إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تناقض الألغاز السرّية في مسألة إيران النووية

نبيل أبو جعفرنبيل أبو جعفر*

كان من المتوقّع بعد المماطلة في المفاوضات وسنوات من التهديد الغربي – الاسرائيلي لإيران، أن تكون الأمور قد وصلت إلى حدّ الصدام بعد إنسداد طريق التفاهم . فللمرة العشرين – ربّما – يُعلَن بتاريخ 26 تشرين الثاني الماضي على لسان التحالف الغربي ، ممثلاً بمجموعة السّت وهي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن مع ألمانيا ، عن توجّهه نحو اتخاذ قرار يُدين إيران على عدم حسم موقفها من حل إشكالها النووي، وطرح هذا القرار على اجتماع مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية الذي سيُعقد يومي الخميس والجمعة 3 و4 كانون الأول الجاري في مقرها بفييّنا. غير أن النتيجة التي تم التوصّل اليها–  كالمرات السابقة –لم تخرج عن إطارمطالبة إيران بالتعاون الكامل من أجل توضيح خلفية موقفها من القضايا المتعلقة بمشروعها النووي (فقط لا أكثر!).
هذا الخبر الذي أتحَفتنا به وكالات الأنباء نقلاً عن مجلس محافظي الوكالة ، جاء – كما هُوَ ملاحظ – بصيغة تُوحي كما لو أن هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها مطالبة إيران بذلك ، والتي يتَبيّن فيها أيضاً وجود قضايا عالقة أو متعلّقة بمشروعها النووي"؟" علماً بأن جديد المفاجآت وكذا التهديدات لم يتوقّف على المسرح الدولي – الإيراني منذ سنوات ، وقد كان أبرزها اكتشاف مفاعل "قم" قبل فترة وجيزة ، بعد عامين من العمل السرّي فيه ، وما تبع ذلك من تطوّرات وتحقيقات أفْضت في النهاية إلى تعليق الدكتور محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الموضوع بصيغة مثيرة للفت الإنتباه، حين إكتفى بالقول "إن ايران لم تُبلغنا في حينه أنها تبني هذه المنشأة"! وكلمة في حينه هنا توحي – على طريقة كلام مجلس المحافظين – إن إيران قد أَبلغت هيئة الطاقة بذلك بعد فترة من بدئها بعملية البناء، وهو ما لم يحصل!
 
الغرابة في "الإرتخاء" الغربي!
 
أما آخر هذه المفاجآت – حتى اللحظة – فقد عكستها نتيجة "ماراثون" الحوار الأميركي – الغربي – الإيراني ، والمفاوضات التي جرت بالإشتراك مع الوكالة الذرية حول إمكانية تخصيب اليورانيوم الضعيف من نسبة 5% إلى 20%، وقد بدا الإتفاق على ذلك قريب المنال، لولا رفض إيران في النهاية الإقتراح الذي تقدّمت به وكالة الطاقة الذرية رغم إيحائها أثناء التداول حوله باحتمال التوصل إلى صيغة معقولة ، الأمر الذي أعاد الأمور كلها إلى نقطة الصفر من جديد.
وبدلاً من تنفيذ التحالف الغربي تهديداته السابقة بفرض المزيد من العقوبات إذا لم تتعاون إيران، أو لم يتم التوصل إلى اتفاق حول هذه المسألة، أعلنت الولايات المتحدة ومعها مجموعة الحلفاء الغربيين يوم 18 تشرين الثاني أن "باب الحوار ما زال مفتوحاً مع إيران لحل هذا الإشكال"!
والغريب في صيغة هذا الإعلان السلمي أنه لم يأتِ فقط بعد موجة التهديدات التي ارتفعت وتيرتها بعد إعادة إنتخاب محمود أحمدي نجاد ، وأصبحت مثيرة للسخرية من كثرة تردادها ، بل أتى بعد موجة من التحذيرات التي وُجّهت للإدارة الأميركية وإلى شخص الرئيس أوباما ، من قبل بعض الصحف والشخصيات السياسية والعسكرية. نذكر من بينها التحذير الذي وجّهته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية إلى أوباما من مغبّة التباطؤ في القيام بعمل سريع لإيقاف المشروع النووي الإيراني ، مما يؤدي الى قيام الإسرائيليين بتدميره ، وتأكيدها على أنهم يستعدّون فعلاً لذلك ، وإن حَدَث هذا الأمر فإن عواقبه ستكون وخيمة على المنطقة ومشاريع السلام التي تحمل لواءها الولايات المتحدة.. كما قالت..!
وفي السياق نفسه ً، سبق لصحيفة لوس أنجيلوس تايمزأن حذرت من أنه إذا لم يتم تجاوب إيران مع الولايات المتحدة بالنسبة لوقف هذا المشروع، فإن الضربة الإسرائيلية قادمة قبل نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي! وهذا التوقّع أكّد عليه أكثر من مسؤول أميركي حالي وسابق، كان أبرزهم دقّة في كلامه وليم كوهين/ وزير الدفاع الأسبق في عهد الرئيس كلينتون بقوله "إن العد العكسي قد بدأ فعلاً، وأعتقد أن اسرائيل لن تبقى متفرّجة حتى تمتلك إيران القنبلة النووية".
 
تمتلك أم لا تمتلك: تلك هي المشكلة!
 
وتزداد الغرابة أكثر من ليونة الموقف الأميركي على الصعيد العملي أن تواتر التحذيرات والتعليقات حول خطورة إيران النووية قد جاء على خلفية إعتراف الولايات المتحدة في إطار اجتماع سابق لطاقم الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فييّنا بأن إيران لم تعد بعيدة عن إمتلاك السلاح النووي، وأنها ربما أصبحت تمتلك القدرة التكنولوجية على صناعته في حال نجاحها بتحويل اليورانيوم الضعيف إلى كامل التخصيب.
وممّا عزّزهذا الإعتراف تأكيد تقارير غربية سياسية وعسكرية في الوقت ذاته على أنه قد أصبح لدى الإيرانيين من المواد النووية ما يكفي لصنع قنبلتين أو ثلاث، وأنه إن لم يجر ردعهم سريعاً فقد باتوا على مقربة من إنتاج أول سلاح نووي في العام المقبل 2010.
في ضوء هذه الوقائع، ووسط استمرار حالة التسويف والمماطلة، وممارسة الخبث من قبل سائر الأطراف، ولا سيما الجانب الإيراني الذي أجاد لعبة تضييع الوقت في مسلسل الأخذ والردّ التفاوضي، كما أجاد كسبه في عملية تجهيز قدراته واستكمال احتياجاته، بدأ العالم يلمس استماتة النظام الإيراني في التمّسك بتفاصيل مشروعه النووي، إلى أن فاجأه تأكيد نجّاد في حوار تلفزيوني بُثّ يوم الثلاثاء الأول من كانون الأول الحالي ـ أي قبل يومين من عقد الإجتماع التهديدي لمجلس محافظي الوكالة في فيينا ـ  بإعلانه عن عزم إيران على بناء عشرة مفاعلات نووية جديدة لتخصيب اليورانيوم، ثم ردّه على سؤال وُجّه إليه: " هذا الموضوع لا مجال للخداع فيه… إننا سننفّذ ما نقوله" .
 
سرّ التهديد والتجاوب معه!
 
وحتى أثناء إجتماع مجلس الوكالة لإصدار قرار بتشديد العقوبات، تعمّد سفير إيران في الوكالة الدولية علي أصغر سلطانية الإدلاء بتصريح لصحيفة "سودويتشه تسايتونغ" الألمانية قال فيه أن مشروع هذا القرار سيُعرّض الأجواء البناءة السائدة للخطر، وسوف تترتب عليه عواقب وخيمة. ثم هدّد وكالة الطاقة بتقليص مستوى تعاون بلاده معها إلى الحدّ الأدنى الذي يلزمها قانوناً، إذا ما قامت بإصدار هذا القرار.
في اليوم التالي، ظهرت آثار هذا التصريح – كما سمعنا وقرأنا – باكتفاء مجلس محافظي الوكالة بإصدار "مناشدة" يطالب فيها إيران بالتعاون الكامل من أجل توضيح "موقفها النووي".. الخ ، كما اكتفى البرادعي بإبداء خيبة أمله من المماطلة الإيرانية في حسم هذا الموضوع!
المحيّر في هذه المفاجآت التي تخفي وراءها ألغازاً ، أنه رغم العناد والتصلب الإيرانيّين، ورغم التصميم المغالي بالتشدّد على تطوير طهران لقدراتها، وإعلانها العزم على قيامها بتخصيب اليورانيوم وبناء عشرة مفاعلات جديدة، الى جانب اعتراف الأميركان وتقارير الخبراء الغربيين باحتمال إمتلاكها القدرة التكنولوجية وحتى امتلاك النووي (وربما) القنبلة أيضاً ، فإن موقف الغرب المهدّد كلامياً منذ أكثر من عشرين سنة ما زال على حاله، يكرر نفسه، وما زالت معظم وسائل إعلامه تتعامل مع هذه القضية بأسلوب التصعيد حيناً والتهدئة حيناً آخر، خصوصاً عندما تشتدّ الأزمة وتصل إلى نقطة حرجة !
 
عندما تناقض الصحف الكبرى نفسها
 
ففي يوم الخميس 3 كانون الأول الجاري، أي يوم انعقاد مجلس محافظي الوكالة الذرية، فاجأتنا صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" بمانشيت رئيسي في صفحتها الأولى على صيغة سؤال يقول: "هل تستطيع إيران انتاج الوقود لمشروعها النووي؟"، وقد تضمّن عددها عدّة تغطيات حول نفس الموضوع شككت فيها بقدرة إيران النووية من الأساس، واستخفّت بما أعلنه أحمدي نجاد، واستشهدت بآراء لعدد من الخبراء والباحثين ركّزت كلها على عدم حيازة إيران للقدرة الصناعية أو الفنيّة على تطوير مشروعها النووي الذي تتحدث عنه وتتمسّك به.
فكان لافتاً لكل من قرأ مقالات هذه الصحيفة الأميركية، وتمعَّن في النقاط الأساسية التي ركّزت عليها، اكتشافه وجود ثغرات واضحة في العديد من المعلومات ووجهات النظر، وحتى التقديرات العائدة لمراجع رسمية أو متخصصّين معروفين بالخبرة الطويلة في المجال النووي وما شابه. وهذا ما حصل معنا بالنسبة للنقاط التالية التي سجّلناها كأمثلة ليس إلا على التخبّط المعلوماتي المقصود ، بهدف " تنفيس" الأخطار التي تجري الإشارة إليها ، أو استغباء القارىء وإدخاله في دهاليز المتناقضات !:
 
أولاً ـ  في معرض تشكيكها بقدرة إيران على توسيع دائرة تخصيب اليورانيوم، وتأكيدها على عدم قدرتها تصنيع الوقود النووي قالت إن أول مفاعل أنشأته لتخصيب اليورانيوم قبل عشر سنوات في "نانتز"، كان مُعداً لتشغيل 50 ألف جهاز طرد مركزي، غير أنه لم يجر تشغيل سوى 8700 جهاز فقط طوال هذه المدة حسب المعلومات المعلنة. ولم تتحدث عمّا يمكن أن يكون قد تمّ في السّر، رغم اعترافها في مقاطع أخرى بعملها الحثيث سراً !
ثانياً ـ  نسبت لخبير يُدعى مايكل ليفي قوله أن على ايران تطوير قدرتها المحليّة كثيراً إذا ما عزمت على التقدم بمشروعها، ذلك لأنها ما زالت تعمد بشكل كبير حتى الآن على استيراد ما تحتاجه من مواد ومعدّات ضرورية، ثم يُشير بتركيز ملحوظ إلى أن سوق الإستيراد كان مفتوحاً أمامها في الماضي، لكنه لم يعد كذلك في هذه الأيام، وهذا الوضع الجديد أصبح يُسبّب لها عوائق جدّية وصعوبات في طريق عملها. ولم يتحدّث ليفي – رغم خبرته في هذا المجال – عن إمكانية العثور على "أسواق سوداء" جديدة، هذا إذا لم يكن قد تم ذلك فعلا ومنذ زمن وبكثافة أكثر من السابق، وهو ما تمّ الإعتراف به في النقطة التالية :
ثالثاً ـ نسبت إلى خبير آخر في شؤون السلاح النووي أن الولايات المتحدة تمكّنت من اكتشاف الأسواق التي تستورد منها إيران المستلزمات الضرورية لمشروعها ونجحت في اقتحامها . ومع ذلك، ورغم إفشائه "سر الإكتشاف والنجاح"، عاد ليقول في فقرة أخرى أن الولايات المتحدة تحاول جهدها وقف عمليات الإستيراد من هذه الأسواق " التي من المفترض أنها أصبحت تحت سيطرتها ! 
أما الأنكى من هذه الملاحظة  فهو إيراد الخبير نفسه ـ الذي لم تبح الصحيفة باسمه ـ ما يتناقض مع كلامه السابق حول " إكتشاف الأسواق واقتحامها " ، بقوله نصا: "… سيكون مذهلاً إذا تمكّن الإيرانيون فعلاً من تصنيع أكبر كميّة يحتاجونها من أجهزة الطرد المركزي، لكي يطوّروا عملية تخصيب اليورانيوم. رغم تصوري أنهم لا يمتلكون كميات كبيرة من هذه المادة:!
 
عن البرادعي.. والسؤال المحيّر
 
تبقى ضرورة الإشارة إلى أنه إلى جانب تناقضات "السيانس مونيتور" وأهم منها، ما قرأناه وسمعناه على لسان البرادعي، إما نتيجة "خربطة عفوية"، أو نتيجة "إرتخاء" تعبيراً عن مراعاته للمشروع الإيراني، على نقيض الموقف السلبي الذي إتخذه سابقاً من العراق، رغم قناعته كما صرّح بذلك مؤخراً، أنه لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل ولا أي مشروع نووي! وتلك قصة أخرى تستحق مقالاً خاصاً بها. لكننا نكتفي الآن بالإشارة الى أن عشرات التصاريح التي أدلى بها حول "المسألة الإيرانية" كانت مزيجاً من الضرب على وترين في وقت واحد، وتر يُرضي الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص، ووتر يخفّف الوطأة عن طهران، وهو ما لم يفعل جزءاً يسيراً منه تجاه العراق، واكتفى بكشف الحقيقة بعد "خراب البصرة" كما يُقال.
ثمّة سؤال أخير يُحيّر الكثيرين في بحثهم عن جوابه الحقيقي:
·        إذا كانت إيران تمتلك القدرة النووية فلم الإستمرار الغربي بتهديدها سنين طويلة ، دون أي حراك جدّي لمواجهتها ا؟
·        وإذا كانت لا تمتلك هذه القدرة ـ جدلا ـ وليس بإمكانها تحقيقها ، فَلِمَ كل هذه الضوضاء إذن ، ولِمَ تحديد أكثر من سيناريو وساعة صفر لضربها ؟ علماً بأن هناك مؤشرات تؤكد امتلاكها النووي وحتى القنبلة. وهناك مؤشرات أخرى تؤكد عجزها عن إنتاج ما تحتاجه على طريق مشروعها النووي !
 
أين الحقيقة .. ومن يمتلكها ؟
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد