إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هل يحتاج الفلسطينيون لرئيس؟

خيري حمدان

 

قدم مركز الدراسات العربي الأوروبي والذي يرأسه الدكتور صالح بن بكر الطيار موضوعًا في منتهى الأهمية في الآونة الأخيرة. موضوع شغل الكثير من المهتمين بتطورّات الأحداث ومستقبل المنطقة، خاصّة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. القضية المطروحة تتعلق برئاسة السلطة الفلسطينية والأسباب التي دعت الرئيس محمود عباس عدم ترشيح نفسه لفترة رئاسية جديدة.

 

ما الذي حققه الرئيس محمود عباس خلال فترة حكمه؟ طبعًا كان له أجندة جادة تحمل في طيّاتها وعودًا وطموحًا كبيرًا على الصعيد الشخصي وعلى الصعيد المؤسساتي وهذا لا شكّ فيه، فقد حاول عباس أن يكون مخلصًا لدوره كرئيس لسلطة واهنة، ضاعف من قصورها ظروف الاحتلال وطبيعته الإحلالية التي لا تعرف رحمة أو معنى للقيم الإنسانية المتعارف عليها! من هذا المنطلق أعتقد بأن الرئيس عباس قد فشل في فرض مشروعه السلمي الواعد، لأن السلم يحتاج لتحقيقه إلى طرفين متكافئين. وقد حاول الجانب الإسرائيلي طِوالاً إقناع العالم بأنّ الطرف الفلسطيني كفؤ وعليه أن يتحمل كامل مسؤولياته. وهذه مغالطة كبيرة لأنّ السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ليسوا أكفّاء لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وقد تحمل هذا الشعب وما يزال عبء الاحتلال والقمع والتقتيل والتهويد وطمس الشخصية الفلسطينية وهويته. مسؤوليتنا ليست حماية الاحتلال الإسرائيلي، لأن هذا الدور يأتي في مرحلة متأخرة بعد التحرير وقيام الدولة المستقلّة وليس قبل ذلك. 

 

وافق الإسرائيليون على تبني فكرة قيام الدولة الفلسطينية حين أدرك المجتمع الدولي استحالة تجاهل هذه الضرورة، وتمكن الجانب الإسرائيلي من توظيف هذا المتطلب لمصلحته بذكاء حادّ، فالدولة الفلسطينية كانت ستعلن شاء الإسرائيليون أم أبوا! لكنّهم سرقوا المبادرة من القوى الفاعلة على مسرح الأحداث العالمي، وبدأت لعبة القطّ والفأر، وسرعان ما توضّح بأن التسويف وكسب الوقت وتمييع جميع المبادرات هو الهدف النهائي من لعبة السلام التي لم تثمر شيئًا طوال هذه السنوات العجاف. وكان أن دفع الرئيس الراحل ياسر عرفات ثمن هذه الاستحقاقات، فقد كان بإمكانه أن يعيش في أي عاصمة عربية أو أجنبية وفي أفخم القصور، دون أن يقصف مقرّه ودون أن يحارب ويعزل ويقتل في نهاية المطاف. قال شيمون بيريس للرئيس عرفات بأن الدولة هي الحلّ الأمثل للشعب الفلسطيني وصدّق عرفات تلك الكلمات، لكنّه أدرك بأن الوعود التي قدمها بيريس كانت حبرًا على ورق، ولم يكن مطلوبًا من الفلسطينيين سوى تأمين الأمن والسلام للمجتمع الإسرائيلي المرفّه، وبدلاً من تقاسم الفطيرة بالتساوي قبعنا حراسا عند مداخل ما يسمّى بالوطن لنراقب ونحاكم حملة الحجارة والمتمرّدين من المواطنين الفلسطينيين الذين ازدادوا فقرًا على فقرهم.

 

الدور المؤسساتي التي قامت به السلطة الفلسطينية جاء معكوسًا، فقد جاءت جميع إجراءات السلطة وأدائها على اعتبار أنّ هناك سلطة قائمة على أرضٍ حرّة أو محرّرة أسوة بباقي الدول العربية، حتى أن سجون السلطة امتلأت بسجناء سياسيين ومعارضين، وبتنا نخاطب العالم من منبر يدّعي امتلاكه للسلطة الكاملة، القادرة على توزيع الحقائب الوزارية، وتعتمد ميزانيات مالية وهمية قائمة على مساعدات إنسانية دولية تتطلب الانصياع لرغبات الدول الكبرى، وهي بدورها خاضعة للحكومة واللوبي الإسرائيلي! القضية بالطبع أكبر من هذا بكثير، وغالبًا ما كنت أستمع لموظفي السلطة الفلسطينية في الخارج وهم يتلوون في انتظار مخصصاتهم عابسين وملتاعين من هجمات ما تبقى من ثورة فلسطينية تقليدية لأنّها السبب في وقف تدفق المال من واشنطن وغيرها من الدول المانحة. هذه الأموال التي تموّل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها مدفوعة بالكامل عبر مواقف سياسية، أكُلُها ووقودُها المواطن الفلسطيني أينما كان وتواجد، حتى بات الانتماء للشعب الفلسطيني أمرٌ يحتاج للدراسة والتمحيص للتفريق ما بين الفلسطيني المطيع الجيد والإرهابي الذي يشكّك بديمقراطية الوجود الإسرائيلي بالرغم من جميع قنابل الفسفور والنابالم التي ألقيت فوق رؤوس أهلنا في غزة!

 

كانت هناك الكثير من العروض المشابهة على ثورات قامت في إفريقيا وغيرها من دول العالم، لكنّها رفضت السلطة وأجلت ذلك لما بعد التحرير. هل يعقل أن يقتصر دور سلطة لشعب يرزح تحت نير الاحتلال على دور الشرطي والحامي للبوابة الخلفية للاحتلال؟ هذا ما حدث تمامًا في النموذج الفلسطيني الذي جاء مخالفًا للثورات التي شهدها التاريخ المعاصر في العديد من القارات. طبعًا أنا لا أدعو لإنهاء أوجه وجود السلطة ومؤسساتها فهي في نهاية المطاف استحقاقات للشعب الفلسطيني، ولكن لا بدّ من إعادة توظيفها بما يحقّق الكرامة لهذا الشعب ويحفظ له حقوقه في حدودها الدنيا وهذا أضعف الإيمان. وعودة للرئاسة الفلسطينية، لا بدّ من التنويه إلى جرحٍ غائرٍ يصعب تضميده في تاريخ الحدث الفلسطيني المعاصر ألا وهو "فلسطيني المهجر"، فدورهم شبه مغيّب ومبهم وغير واضح. لماذا انعدمت آلية إشراكهم في أيّ من القرارات المصيرية التي تتخذها السلطة الفلسطينية؟ عندما سألت مواطنًا فلسطينيًا في صوفيا عن السبب الذي جعله يمزّق ويدوس صورة الرئيس عباس في إحدى مؤتمرات الجالية الفلسطينية قال ببساطة بأنّ عبّاس لا يمثله ولم يستشره أحد إذا ما كان موافقًا على انتخابه أم لا! حرمان المواطن من حقه الانتخابي أمرٌ في منتهى الخطورة لأنّه يلغي ما تبقّى من علاقة ما بين مواطني المهجر والمركز المتمثل برام الله، وغالبًا ما نسمع بأن عدم التواصل مع رام الله يعني في نهاية المطاف البقاء على الهامش، وهذا بدوره يلغي الدور الإيجابي للمؤسسات الفلسطينية فهي مرتبطة بأسماء محدّدة توزّع الأدوار بالكامل وفقًا للتبعية والمحسوبية والأبوّة والمخترة وما شابه ذلك من أوجه الفساد في المجتمع الفلسطيني، والأمثلة لا تحصى على ذلك، فهناك آلاف المواطنين الذين يتقاضون رواتب لوظائف وهمية، كما أن السفارات الفلسطينية مكتظّة بموظفين شكليين، لكنّهم يمثلون في نهاية المطاف وزارة خارجية المالكي العتيدة!

 

ليس مهمًّا حقيقة من سيخلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس في ظلّ أجواء التفرقة والتقاتل الفلسطيني الفلسطيني والنزاع ألفصائليّ المسلّح، فقد بات الدم الفلسطيني رخيصًا في ساحة النزاع السياسي الفلسطيني، وأصبح مفهوم الثلاث دول رائجًا، والرابح الوحيد في هذه المعادلة إسرائيل في الطبع، بعد أن تمكنت من تفريغ مفهوم الدولة الفلسطينية من معانيه التقليدية وأهدافه. أعتقد جازمًا بأن مفهوم بناء الإنسان الفلسطيني ليصبح مواطنًا واعيًا وفاعلاً هو الأهم في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الوجود الفلسطيني! لا يمكن لأيّ شخصية فلسطينية أن تكون رئيسًا لدولة وهمية فاقدة للكثير من أوجه الحضور السياديّ على مسرح السياسة العالمي، إذا كان المطلوب منها لاستمرار وجودها القيام بوظيفة تبعية أمنية دون أن تكون قادرة على اتخاذ قرارات بمعزل عن الطرف الإسرائيلي، فحتى الرواتب والضرائب تشرف على حركتها إسرائيل، ويبقى الحديث عن الأمن الاقتصادي الذي يتبناه رئيس الوزراء الفلسطيني السيد سلام فيّاض محدودًا، ويبدو هذا واضحًا من هجرة رؤوس الأموال الفلسطينية والأمثلة على ذلك كثيرة، فكيف يمكن بناء اقتصادٍ قويٍّ في ظلّ احتلال ينكر هوية ووجود الآخر؟

 

لا بدّ من التفكير في بناء المجتمع الفلسطيني وتطويره وتهيئة جميع الظروف المواتية لتطويره وإخراجه من مرحلة التجهيل والتظليل التي يمرّ بها. الفلسطينيون ليسوا بحاجة لمناصب وزارية ورئاسية بالقدر الذي يحتاجون فيه لتحسين ظروفهم المعيشية وضمان أمنهم في بيوتهم وعدم هدم منازلهم ومصادرة ممتلكاتهم وتهويد مقدّساتهم.

 

فهل هناك من يجزم بأنّ المنصب الرئاسيّ قادر على تأمين الحدّ الأدنى من هذه المتطلبات؟ إذا كان هناك من يجد في نفسه القدرة على القيام بهذه الوظائف فأنا أوّل المؤيدين له، علمًا بأنّني لن أتمكن من الإدلاء بصوتي لعدم وجود صندوق اقتراع لمواطني المهجر الفلسطينيين!        

 

          

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد