إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

“بِتْهَبِّبّْ إيه يا يوسف ؟!”

Alaa(1)علاء الدين حمدى

 
ـ فى أواخر 2007 ، حدث اعتصام موظفى الضرائب العقارية ، كانت الصورة غريبة لم تحدث فى مصر منذ 1952 ، ولم تحدث أبدا فى أى اعتصام آخر بعده ، اعتصام خبراء وزارة العدل أو اخصائيى العلاج الطبيعى كمثال ، صورة شعرنا جميعا أنها اشراقة عهد جديد من حرية التعبير المتحضر ، تستطيع فيه فئات الشعب المختلفة فرض ارادتها على الحكومة واكتساب ما تراه من حقوق مشروعة عن طريق الاضراب السلمى اذا اغلقت فى وجوهها الابواب الطبيعية ، دون اعتقالات أو اتهامات سابقة التجهيز عن العمالة والقلة المندسة التى تحرضها أصابع خارجية تعبث فى أمن الوطن واستقراره ! صورة غاب عنها تضامن القوى السياسية ، أحزابا أو جماعات ، بطريقة ملفتة وغامضة وغير مفهومة حتى الان !
صورة غير مسبوقة بكل المقاييس ، لا من حيث سبب الاعتصام أو مطالبه ، ولا الفترة الزمنية الطويلة التى استغرقها الاعداد له ، والتى كانت كفيلة بتوقع الحكومة لنتائجه وبالتالى تحقيقها ، طالما لديها النية ، قبل حدوثه واظهارها بمظهر المضطرة مَلْوِّية الذراع !!! ولا من حيث عدد المعتصمين أو المضربين ، 55 ألف موظف ! ولا الطريقة شديدة الدقة والاتقان لتنفيذه على مستوى الجمهورية دون حدوث خطأ واحد ! وفى قطاع مالى شديد الحيوية ! وبقيادة وتدبير رجل بحجم "كمال أبو عيطة" يتمتع بعلاقات "غير عاطفية" مطلقا مع الأجهزة الأمنية المختلفة ، تجعل أنفاسه وما يجول بخاطره معلومة ومحسوبة عند هذه الأجهزة قبل خروجها الى حيز التنفيذ !!!  
كذلك كان اسلوب التعامل النموذجى شديد التحضر لقوات الأمن بطريقة لم نعتدها فى المواقف المشابهة !! ولو مع بضع عشرات من المعتصمين أيا كانت حيثياتهم !! كاعتصام رجال القضاء مثلا ابريل 2006 الذى لم يحقق نتائجه المرجوة ، والذى أسفر عن مواجهات أدت الى إصابة قاض ووكيل نيابة نتيجة اعتداءات الأمن حسب ما جاء فى بلاغ مجلس ادارة نادي القضاة للنائب العام وقتها .
ـ كان الاضراب أشبه بمناورة حربية تم الاعداد لها جيدا ! استخدمت فيها مصطلحات عسكرية مثل ( محاور .. نقاط تجمع .. قطاعات .. قيادة .. تمويل .. تحركات .. اختراق .. تكليفات .. احلال وتجديد .. خطة .. إستراتيجية .. تحقيق النصر .. طبول الانتصار .. الخ ) ! ، أيضا كانت نتائجه سريعة وناجحة ربما فوق ما كان يتصور المضربون أنفسهم !!! بدأت بظهور الوزير يوسف بطرس ، بابتسامته غير ذات المعنى ، محتضنا المعتصمين لالتقاط الصور التذكارية كما شاهدنا جميعا ، تلاه تحقيق جميع مطالب المضربين !!! بل وزاد عليها صرف شهرين "ترضية" فورية للـ 55 ألف موظف !!! دون تسويف أو مماطلة أو ملاعيب "شيحا" المعتادة من الحكومات المتعاقبة !!!
ـ سبب الاعتصام والاضراب ، كما هو معروف ، كان رغبة موظفى الضرائب العقارية فى المساواة ماليا واداريا مع زملائهم العاملين بالضرائب العامة ، ولا جدال أنه حق أصيل ورغبة مشروعة ، ولكن الملفت أن المعتصمين رأوا أن ذلك السبب لن يزول الا اذا انتقلت تبعيتهم ماليا واداريا من محليات المحافظات الى وزارة المالية ! الأمر الذى سيتبعه بالضرورة تحويل مبلغ ثلاثة مليارات من الجنيهات ، هى حصيلة الضرائب العقارية على الأطيان الزراعية والمباني وضريبة الملاهي وقتها ، من خزانة المحليات ، التى كانت تستخدمها ، منفردة ، فى الانفاق على الخدمات المختلفة من طرق وصحة وخلافه داخل نطاقها الاقليمى ، الى وزارة المالية التى ستمنح هذه المحليات ، بعد صدور القانون الجديد الذى سيرتفع بالحصيلة الى نحو سبعة مليارات جنيه في العام ، فقط ربع القيمة المحصلة من كل محافظة ! بينما ستوجه بقية الحصيلة الى الانفاق على خدمات منتجعات رجال الأعمال وأغنياء الدم ، لعدم وجود اغنياء حرب الآن ، وملاعب الجولف .. اللعبة الشعبية الأولى فى حوارى مصر حاليا !
وبالتالى أصبحت مطالب المعتصمين ، لا أسبابهم ، محددة فى الانضمام الى وزارة المالية ، تحت مبرر أن ربط الضريبة العقارية بالمحليات يعتبر أحد أوجه الفساد واهدار المال العام ! بمعنى أنه كان من غير المقبول أو غير المطروح لدى المفاوضين عنهم ، كما فهمنا ، تحقيق كامل مطالبهم المالية والادارية مع بقاء تبعيتهم للمحليات ! وهنا يكمن اللغز وتخرج أفاعى علامات الاستفهام من شقوقها ..  
ـ لماذا لم تستجب الحكومة الى كامل مطالب المضربين المالية والادارية ، طالما كان فى نيتها أن تفعل ، مع بقائهم تابعين بحصيلتهم للمحليات ؟
ـ واذا كان فساد المحليات ، التى تسيطر الحكومة وحزبها عليها جميعا ، قد بلغ مداه كما هو معروف ، فلماذا لم تتدخل هذه الحكومة للقضاء عليه ، أولى من حرمان مواطنى المحافظة من خدمات كانت تقدم اليهم من أموالهم ؟
ـ هل ستستجيب الحكومة بالمثل لو أضربت بعض فئات الشعب سلميا من أجل الغاء القانون الجديد ، أو غيره من القوانين سيئة السمعة ؟!   
ـ هل كان هناك ثمة مؤامرة قادها وزير المالية وساهم فيها بعض قيادات الاعتصام .. وجهات أخرى ! استغلت الرغبة المشروعة لتحسين الأوضاع عند الـ 55 الف موظف ، وربطتها وشرطتها بالانتقال بهم وبحصيلتهم المغرية الى وزارة المالية تمهيدا لصدور القانون الجديد ؟ اذا فلماذا الاضراب والحكومة بوسعها أن تفعل ما تشاء ؟!!! أم أنها تمثيلية وضعها أحدهم ليبدو الأمر كمطلب شعبى باضراب سلمى رضخت له الحكومة .. "الديمقراطية" .. بعد تمنع ، على غرار ما يحدث فى الدول الأخرى ، تحسينا لصورتها أمام العالم ؟
ـ أسئلة كثيرة رغم انها ستظل بدون اجابة ! الا أننى أبدا لا أسوقها من باب التشكيك فى موظفى الضرائب العقارية ، ولكن فقط لمزيد من الفهم عن حدث شغل الوطن فى حينه ثم كانت له تبعات نهتم بها الان جميعا ! ليبقى الشاهد أن وزير المالية ، كما نجح من قبل فى الاستيلاء على أموال التأمينات ومدخرات اليتامى والعجزة والأرامل التى لا نعرف حتى الآن الى أين ذهبت ؟! قد نجح أيضا وبمنتهى "الحرفنة" فى انتزاع حصيلة الضرائب العقارية كمرحلة أولى ! ثم اتفاقه مع أحمد عز ، واجهة حزب الحكومة ، على طرح القانون العشوائى الجديد الذى لا يوجد له مثيل فى العالم كمرحلة ثانية ! والذى سيجعل سكان "كفر طرمبة وعزبة قلايط وحارة الرمش" ينفقون من قوت عيالهم على الخدمات الترفيهية لمواطن "مارينا" ! خلاف جرجرتهم للوقوف فى طوابير تقديم الاقرارات الضريبية ، التى كان الأولى مثلا توزيعها مع فواتير كهرباء شهر نوفمبر ، ثم تسليمها مع فواتير شهر ديسيمبر ، تخفيفا على الناس وادخارا لوقتهم المستقطع من ذلك المخصص للعمل !
ـ عموما ليس فى نيتى استعراض عيوب القانون الجديد أو مدى مطابقته للشريعة الاسلامية أو للدستور ، فهو الأمر المتروك للمتخصصين ، ولكننى كمواطن ربما يكون معفيا من الضريبة الجديدة حسب ما أفهمونى ، لم أصدق ما يروجه الوزير عن اعفاء ما يزيد عن 95% من الشعب من دفع الضريبة ! ببساطة لأن ذلك سيؤدى الى انخفاض الحصيلة عن ذى قبل ! لذلك فانا أعلم جيدا ان اعفائى هذا مرهون بتقدير وزارة المالية نفسها ! فهى الخصم والحكم ! وهى وحدها صاحبة الحق فى أن تخرج "الفيل" من المنديل ، أو تدخله فيه أيضا إن أرادت ! خاصة لو كان "فيلا" حماية !
وحتى على فرض أننى معفى الآن .. فاعفائى هذا لن يستمر الى الأبد .. بل ربما لن يستمر لشهور معدودة .. خاصة لو زرعت الحكومة شجرة أو غرست "عمودين كهربا" فى الشارع الذى أسكنه قبل أن تفحص الاقرار كما أفاد معالى الوزير !
لذلك ، فالمواطن الواعى عليه ان يعلم بعد الآن أن زراعة أشجار فى شارعه أو انارته ليست الا نذير خطر جسيم ! فقد مضى عهد التجميل وأصبحنا فى عهد القبح والتحصيل ! وانتقلت مهمة تشجير الشوارع وانارتها ورصفها الى وزارة المالية ، وتحولت الشجرة وما شابهها من صداقة المواطن الى عدائه الشديد ، بعد أن خانت العيش والملح ! وأصبحت مجرد اشارات الى "ناضورجية" الوزير .. أنْ هنا يسكن ممول !!
ـ تُرَى ، هل بامكان الوزير يوسف الاجابة على استفسار والده المحترم "ايه اللى بتهببه ده .. يخرب عقلك" كما ورد على لسانه ؟!
ضمير مستتر:  
دعوت على عمرو فمات فسرني 
وعاشرت أقواماً بكيت على عمرو
علاء الدين حمدى
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد