إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عام على العدوان: دروس انتصار غزة وخيار المقاومة

 

عام على العدوان: دروس انتصار غزة وخيار المقاومة

بقلم: زياد ابوشاويش

في مثل هذا اليوم السابع والعشرين من كانون أول ديسمبر يكون قد مضى عام كامل على عدوان إسرائيل الوحشي على قطاع غزة، هذا العدوان الذي يمثل نموذجاً فريداً للحرب بتجلياتها المختلفة وبتنوع الاستنتاجات والدروس المستفادة منها كما بفرادة قسوتها المفرطة وعدم التكافؤ بين طرفيها.

إن وقائع المعركة التي بدأت بالضربة الجوية المؤلمة ودارت على امتداد الحدود الشمالية والشرقية لقطاع غزة وسير القتال وتدرجه نحو عمق الأراضي الفلسطينية واقترابه من مداخل المدن والمخيمات وكذلك أنواع الأسلحة التي استخدمت فيها تعطي العديد من الدروس العسكرية على الصعيد التكتيكي وتقدم خبرة لا يستهان بها في معارك لاحقة ستخوضها إسرائيل ضد المقاومة بهدف تعديل الصورة الهزيلة التي نتجت عن هزيمة جيشها سواء في لبنان 2006 أو في غزة 2008 / 2009، هذه الهزيمة التي ما كانت لتقع لولا تضافر جملة من العوامل في مقدمتها التكتيك الذي استخدم وأسلوب القتال الذي لجأت له المقاومة في كلا المعركتين.

وفي البعد الاستراتيجي للمعركة فقد كان للنتائج العسكرية والسياسية دور كبير في بناء مفاهيم وقيم ومواقف تؤسس لمرحلة طويلة قادمة سواء تعلق الأمر بالقتال أو بالتسوية السياسية في ظل ميزان القوى الناجم عن هذه المعركة عموماً.

الجانب العسكري للحرب وسير المعارك

بدأت المعركة بعد يومين فقط من عيد الميلاد المجيد بضربة جوية مدمرة ذهب ضحيتها عشرات الشهداء من العسكريين الذين كانوا متواجدين في مقرات الأمن الوطني وفي أحد معسكرات تدريب الشرطة أثناء احتفال تخريج دفعة جديدة منهم، وفي هذه الضربة التي استخدم فيها العدو أكثر من ستين طائرة قاذفة مقاتلة من طراز إف 15 وإف 16 دمرت إسرائيل معظم مقرات الشرطة والأمن الوطني وبعض مقرات حركة حماس مدنية وعسكرية. إن عنف القصف واتساع نطاقه منذ البداية أدهش المراقبين العسكريين والدوائر السياسية في كل أرجاء العالم بحكم أن قطاع غزة بمساحته وموقعه الجغرافي وبالنظر للتفوق الهائل لآلة العدو العسكرية على ما تملكه المقاومة في غزة لا يستدعي مثل هذا الهجوم الذي شبه بأسوأ وأعنف معارك الحرب العالمية الثانية، والذي أنتج الكثير من الانتقادات الحادة له وللقيادة الإسرائيلية بعد وقت قصير من بدء العدوان. إن لجوء إسرائيل لهذه البداية العنيفة والمدمرة فهم في إطار استراتيجية الحرب الصهيونية والعقيدة العسكرية للجيش الاسرائيلي المرتكزة لحسم سريع وتقصير مدة المعركة قدر المستطاع حتى لو كان ذلك عبر قتل وجرح آلاف المدنيين وتدمير بيوتهم ومدارسهم ودور عبادتهم، وحتى لو كان القتلى من الأطفال والنساء في معظمهم، الأمر الذي جرى على هذا النحو تماماً رغم صيحات الاستنكار والرفض من كل الدنيا. إن ثمانية أيام من القصف الهمجي المستمر لكل مناطق قطاع غزة براً وجواً ومن البحر لم تقدم للعدو نصراً حلم به فبدأ اجتياحه البري على طول الحدود مع فلسطين المحتلة شمال وشرق قطاع غزة تحت غطاء كثيف من نيران الدبابات والطائرات والبوارج الحربية. كانت إسرائيل تنتظر تحقيق كل أهدافها من الحرب في اليوم الأول كونها لجأت لأسلوب الترويع المعروف لإجهاض معنويات الخصم وإرغامه على الاستسلام، ثم كانت الأيام التالية للوصول لهذا الهدف ولم يتحقق فبدأت حربها البرية التي كانت على ذات السوية الوحشية باستخدام سياسة الأرض المحروقة لتأمين التقدم لدباباتها وجنودها الذين واجهوا قتالاً شرساً من اللحظة الأولى للمعركة البرية.

كان الاقتراب من المدن والمخيمات المكتظة بالمواطنين تعني ارتفاع وتيرة القتال والمواجهة المباشرة مع المقاومين فلجأ الجيش الاسرائيلي للاحتماء ليس في الدبابات فقط بل وفي بيوت الأهالي الذين قتل من قتل منهم وطرد الباقين إلى خارج مناطق سكناهم، كما لجأ لاستخدام بعضهم دروعاً بشرية الأمر الذي اعترف به جنود وضباط العدو بعد انتهاء المعركة. عندما أدرك قادة الجيش الغازي صعوبة الوصول لقلب المخيمات والمدن لجأ لعمليات اختراق لتقطيع أوصال قطاع غزة على أمل أن يسهل ذلك مهمة تقدم قواته وتحقيق بعض الأهداف المرسومة للحرب، وقد نجح في ذلك حين عزل المناطق الشمالية عن جنوب القطاع من منطقة المعسكرات الوسطى وهو اختراق متوقع وسهل وفي مناطق شبه خالية من المقاتلين الفلسطينيين.

كما قام بقطع الطريق بين خانيونس ورفح وأرفق هذا بقصف مكثف ومتواصل للحدود مع مصر في محور فيلادلفي بهدف تدمير الأنفاق الشريان الوحيد لدعم المقاومة ودخول المؤن والمحروقات.

مع دخول الحرب على غزة اسبوعها الثالث كان من الواضح أن الحسم العسكري بات في علم الغيب وأن التفوق الهائل للعدو لم يقدم له أية نتائج أو أهداف سعى لتحقيقها من وراء عدوانه على القطاع رغم استخدامه لكل قدراته وإمكاناته التقنية واستخدام أساليب مبتكرة كتقطيع أوصال الأرض كما أسلفنا واستخدام القنابل الفسفورية المحرمة دولياً والعنقودية وكذلك التدمير المنهجي للبنية التحتية واستهداف بعض قيادات حماس والمقاومة لضرب الروح المعنوية عند المقاتلين والجماهير، وشن حرب نفسية عبر وسائل إعلامه تصور أن الجيش الإسرائيلي يسيطر على كل شيء بعكس الحقيقة ورمي قصاصات الورق من طائراته بما تحمله من سموم لتثبيط عزائم الناس وإحكام الحصار على غزة بما في ذلك حرمانها من الطعام والكهرباء وقطع وسائل الحياة عن الناس بهدف تحريضهم على المقاومة التي رفضت تمديد التهدئة بعد تاريخ 19 / 12 / 2008 والذي تذرعت به إسرائيل لشن عدوانها على القطاع.

إن نتائج ودروس المعركة البرية عسكرياً تظهر إمكانية الصمود وكذلك القدرة على مواصلة القتال في ظل تفوق كبير للغاية للعدو إن توفر للمقاومين بعض الشروط ومنها: 1- التحضير الجيد للمعركة وهذا ما كان عليه الحال في قطاع غزة عشية الحرب. 2- القيادة الهادئة والمسيطرة على مفاصل عملها سواء بوسائل الاتصال الكلاسيكية أو عبر الأنفاق التي عمل عليها الجميع مسبقاً أو بتعليمات القتال السابقة التي تعطي المجال لسيطرات ميدانية بصلاحيات واسعة تحرم العدو من تشتيت قوانا الأمر الذي كان واضحاً منذ البداية.

3- تجنب الاشتباك في الأماكن المكشوفة لتحييد تفوق العدو بآلياته المدرعة ودباباته ومدفعيته واللجوء للخنادق والمناطق المشجرة وبعض البيوت الخالية من السكان قرب الحدود.

4- إستدراج العدو للمخيمات والمدن للاشباك في ظروف أفضل وتكبيده خسائر غير قادر على تحملها.

5- مشاركة فصائل المقاومة الفلسطينية جميعها في المعركة بما فيها كتائب شهداء الأقصى رغم حالة الانقسام قدم نوذجاً طيباً لما يجب ان تكون عليه حال الساحة الفلسطينية في المواجهات القادمة.

 وكما نلاحظ فإن معركة صد العدوان توحدنا وتعطي الظرف الموضوعي لانهاء الانقسام وللمصالحة ومن هنا كان الصمود العسكري وهزيمة العدو دليلاً واقعياً لقدرة نهج المقاومة على توحيد الصف الفلسطيني وخروجه من المأزق الراهن.

الجانب السياسي ونتائج الحرب

عندما بدأت تباشير النهاية للقتال الدائر فوق أرض غزة واستمرت الصواريخ الفلسطينية بالتساقط على المناطق الجنوبية من الكيان الصهيوني كان أمام إسرائيل أحد أمرين: الأول إعلان فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة وملخصها إنهاء المقاومة في غزة وتحديداً القضاء على حركة حماس وإنهاء سيطرتها على القطاع وكذلك منع تساقط الصواريخ على حدودها الجنوبية وتمديد الهدنة إلى ما لانهاية وأخيراً الإفراج عن شاليط الأسير لدى المقاومة إن أمكن أو إيجاد ظرف لتبادل مريح يحقق لحكومة أولمرت انتصاراً كان هو وحزبه كاديما في أمس الحاجة إليه.والثاني استكمال الحرب باحتلال كل قطاع غزة والعودة للمرحلة السابقة للانسحاب الأمر الذي يرتب عليها تقديم خسائر جسيمة على الصعيد العسكري والسياسي وهو ما لا تستطيعه إسرائيل بعد مرور عشرين يوماً على القتال وبعد أن اتضح لكل العالم همجية العدوان وافتقاده لأبسط معايير القتال الأخلاقية وتجاوزه على كل القوانين والشرعية الدولية.. إذن ما العمل؟

في تلك المرحلة تبدأ إسرائيل في الحديث عن أهداف مختلفة عما أعلنته سابقاً كتخليها عن هدف إسقاط حماس وإنهاء حكمها في غزة والإبقاء على هدف وحيد هو منع الصواريخ الفلسطينية من السقوط على بلداتها ومدنها، وتلتقط مصر المسألة فتقدم مبادرتها المعروفة ويتم استصدار قرار رقم 1860 من مجلس الأمن الدولي بوقف القتال تمتنع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصويت عليه ويجري الحديث عن هدنة طويلة تتوقف فيها الفصائل عن إطلاق الصواريخ وتلتزم حماس كحكومة بمنع إطلاقها. باختصار كانت النتائج السياسية للمعركة تحقق للمقاومة بعض أهدافها ولإسرائيل بعض شروطها كذلك، ففي حين قامت إسرائيل بالانسحاب من كافة الأراضي الفلسطينية التي احتلتها في هذا العدوان الغادر وبقيت حركة حماس قوية ومتماسكة وبيدها السلطة في القطاع وهي تعد مكسب للمقاومة بمعنى ما، كسبت إسرائيل معركة التهدئة بوقف الصواريخ والقتال داخل المدن الاسرائيلية وتعهد حماس الضمني بذلك، الأمر الذي مارسته حماس على مدار العام الذي انقضى منذ العدوان وحتى اليوم.

إن تصوير الأمر باعتباره معركة متكافئة بين خصمين متساويين عبر قرار الأمم المتحدة المذكور هو خطأ يجب العمل على تصحيحه عبر استكمال المعركة السياسية والإعلامية بإظهار حقيقة ما يجري على الأرض وحقيقة وجود الاحتلال والممارسات الصهيونية العنصرية في غزة وفي الضفة وقد جاء تقرير غولدستون ومن بعده تقرير أبو كبير حول سرقة أعضاء شهدائنا ليفتح الطريق أمام الشعب الفلسطيني لتوحيد جهوده التي يمكن أن تثمر لو استمرت قوة الدفع وتعاملنا مع ما جرى في غزة باعتباره حلقة من حلقات الحرب الطويلة التي نخوضها على كل الأصعدة مع العدو الاسرائيلي.

إن أهم ما أكدته المعركة المجيدة التي خاضها الشعب الفلسطيني في غزة تتمثل في الآتي:

أولاً/ إن خيار المقاومة العسكرية للاحتلال هو خيار صحيح بغض النظر عن التفوق الكبير للعدو.

ثانياً/ إن هذا الخيار لايمكن تفعيله بدون حاضنته الشرعية المتمثلة في التفاف الجماهير والشعب حوله والقبول بنتائجه المكلفة.

ثالثاً/ إن انتصار غزة يمثل انتصاراً لكل الأمة العربية التي أظهرت جماهيرها تعاطفاً غير مسبوق مع صمودها وشجاعتها بغض النظر عن موقف الحكومات العربية الهزيل وغير المجدي، وهو انتصار يقدم المثل والنموذج لما يجب أن تكون عليه معاركنا بعد النموذج العراقي واللبناني.

رابعاً/ إن معركة غزة أظهرت حاجتنا الماسة للوحدة الوطنية وكان يمكن أن تكون هذه المعركة فاتحة لتعديل حقيقي في ميزان القوى لو كان الفلسطينيون موحدين خلف خيار المقاومة، وقد لاحظنا ضعف ردة الفعل والمشاركة من جماهير الضفة الغربية بسبب هذا الانقسام وقمع السلطة لأي تحرك فاعل لتخفيف الضغط عن قطاع غزة.

خامساً/ أظهر العدوان وسير المعارك واتساع نطاقها الجغرافي وشموليتها واستهداف المدنيين بهذا الحجم أكاذيب العدو حول استهداف حركة حماس فقط ومحاولة تحييد باقي القوى وأن أي عدوان للعدو على أي شبر من فلسطين وأرضها المحتلة هو عدوان على كل الشعب الفلسطيني والعربي أيضاً.

سادساً/ إن افتقاد المقاومة في غزة وفي الضفة كذلك لعمقها العربي عبر الحصار المفروض عليها قد حرم المقاومة من أحد أهم مقومات المواجهة مع العدو ورغم ذلك أثبتت إرادة القتال والإيمان بالحق والقيم العظيمة للأمة العربية والإسلامية إمكانية الانتصار عبر إفشال أهداف العدو كما حدث في لبنان وغزة.

سابعاً/ إن دراسة التجربة القتالية لغزة وأسباب قدرتها على الصمود يجب أن تكون في أولوياتنا بحثاً ودراسة في ضوء هذه المعركة وفي ضوء سوابق تميزت فيها غزة كما حدث عام 1967 حين توقف القتال على الحدود العربية جميعاً باستثناء غزة.

ثامناً/ ضرورة وجود قيادة سياسية وعسكرية موحدة للمقاومة في قطاع غزة تضم كافة الفصائل ومشاركة الجميع في اتخاذ قرارات تتعلق بالقتال كما بالتهدئة حتى نتمكن من تحقيق أكبر فائدة من النصر الذي تحقق وفي معاركنا اللاحقة ووقف السيطرة الحصرية لأي طرف مهما بلغت قوته.

وفي الختام لابد أن نذكر الدرس الأكبر من تجربة غزة وصمودها الأسطوري في وجه آلة الحرب الصهيونية ألا وهو الدرس المتعلق بالقدرة على التضحية والإيمان العميق بعدالة القضية والمشروع الذي نقاتل من أجله، هذا الدرس الذي يرتبط وثيقاً ببناء الانسان الفلسطيني والمقاتل الفلسطيني على قيم الشجاعة والإقدام والايثار والتضحية والصبر وغيرها من القيم التي تجعله يقدم روحه رخيصة من أجل بلده ونصرة شعبه، هذا الأمر الذي جعل الناس تقدم التضحيات الكبيرة دون أن تئن أو تتذمر وتقدم قوافل الشهداء الذين سيبقوا على الدوام مشاعل نور في طريق الحرية والاستقلال..المجد لهم ولغزة الصامدة رغم الحصار.

[email protected]  

 

 

 

  

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد