساهل والتعامل الايجابي يعني منح الشرعية الكاملة والاعتراف التام تبعا لذلك بالحكم المحلي الذي يتعارض مع الانتماء الاممي ، لذلك وعلى مر التاريخ الإسلامي كانت الحالة الوطنية جزء لا يتجزأ من الحالة الأممية التي كانت تجسدها دولة الخلافة ، وقد سعى تبعا لذلك معظم القادة السياسيين كنور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ويوسف بن يقظين وغيرهم إلى الحكم باسم الخليفة العباسي حتى يحصلوا على الشرعية اللازمة لحكمهم الذي لم يكن ليحض بأي شرعية دون ارتباطه الاسمي بسلطة الخلافة ، التي تعبر في الوعي الديني عن وحدة الأمة وروح الانتماء للوطن الإسلامي الكبير الذي يعتبر الحكم المحلي والوطن القطري جزء منه ليس إلا ، وحتى الدولة الأموية في الأندلس والتي كانت مستقلة عن سلطة الخلافة العباسية لم تستطع إيجاد مخرج سياسي وديني لما يمكن أن نطلق عليه " أزمة الولاء الوطني" إلا من خلال تحويل الإمارة إلى خلافة حتى يتمكن الحاكم الأموي من الحصول على شرعية لحكمه وتأصيل مفهوم الولاء والانتماء للدولة الأموية والوطن الأندلسي الذي تحكمه ، وكذلك تكررت الإشكالية العميقة في عصر ملوك الطوائف ، مما سهل على دولة المرابطين إنهاء الدويلات التي قامت على أنقاض الدولة الأموية الأندلسية ، فقد شرعت دولة المرابطين بغزو بلاد الأندلس باعتبارها جزء من بلا المسلمين وإنها يجب أن تكون تحت حكم سلطة تحض بالشرعية ، بينما حكم ملوك الطوائف باطل لفسادهم وتفرقهم وخروجهم على مقاصد الشريعة وعدم حفظهم للبلاد والعباد ، وقد اقر بعدم شرعية سلطاتهم عدد غير قليل من فقهاء المغرب والأندلس ، بينما ترتبط دولة المرابطين بوشائج قوية مع دولة الخلافة وتنطلق من مبادئ دينية راسخة . 
  وتكررت إشكالية الولاء الوطني في عصر دولة الموحدين التي قامت على انقضاء دولة المرابطين فكان حكامها خلفاء أيضا لسد هذه الثغرة الخطيرة ، ولم يجد الحكم العثماني بدا من البحث في الفقه الإسلامي عن مخرج لازمة شرعية سلطته في البلاد العربية ليسد إشكالية الولاء للدولة العثمانية ، فوجد العثمانيون ضالتهم عند الإمام أبي حنيفة، الذي كان يرى شرعية الخلافة في غير العرب، فاتخذوا من الفقه الحنفي مذهبا رسميا لدولتهم وأقاموا لأبي حنيفة النعمان ضريحا كبيرا في بغداد ، فتجاوز العثمانيون مفهوم الوطن كغيرهم واتخذوا من الولاء للأمة منطلقا لبناء دولتهم .
    وعند قراءة تاريخ الدولة الصفوية الشيعية نجد أن الشاه إسماعيل ألصفوي اقر بالاعتراف بولاية الفقيه ، التي كان رمزها في عصره المحقق الكركي ، الذي كان يقول بأنه نائب للإمام الغائب وانه بموجب نيابته منح الشاه إسماعيل صلاحيات إدارة شئون البلاد الواقعة تحت سلطته ، وهكذا وجد الحكم الصفوي شرعية لحكمه ، فالعلاقة ما بين الدولة الصفوية والشعوب التي حكمتها بنيت على أساس الولاء للأمة وليس الوطن ، والدولة الصفوية جزء من الأمة وولائها بني وفقا لقاعدة الولاء لسلطة قائد الأمة ( الإمام المعصوم) عبر ولاء نائبه ( الفقيه) الذي فوض الدولة الصفوية بإدارة جزء من هذه الأمة ، ونظام ولاية الفقيه في إيران الذي تأسس عام 1979م ليس سوى تطورا في إدارة الحكم في الدولة الصفوية ، حيث أصبح الفقيه متوليا للسلطة بصورة مباشرة من دون أي تفويض ، وأصبح الفقيه وأتباعه من رجال الدين متولين للمناصب والوظائف القيادية والإشرافية والإدارية في الدولة بشكل مباشر ، ويقوم نظام الحكم في إيران الإسلامية بذلك على قاعدة الولاء الاممي ، بناء على حاكمية الإمام المعصوم وتفويضه للسلطة بقدر بسط اليد لنائبه الولي الفقيه ، ليغيب في إيران تقريبا مفهوم الهوية الوطنية الإيرانية ، خاصة وان الشعب الإيراني مؤلفا من عدد من القوميات والأعراق والمذاهب ، وتسود إيران الأنظمة والتشريعات المعبرة عن الهوية الدينية الأممية بغلاف قومي فارسي متعالي ،
 وتعبر السياسات الخارجية لإيران الإسلامية بوضوح عن النزعة الأممية ، بل إن لقب رئيس الدولة الإيرانية ( بالمفهوم السياسي والتسلسل الإداري الحديث) ألا وهو " ولي أمر المسلمين " دليل واضح على ذلك ، ففي الثقافة الدينية الشيعية يعتبر الفقيه نائب عن الإمام المعصوم ، الذي هو إمام الأمة باجمعها ، والفقيه المبسوط اليد ليس سوى نائبه على بعض أجزائها، ولا تخفي العديد من التيارات الشيعية ارتباطها العقائدي العلني بسلطة الولي الفقهي باعتباره قائد الأمة وولي أمرها ونائب إمامها ، معتبرة الولاء الوطني جزء من الولاء للأمة التي يحكمها ويديرها بقدر بسط اليد الولي الفقيه ، ويتعامل أتباع هذه التيارات مع الأنظمة السياسية التي تدير أوطانها وفقا لتعاليم الفقهاء .
  وفي بدايات تأسيس الدولة السعودية الثالثة عارض قادة الجيش السعودي المعروفين بالإخوان إنهاء المعارك ودعوا الملك عبدالعزيز إلى الاستمرار في فتح البلدان العربية بناء على مفهوم الولاء للأمة وان مهمتهم تحريرها من الشرك والاستعمار ، بينما كان موقف الملك هو القبول بالمعادلات السياسية في المنطقة والانتقال لمرحلة بناء الدولة .  
                                               ****
      يمكن القول إن مفهوم الوطن غير موجود في الفكر الديني بشكل عام ، فجماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال تتجاوز أهدافها العليا حدود مصر كوطن ودولة وشعب ، فالإخوان المسلمين حزب أممي بامتياز  إذ انه يعتبر مصر ليس سوى جزء من الأمة ، وان الهدف الأعلى للجماعة تأسيس الدولة الإسلامية الكبرى ، وقد انتشر الفكر الاخواني في العديد من الأقطار العربية ، ويتفق الإخوان المسلمين في كافة أنحاء العالم العربي على   قاعدة الولاء الاممي والعمل من اجل إرساء قواعد الدولة الإسلامية الواحدة ، وما العمل في إطار الوطن القطري إلا بحكم الواقع الجيوسياسي وليس نابعا من فكر الجماعة وقناعاها الدينية الراسخة وأهدافها العليا .
  والقاعدة كذلك لا تنطلق في كفاحها المسلح من مبدأ الوطن القطري الواحد وتحارب القوى الغربية باسم الأمة وتنتشر تنظيماتها المسلحة وخلاياها النائمة في العديد من الأقطار العربية والغربية في ظل قيادة واحدة ، وحزب الله كذلك ليس سوى حزب أممي ، يؤمن بالأمة الواحد والقيادة الشرعية المطلقة للولي الفقيه، وينتشر حزب الله كتيار ديني في العديد من المناطق الشيعة في العراق والخليج ، ويتحرك حزب الله لبنان من خلال المساحة التي تتيحها له سلطة الولي الفقيه ، الذي يسمى في أدبيات الحزب بولي أمر المسلمين وفي تنظيره الفقهي بالحاكم الشرعي ، والإعلام الإيراني عندما يتحدث عن حزب الله يعرفه ب " حزب الله لبنان " في إشارة لأممية الحزب وتعبير واضح عن الفكر الديني الاممي لدى الشيعة بشكل عام وتجاهله التام لمفهوم الانتماء الوطني وواقع الدولة الوطنية .
                                                           ****
     لا شك أن الهوية الإنسانية المعاصرة بفعل عوامل المعرفة المتجددة والتاريخ المتراكم لا يمكن أن تكون كتلة مركزية واحدة ، لذلك يجب أن نقر بان الإنسان المعاصر يحمل هوية مركبة أو هوية مركزية واحدة وعدد من الهويات الفرعية إلى جانبها ، والشخصية الإنسانية متعددة الجوانب والأدوار ، فالإنسان الرجل على سبيل المثال أب لأبنائه ولكنه في نفس الوقت قد يكون ابن لوالديه، وقد يكون زوجا وفي نفس لوقت يكون أخا ، وكل دور من هذه الأدوار يتطلب منه تغيرا جزئيا في السلوك والممارسة الشخصية ومراعاة اعتبارات معينة يفرضها الواقع الأسري والاجتماعي ، والهوية الوطنية وان كانت من المفترض أن تكون الهوية المركزية إلا انه لا يمكن اعتبارها الهوية المطلقة ، ولكنها يجب أن تكون الهوية المركزية الجامعة ، فالوطن الذي تديره دولة ما ومعترف به إقليما ودوليا هو المعترك الذي يتحرك فيه الإنسان ويعرف به أمام الآخرين ،ويتعامل معهم من خلاله ، إن الوطن هو الأرض الذي أمر الله الإنسان بأعمارها في كتبه السماوية ، وهو الهوية التي تتجاوز وتطغى على الهويات الروحية والقبلية والعرقية وتجمعها في بوتقة واحدة وتصهر أتباعها في منظومة واحدة مع المحافظة على الانتماءات الفرعية ، لذلك فان التعامل بالهوية الطائفية يعتبر دون شك متناقضا مع الهوية الوطنية ، بل تشكل الطائفية خطرا مباشرا على الانتماء الوطني ، ومعظم الدول التي تفككت انهارت بناء على هوياتها الفرعية كالدين والطائفة ، كيوغسلافيا مثلا التي انقسمت إلى عدد من الدول بناء على انتماءات شعوبها العرقية والدينية ، وكان آخر دولة تشكلت نتيجة للصراعات المذهبية والطائفية إقليم كوسوفو ، الذي تحول إلى دولة مستقلة بسبب اضطهاد الحكومة الصربية للأغلبية المسلمة في الإقليم ، ويعاني لبنان من طغيان الهوية الطائفية على الهوية الوطنية وتفوق سلطة الطائفة على سلطة الدولة ، ويعاني اليمن كذلك من خطر انتصار الميلشيات المذهبية في الشمال والجنوب على الجيش النظامي وانهيار سلطة الدولة المركزية في صنعاء ، وكذلك العراق والسودان يعانيان من أخطار مماثلة ، فالهوية الطائفية خطر محدقا بالهوية الوطنية إذا ما تحولت إلى أصل لا فرع وكل لا جزء .
    وعلاوة على كون الهوية المذهبية متناقضة ومتعارضة مع الهوية الوطنية فان ضعف الأسس والقواعد التي تبنى عليها الدولة الوطنية يساهم بشكل أساسي في ضعف الهوية الوطنية والولاء الوطني وطغيان المشاعر الطائفية والمذهبية التي تتحول شيئا فشيئا إلى المكون الرئيسي والواجهة الفعلية لشخصية الفرد والمجتمع .
ولعل من أهم مظاهر ضعف الدولة الوطنية هو  اقتصار إدارتها على طبقة أو شريحة أو فئة معينة وحرمان الفئات والانتماءات الأخرى من المشاركة فيها ، بل وممارسة سياسات التمييز والقمع ضدها على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية أو قبلية ،  مما يفقد الانتماء والولاء الوطني أي معنى أو قيمة حقيقية ويحصر الولاء  الفعلي
للانتماءات الطائفية والمذهبية والعراقية والقبلية ، وكلما زادت سياسات التمييز والاضطهاد زاد التمسك أكثر بالهويات الفرعية حتى يحدث الانفجار الشامل المتمثل في السعي المباشر والصريح لإنشاء كيان محلي خاص بهذا المكون أو ذاك الانتماء ، وهذا ما تعاني منه العديد من دول العالم الثالث ومن ضمنها بعض الدول العربية كالعراق ولبنان واليمن والسودان ، ففي العراق وتركيا وإيران وسوريا مثلا عبر الكثير من السياسيين والمفكرين الأكراد عن رغبتهم في إنشاء الدولة الكردية المستقلة في المناطق الكردية في هذه البلدان   ، وكل ذلك بسبب فشل حكومات هذه الدول في إنهاء التمييز وسياسات القمع والاضطهاد التي تمارسها ضد المواطنين الأكراد مما افقدهم الإحساس بهوياتهم الوطنية وولاء أوطانهم ، الأمر الذي اوجد مفاهيم سياسية قائمة على الطموح القومي نحو إيجاد وطن مستقل للأكراد يستقطع من أراضي هذه الدول ، وقد خاض الأكراد في العراق وتركيا وإيران الكفاح المسلح من اجل الحصول على حقوقهم ، ولو كان المناخ الدولي مؤاتيا لطالبوا بتحقيق حلمهم الأيدلوجي الكبير المتمثل في قيام الدولة الكردية الكبرى في المنطقة ، ويلاحظ العديد من المراقبين إن العديد من المفكرين والسياسيين الأكراد تجاوزا بشكل واضح وصريح الحالة الوطنية في كل من بلدانهم الأربعة ( العراق وإيران وسوريا وتركيا) كدلالة على عدم اعترافهم بها في الأصل ، وعبروا الحدود الدولية وطرحوا القضية الكردية على مستوى المنطقة بشكل عام بغض النظر عن الأنظمة والدول والأوطان المعترف بها دوليا ، وهذا ما ينطبق على النزعات المذهبية والطائفية في العالم العربي بشكل عام ، ويمكن ضرب مثلا بالقاعدة والنفوذ الإيراني ، فالقاعدة بايدلويجتها المعادية للفكر الوطني والداعية إلى إقامة الأمة الواحدة تنشط في الدول التي تعاني من خلل في أداء وظائفها تجاه شعبها وتنخفض بشكل ملحوظ في الدول التي تؤدي مهماها بكفاءة بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي فيها ، فالقاعدة وجودها ضعيف في تونس والإمارات مثلا ولكنها تنشط في أفغانستان والعراق واليمن ، والنفوذ الإيراني ذو الأبعاد المذهبية والعقائدية المتضادة مع الانتماء الوطني والمتعارض مع سلطة الدول الوطنية ، ينشط بشدة في العراق ولبنان واليمن مثلا ، أما الشيعة المواطنين في بعض الدول العربية ومعظم الدول الأجنبية فأنهم اقل عرضة للنفوذ الإيراني المبني على الولاء الاممي بناء على المعطيات العقائدية في المذهب الشيعي، وذلك بسبب كون الدولة قوية ومقتدرة وتؤدي واجباتها بكل كفاءة واقتدار ، حتى لو كانت التركيبة الدينية والعقائدية للشيعة أو السنة أو غيرهم من الطوائف لا تحمل بعد وطنيا ، ولكن بسبب استيعابية النظام السياسي والحقوقي والاجتماعي لها فان أتباع الطوائف يؤدون واجباتهم تجاه الدولة بحكم سلطة القانون ومتطلبات الواقع ، لتكون الحالة الوطنية مهيمنة على واقع الانتماءات المذهبية والطائفية ، ويستمر الولاء الوطني قويا ومستحكما ما دامت الدولة تقوم بواجباتها تجاه شعبها من دون تمييز ، وفي حال ضعفها وإخلالها بواجباتها تبدأ الانتماءات المذهبية والطائفية بالطغيان على الحالة الوطنية وتنشا الإشكاليات بالبروز والتوسع حتى تصل إلى حدوث القلائل والاضطرابات السياسية والطائفية والمذهبية  والقبلية والغياب شبه التام لمفهوم الانتماء للوطن والدولة الوطنية .
    إن الولاء الديني ببعده المذهبي والطائفي متعارض بشكل تام وعكسي مع الولاء الوطني ، لان الولاء الديني ينطلق من إيمان جماعة ما أو شعب ما أو امة بدين ما ، وفي خارج إطار هذا الانتماء يستبعد كل فرد أو جماعة أخرى ، من ناحية أخرى فان الأديان منقسمة إلى مذاهب وفرق ولم يستطع الفكر الديني جمعها في إطار الأمة الدينية أو الهوية الدينية الموحدة ، فأصبحت كل فرقة دينية تعتبر نفسها الممثل الشرعي للدين وتستثنى وتجاهر بالعداء للمخالفين في داخل الإطار الدين نفسه ، علاوة على ما تحويه أحكامها وتعاليمها من هضم لحقوق الأديان والمذاهب الأخرى باعتبارها أديان ومذاهب باطلة ، فالانتماء الديني محدود بشكل عام ، على غرار الانتماءات القبلية والعرقية التي تقوم برعاية منتسبيها فقط ، كما إن الأديان تنشا عادة من احتياجات فئة معينة ومحدودة ، أما الأوطان فتنشا نتيجة لاحتياج شرائح متعددة قد تكون متعارض فيما بينها ايدلويجا وعرقيا ، فالانتماء الوطني من المفترض أن يكون انتماء جامع لكافة المكونات الاجتماعية بغض النظر عن هوياتها الفرعية ، وتحتكم لتعاليم وقوانين يحترمها الجميع ، والدول التي تنشا على أسس فئوية كالكثير من دول العالم الثالث تنشا فيها الصراعات المذهبية والطائفية ويتعالى في أوساطها النخبوية والشعبية الولاء المذهبي أو العرقي ، بل لا يمكن اعتبار هذه الدول أوطانا حقيقية لشعوبها ، بل يجب التفريق بطيعة الحال بين الدولة كمؤسسة والوطن كمنظومة متكاملة ، تعتبر الدولة إحدى أعمدتها وأركانها الرئيسية ، والخلط بين مفهوم الولاء للوطن والولاء للنظام السياسي ، الذي يدير الدولة ، التي تدير بدورها الوطن ، يعتبر إحدى إشكالية الوعي العميقة التي ما تزال تلقي بظلالها في دول العالم الثالث وتشكل إحدى المعضلات التي يجب حلها قبل الشروع في إنشاء قواعد وأسس لبناء الأوطان والدول القطرية .  
 
   
 
   
 
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.