إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ضريبة محاربة الفساد في الجزائر

 

 
جميل للغاية، أن تهرع رئاسة الجمهورية، لتدارك الوضع وإنقاذ الجزائر من رؤوس الفساد والإفساد، فصراحة أُعجبت بالطريقة التي تم بها يوم الخميس 24 ديسمبر الجاري، تسريب خبر لوسائل الإعلام الجزائرية، مفاده، أن رئاسة الجمهورية أعطت تعليمات للنواب العامين على مستوى المجالس القضائية، لفتح تحقيقات في قضايا الفساد على مستوى الولايات "المحافظات" مع تأمين الحماية للشهود الذين يحوزون الأدلة الموثقة، فإعجابي لم يكن بشأن محاربة الفساد، وإنما بصيغة التسريب، وصيغة توفير الحماية للشهود، فمجرد الحديث عن حماية الشهود والشاكين، يُبرز حجم السلطة والنفوذ التي يتمتع بها المفسدون في الجزائر، وهي سلطة إكتسبوها بفضل استيلائهم على بعض المؤسسات السيادية في البلاد، التي كان من المفروض أن تكون في مقدمة من يحاربهم، وتحضرني هنا واقعة لم ولن أنساها ما حييت، فقد زارني السنة الماضية ببيتي، شاب علمت منه أنه كان يشغل منصب مفتش جهوي بالبنك الجزائري الخارجي بوهران، وهو إبن مجاهد، واصطحب معه ملفا ثقيلا، يحتوي فضائح مالية بالملايير، وكيسا بنسخ الشيكات التي تم سحب مبالغها ومُزقت واختفت عن أنظار الرقابة، ولسوء حظه أنه حرّر تقارير بكل هذه التجاوزات والاختلاسات، فما كان من الوصاية إلا أن عزلته من منصبه، ورمته كما تُرمى القاذورات في المزابل، هذا الشاب والمدعو بن رمضان أحمد، ما زارني ببيتي إلا بعدما سُدّت في وجهه كل الأبواب، فهو لم يطلب من مسؤوليه، ومن السلطات العليا في البلاد سوى إيفاد لجنة تحقيق، للتأكد من صحة تقاريره، لكن الشيء الذي رابني أن هذا الشاب النزيه أجهش بالبكاء وهو يروي لي التفاصيل، لأنه أحس بأنه أذنب في حق زوجته وطفله الصغير، فهو لم يعد يقوى على إعالتهما، وتوفير أبسط لقمة تسد جوعهما، بصراحة لم أتمالك نفسي أمام هول ما رأيت وما قرأت، وسعيت إلى إيصال صرخاته لمن يهمهم الأمر، لكنني تفاجأت بعد شهور أن المديرية العامة للبنك الخارجي، التي قاضاها هذا الشاب واستصدر بحقها حكما بإعادته إلى منصب عمله، رفعت ضده، دعوى بالقدف، انتهت بإصدار حكم بغرامة مالية ضد هذا الشاب والإطار الجزائري الذي استعانت به السلطات القضائية في أضخم قضية فساد مالي شهدها قطاع البنوك بعد قضية بنك الخليفة، فهذه الغرامة المالية، عطّلت تنفيذ حكم إعادة هذا الإطار إلى منصب عمله، بل إنها أصابته بنوبة غضب ويأس شديدين، كادت أن تنتهي بانتحاره، إنني إذ أسرد بعض تفاصيل مأساة من حاربوا الفساد في الجزائر، فبهدف تبيان حجم النفوذ والسلطة الذي إكتسبه المفسدون، من جهة، ولكشف حجم المأساة التي يعيشها من حاولوا محاربة الفساد، فشخصيا، عشت بعض تفاصيل هذه المأساة، عندما رأيت بأم عيني كيف أن أبنائي وبمن فيهم إبنتي المعوقة، دفعوا الثمن باهظا، لمجرد أنني تجرّأت على إرسال ملف يفضح بارونات المخدرات في الجزائر، علما أنني كنت آنذاك رئيسا للمجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بمجلس الأمة، ورغم مكانتي في هرم السلطة لم أتمكن من صدّ حملات التكالب على عائلتي، وتركتها تدفع التضحيات كما دفعها والدي رحمه الله، القائد الثوري الميلود حبيبي، الذي كرّر على مسامعي مرارا مقولة لا تزال منقوشة في ذاكرتي وهي: "الشجرة التي نستظل بها ويستظل بها الشعب الجزائري ككل، نحن الذين سنسقيها ونرعاها، أما الشجرة التي يستظل بها من استغلوا ثورة التحرير فيتوجّب قطعها" أمام هذه المقولة، لا يسعني إلا أن أقول لمن قالوا بتوفير الحماية للشهود في قضايا الفساد، أجدر بكم أن توفروا الحماية لأنفسكم، فالتاريخ لا يرحم ولن يرحم من حاد عن رسالة شهدائنا الأبرار، وبعيدا عن العتاب أقول وأؤكد أن محاربة الفساد لن تتجسد بالضرورة في قطع رقاب المفسدين الكبار، الذين نهبوا الأموال الطائلة من خزائن الدولة، لأنه حتى وإن حققنا ذلك، فلا ضمانة لنا بأن رؤوسا أخرى سوف لن تظهر على الواجهة، وتحلّ محلّ الرؤوس التي قُطعت، فما نريده ويريده كل الشعب الجزائري هو اجتثاث جذور الفساد، وهذه الجذور وللأسف إمتدت إلى كل مؤسسات الدولة وفي شتى المستويات، فما يفعله صغار المفسدين في إداراتنا يوميا، يفوق بآلاف الأضعاف ما تقوم به الرؤوس الكبيرة، فالمواطن الجزائري البسيط، يواجه يوميا وفي مختلف المستويات الإدارية، إبتزاز المفسدين والعابثين، فيكفي أن أشير هنا إلى أن استخراج شهادات الميلاد باللغة الفرنسية يستوجب دفع رشوة تتجاوز 500 دينار جزائري، واستخراج شهادة الوضعية تجاه مصالح الضرائب والتي هي حق لكل مواطن تستجوب دفع العمولات، وإنجاز أي مشروع استثماري لا بدّ أن يمرّ عبر طريق الرشاوى، وحتى كسب الشهادات الجامعية وللأسف الشديد بات يتطلب رشوة اللجان العلمية بالجامعات، ما أود قوله الآن أنه وعوض البحث عن قطع رؤوس الفساد، من الأولى التفكير في القضاء على أسباب نمو وترعرع الفساد، ولا أظن شخصيا أن إزاحة فلان أو علان سينهي المهزلة، بل إن الأمر يدعو إلى الدعوة لحوار شامل مع كل المخلصين للبلاد لإيجاد سكة سير صحيحة، لا تؤدي بالبلاد إلى الإنزلاق في مستنقعات الفساد. التي حضّرتها القوى الحاقدة على استقلال الجزائر، والخونة الذين باعوا عرضهم، وعملوا منذ الاستقلال على إرجاع هيمنة فرنسا الاستعمارية على الجزائر، إنني اليوم لا أطالب السلطات في الجزائر بمحاربة الفساد، بل أستجديها وأتوسل إليها، أن تحيي في قلب كل جزائري حب الجزائر، وجب العالم العربي والإسلامي لا غير، وذلك لوحده كفيل بقطع ليس رؤوس الفساد، وإنما رؤوس كل المتآمرين على بلد الشهداء، وأمة صانعي الأمجاد والتاريخ.
 

                 جمال الدين حبيبي

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد