قصيدة للشاعر العراقي الكبير عبدالواحد تتحول الى معلقة.. بقلم: علي الصراف

0

 بينما كان العراقيون يحييون ذكرى استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب في موقعة كربلاء، تحولت قصيدة للشاعر العراقي الكبير عبدالرزاق عبدالواحد الى معلقة كربلائية يتم تعليقها وخط ابيات متفرقة منها في كل مكان، وبخاصة في أحياء وأزقة مدينة كربلاء التي تحتضن مرقد الشهيد.

ويمثل تعليق القصيدة على جدران كربلاء تحديا مكشوفا لسلطات الاحتلال وحكومته الطائفية، لسببين على الأقل، الأول، ان الشاعر يتبنى، على المستوى الخاص، موقفا وطنيا مناوئا للاحتلال وحكومته وهو ما يجعله أحد أكبر المطلوبين. والثاني هو ان الشاعر يمثل امتدادا، بل طليعة، للثقافة الوطنية العراقية التي تسمو فوق التقسيمات والشروخ الطائفية التي يحاول أصحاب مشروع الإحتلال تكريسها في العراق.
وصوت الشاعر الكبير يبدو مدويا، بالمعنى الوطني، لانه يمجد العراق وشعبه كوحدة واحدة، وكقيمة حضارية وانسانية رفيعة وخالدة جمعت الكثير من المذاهب والأديان، ولكن أهلها ظلوا عراقيين أولا، وعراقيين ثانيا، وعراقيين ثالثا. وعبدالرزاق عبد الواحد دليل من أبرز أدلة تلك القيمة، واكثر سطوعا.
انه صوت لنبل المعنى في أن تكون ابن الرافدين، ابن بلد تعدديته الدينية والقومية هي هويته الأجمل، وهي ملحه الأفضل.
وعبدالرزاق عبدالواحد يمثل ملح العراق كما لا يفعل أديبٌ او مثقف بيننا طُرّا.
انه تاجُ محبةٍ وتآخ بين الجميع على مجرى القيم الإنسانية النبيلة، وذلك مثلما انه تاجُ وطنية خالصة ومُخلِصة ومُخلّصة.
وفي الشعر، بمعناه الجمالي، فانه شاعر العرب الأكبر، في مكانةٍ خلفَ بها مكانة محمد مهدي الجواهري، وكان خير خلف لخير سلف. يقولها وينام ملء جفونه عن شواردها، ويسهر الخلق جراها، ولكنهم قليلا ما "يختصموا"، لانه الأرفع بين حملة الألوية الإنسانية الأرفع، مما يجعل الخصام معضلةً لمن أرادوا فيه أن يختصموا.
وفيما يلي نص القصيدة:
 
قَدمتُ .. وعَفْوَكَ عن مَقدَمي
حسيراً، أسيراً، كسيراً، ظَمي
قدِمتُ لأُحرِمَ في رَحْبَتيْك
سلامٌ لِمَثواكَ من مَحرَم ِ
فَمُذْ كنتُ طفلاً رأيتُ الحسين
مَناراً إلى ضوئهِ أنتَمي
ومُذْ كنتُ طفلا ًوجَدتُ الحسين
مَلاذاً بأسوارِهِ أحتَمي
وَمُذْ كنتُ طفلاً عرفتُ الحسين
رِضاعاً.. وللآن لم أفطَمِ!
سلامٌ عليكَ فأنتَ السَّلام
وإنْ كنتَ مُخْتَضِباً بالدَّمِ
وأنتَ الدَّليلُ إلى الكبرياء
بما ديسَ مـن صَـدرك الأكـرَمِ
وإنَّكَ مُعْتَصَمُ الخائفين
يا مَن مِن الذَّبح ِ لم يُعصمِ
لقد قلتَ للنفسِ هذا طريقُكِ
لاقِي بِهِ الموتَ كي تَسلَمي
وخُضْتَ وقد ضُفِرَ الموتُ ضَفْراً
فَما فيهِ للرّوحِ مِن مَخْرَمِ
وَما دارَ حَولَكَ بَل أنتَ دُرتَ
على الموتِ في زَرَدٍ مُحكَمِ
من الرَّفْضِ، والكبرياءِ العظيمةِ
حتى بَصُرتَ، وحتى عَمِي
فَمَسَّكَ من دونِ قَصدٍ فَمات
وأبقاكَ نجماً من الأنْجُمِ!
ليومِ القيامةِ يَبقى السؤال
هل الموتُ في شَكلِهِ المُبْهَمِ
هوَ القَدَرُ المُبْرَمُ اللايُرَدُّ
أم خادمُ القَدَرِ المُبْرَمِ؟!
سَلامٌ عليكَ حَبيبَ النَّبيِّ
وَبُرْعُمَهُ..طِبْتَ من بُرعُمِ
حَمَلتَ أعَزَّ صفاتِ النَّبيِّ
وفُزْتَ بمعيارِهِ الأقوَمِ
دِلالَةَ أنَّهُمو خَيَّروك
كما خَيَّروهُ، فَلَم تُثْلَمِ
بل اختَرتَ موتَكَ صَلْتَ الجبين
ولم تَتلَفَّتْ، ولم تَندَمِ
وما دارت الأرضُ إلا وأنتَ
لِلألائِها كالأخِ التَّوأمِ!
سلامٌ على آلكَ الحوَّمِ
حَوالَيكَ في ذلك المَضرَم
وَهُم يَدفعونَ بِعُري الصدور
عن صدرِكَ الطاهرِ الأرحَمِ
ويَحتضنونَ بكِبْرِ النَّبِّيين
ما غاصَ فيهم من الأسهُمِ
سلامٌ عليهم..على راحَتَين
كَشَمسَين في فَلَكٍ أقْتَمِ
تَشعُّ بطونُهُما بالضياء
وتَجري الدِّماءُ من المِعصَمِ
سلامٌ على هالَةٍ تَرتَقي
بلألائِها مُرتَقى مريَمِ
طَهورٍ مُتَوَّجةٍ بالجلال
مُخَضَّبَةٍ بالدَّمِ العَندَمِ
تَهاوَت فَصاحةُ كلِّ الرجال
أمامَ تَفَجُّعِها المُلهَمِ
فَراحَت تُزَعزِعُ عَرشَ الضَّلال
بصوتٍ بأوجاعِهِ مُفعَمِ
ولو كان للأرضِ بعضُ الحياء
لَمادَت بأحرُفِها اليُتَّمِ
سلامٌ على الحُرِّ في ساحَتَيك
ومَقحَمِهِ جَلَّ من مَقحَمِ
سلامٌ عليهِ بحَجمِ العَذاب
وحَجمِ تَمَزُّقِهِ الأشْهَم
سلامٌ عليهِ..وعَتْبٌ
عَتْبَ الشَّغوفِ بهِ المُغرَمِ
فَكيفَ، وفي ألفِ سَيفٍ لُجِمتَ
وعُمرَكَ يا حُرُّ لم تُلجَمِ؟
وأحجَمتَ كيف، وفي ألفِ سيف؟
ولو كنتُ وَحديَ لم أُحجِمِ
ولم أنتظرْهُم إلى أن تَدور
عليكَ دوائرُهُم يا دمي
لَكنتُ انتَزَعتُ حدودَ العراق
ولو أنَّ أرسانَهُم في فَمي
لَغَيَّرتُ تاريخَ هذا التُّراب
فما نالَ منهُ بَنو مُلجَمِ
سلامٌ على الحرِّ وَعْياً أضاء
وزرقاء من ليلها المُظلِمِ
أطَلَّت على ألفِ جيلٍ يجيء
وغاصَت إلى الأقدَمِ الأقدَمِ
فأدرَكَت الصّوت..صوتَ النّبوّةِ
وهو على موتِهِ يَرتَمي
فما ساوَمَت نفسَها في الخَسار
وَلا ساوَمَتْها على المَغنَمِ
ولكنْ جثَتْ وجفونُ الحسين
تَرفُّ على ذلك المَجثَمِ
ويا سيّدي يا أعَزَّ الرجال
يا مُشرَعاً قَطُّ لم يُعجَمِ
ويابنَ الذي سيفُهُ ما يَزا ل
إذا قيلَ يا ذا الفَقارِ احسِمِ
تُحِسُّ مروءَ ةَ مليونِ سيفٍ
سَرَتْ بين كَفِّكَ والمَحْزَمِ
وتُوشِكُ أن..ثمَّ تُرخي يَدَيك
وتُنكرُ زَعمَكَ من مَزْعَمِ
فأينَ سيوفُكَ من ذي الفَقار
وأينَكَ من ذلكَ الضَّيغَمِ ؟
عليٌّ..عليَّ الهُدى والجهاد
عَظُمتَ لدى اللهِ من مُسلمِ
وَيا أكرَمَ الناسِ بَعدَ النَّبي
وَجهاًّ…وأغنى امرىءٍ معدمِ
مَلَكتَ الحياتَين دُنيا وأ ُخرى
وليسَ بِبَيتِكَ من درهمِ
فِدىً لِخشوعِكَ من ناطقٍ
فِداءٌ لِجوعِكَ من أبْكَمِ!
قَدِمتُ، وعفوَكَ عن مَقدَمي
مَزيجاً من الدّمِ والعَلقَمِ
وَبي غَضَبٌ جَلَّ أن أدَّريه
ونَفسٌ أبَتْ أن أقولَ اكظِمي
كأنَّكَ أيقَظتَ جرحَ العراق
فَتَيَّارُهُ كلُّهُ في دَمي
ألَستَ الذي قالَ للباترات
خُذيني..وللنَّفسِ لا تُهزَمي؟
وطافَ بأولادِهِ والسيوف
عليهم سوارٌ على مِعصَمِ
فَضَجَّتْ بأضْلُعِهِ الكبرياء
وصاحَ على موتِهِ : أقدِمِ
كذا نحنُ يا سيّدي يا حُسَين
شِدادٌ على القَهرِ لم نُشكَمِ
كذا نحنُ يا آيةَ الرافدَين
سَواتِرُنا قَطّ ُ لم تُهْدَمِ
لَئِن ضَجَّ من حولكَ الظالمون
فإنّا وُكِلنا إلى الأظلَمِ
وإن خانَكَ الصَّحبُ والأصفياء
فقد خانَنا مَن لهُ نَنتَمي
بَنو عَمِّنا..أهلُنا الأقرَبون
واحِدُهُم صارَ كالأرْقَمِ
تَدورُ علينا عيونُ الذِّئاب
فَنَحتارُ من أيِّها نَحتَمي
لهذا وَعنا عُراة الجِراح
كِبارا على لؤمِها الألأمِ
فياسيّدي ياسَنا كَربلاء
يلأليء في الحَلَك الأعتم
تشّعُ منائرُه بالضّياء
وتذخرُ بالوجَعِ المُلهِم
وياعطشا كل جدْب العُصور
سينهلُ من وِرده الزّمزم
سأطبعُ ثَغري على موطِئيك
سلامُ لأرضِك من ملثم
 
 
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.