إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حديقة الإنسان.. بلاد (هاء).. بقلم: أحمد مطر

Nafsane

تمدّد على السرير وأغمض عينيه، ثم بدأت الجلسة. قال الطبيب النفساني:

 
– ارجع بذاكرتك الى الوراء.
 
– لا استطيع الرجوع أكثر، لو رجعت خطوة سأسقط من على حافة التاريخ. إنني الان تحديداً على عتبة الفاتح من العصر الحجري.
 
– أف… إلى هذا الحد أنت متشائم؟
 
– بالعكس… أنت المتشائم.
 
– أنا؟!
 
– طبعاً ها أنت تتأفف لمجرد أنني لم أحقق رغبتك بالسقوط من التاريخ.
 
– أردتك أن تتوصّل بالتداعي إلى تحديد نقطة ما في ماضيك لعلها تدلنا على جوهر مشكلتك الراهنة.
 
– ليست لي أي مشكلة مع الماضي، مشكلتي مع الحاضر.
 
– حسناً… ما مشكلتك مع الحاضر؟
 
– قلت لك… أشعر أنني ضائع.
 
– لماذا؟
 
– لأنني ضائع.
 
– أين.
 
– لا أدري وقد أدري ولا أدري إنني أدري لعلني في مكان أو لامكان أو ربما كنت ولم أكن. أهو انبعاجي المفلطح أم هي صيرورة الانا؟ ليس في سراويل العبق ما ينبئ عن بقة ذائبة في صفاء.
 
– أأنت شاعر حداثي؟
 
-كلا.
 
– لماذا إذاً لا تقول شيئاً أستطيع أن أفهمه؟
 
-إنني لا أتحدث إليك. إنني أتحدث إلى الأجيال المقبلة.
 
– كيف هذا وأنت تقول إنك لست شاعراً حداثياً؟ كيف تتحدث إلى الأجيال المقبلة وأنت ضائع؟
 
– الأجيال المقبلة ضائعة أكثر مني.
 
– دع غيرنا يبحث عنها. المهم الآن هو أن نحاول العثور عليك.
 
– حاول.
 
– هل تتذكر اسمك؟
 
– طبعاً يا دكتور. أنا لست مجنوناً ولا فاقد الذاكرة ولست خارجاً للتو من دائرة المخابرات فكيف أنسى اسمي؟ إسمي يا طويل البقاء عبد القوي. هذه إرادة أبي. كانت أمي تريد أن تسميني عبد اللطيف، لكن أبي تشبث برأيه. أبي هو سبب عذابي.
 
– عقدة أوديب… هنا أصل المشكلة.
 
– ما علاقة أوديب بمشكلتي. أنا لم أقتل أبي لآخذ مكانه ولو كنت فعلت ذلك لما طلبت منك العون، بل لكانت الدولة هي التي تكلفت بإعانتي وإسعادي حياً وميتاً باعتباري مواطن شرف. سبب عذابي يا دكتور أن قدري جاء متوافقاً مع اسمي. لماذا لا تشغل عقلك أأعلمك شغلك؟ أنا مملوك ابن مملوك وأوديب ملك ابن ملك فكيف يمكن ليربوع مثلي أن يتجمل بعقدة ملكية؟
 
– اهدأ يا عبد القوي… ليس في الأمر ما يدعو إلى الانفعال. قل لي… هل تتذكر اخر مكان كنت فيه؟
 
– في الجانب الأيسر من صدري.
 
– كنت في قلبك؟!
 
– كلا في قلب قلبي.
 
– أنت تزيد الأمر تعقيداً. كيف تكون في قلب قلبك إذا كان قلبك نفسه في صدرك أنت؟
 
– أنا أحب بلادي فهي في قلبي، وأنا فيها فأنا إذاً في قلب قلبي نحن متقلبان على بعضنا البعض، لكنها واسفاه ضد مبدأ {السفن آب}.
 
– كيف؟
 
– تحبها… لا تحبك.
 
– عن أي بلاد تتحدث؟
 
– عن بلاد {هاء}.
 
– لكنك من بلادنا.
 
– نعم… من بلاد {هاء}.
 
– لكن هذا ليس اسم بلادنا!
 
– بل هو اسمها… وفعلها أيضاً. أنت لا تعرف.
 
– حسناً لا تنفعل. أنا لا أعرف نوّرني. هل هذا هو الحرف الأول من اسم بلادك؟
 
– كلا هو اسمها الكامل. إنه ليس حرف هَجاء بفتح الهاء. هو اسم البلاد بطولها وعرضها وهو اسم هِجاء بكسر الهاء، اسم صوت تخيل على رغم ألا صوت فيها سواه.
 
– صوت واحد؟!
 
– وبالعكس.
 
– كيف؟!
 
– إما أن تتماشى مع الأوضاع فيكون صوتك {هاء} وهو صوت الحمار. وإما أن تمشي ضد الأوضاع فيصبح صوتك {آه} وهو صوتي وصوت أمثالي من الخونة والعملاء.
 
– يا أخي تفاءل. لو نظرت الى المسألة بتفاؤل لوجدت أن {هاء} قد تكون نصف ضحكة ونصف ضحكة أفضل من لا شيء.
 
– نصف الضحكة لا يشتمل على همزة: هذا نصف نهقة… هل أنت متفائل حقاً يا دكتور؟!
 
– طبعاً وأرجو أن تتفاءل مثلي.
 
– لا يا دكتور، أنا متفائل مثلي. لو تفاءلت مثلك لأصبح في هذه العيادة مواطنان صالحان وفي هذه الحالة من سيعالج من؟ وهل هو مكسب تاريخي أن نؤدي نهقة كاملة؟!
 
أتريد الصراحة؟ الطبيب الباطني أحسن منك. أعتقد أنه متفائل مثلي. صحيح أنه تصرف معي مثلما تتصرف الحكومة عندما أمرني بأن أخلع ملابسي وأنبطح، لكنه والحق يُقال لم يطلب مني إلا أن أقول: {آه}!
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد