“الحرة”: ست سنوات من الفشل.. بقلم: جيمس زغبي

0

عندما أنشئت محطة "الحرة"، التلفزيونية الفضائية، التي تمولها الحكومة الأميركية، كان الهدف منها أن تشكل أحد المكونات الأساسية ضمن الجهود الأميركية الرامية إلى كسب عقول وقلوب الشعوب العربية، لكنها لم تكن فكرة صائبة؛ سواء عندما أطلقت لأول مرة في عام 2004، أو لاحقاً عندما تكرس فشلها، كما لن تكون فكرة جيدة في أي وقت من المستقبل لأن الفشل سيبقى ملازماً لها. فقبل أسبوعين فقط رصد مجلسا الشيوخ والنواب الأميركيان تمويلا إضافياً للمحطة قدره 112 مليون دولار لعام 2010 لترتفع تكلفة هذه الفكرة السيئة إلى 650 مليون دولار منذ إنشائها، يسددها دافع الضرائب الأميركي، لكن قبل عام على إطلاق المحطة جاء مؤسسها ليزورني في محاولة منه لإقناعي بجدوى الفكرة وقيمتها الكبيرة، ومع أني استمعت إلى الشخص وللحجج التي قدمها، فإني بقيت على موقفي المتشكك والرافض للفكرة من أساسها، ففي الوقت الذي بدا فيه الرجل مطلعاً على وسائل الإعلام الأميركية وعارفاً بتفاصيلها، كان واضحاً أيضاً أنه لا دراية له البتة بالمشهد العربي وما يجري فيه من تطورات، فالعالم العربي لم يقف قط وراء "ستار حديد" ولم يمنع الناس أبداً من الوصول إلى المعلومات القادمة من العالم الخارجي، ورغم كل الانتقادات والهفوات التي يمكن الإشارة إليها فيما يتعلق بالقنوات الفضائية العربية، واشتراكها أصلا في باقات تعرض برامج أميركية، فإن ما لا يمكن إنكاره هو التنوع الكبير في البرامج التي تعرضها القنوات العربية والانفتاح الواضح الذي يمتد إلى أميركا نفسها من خلال الأخبار والرياضة والترفيه وغيرها مما تحفل به الساحة الأميركية.

 
ومن خلال عملي مع ثلاث محطات تلفزيونية عربية، هي "ام بي سي" و"أي آر تي" و"أبوظبي"، فإن المحطات العربية تشتري حقوق البث لبرامج أميركية تعرضها على مشاهديها، وفي الكثير من الأحيان سعت إلى الدخول في شراكات واتفاقيات تعاون مع شبكات أميركية. لذا وبالنظر إلى هذا التنوع الكبير في الإعلام المرئي العربي وانفتاحه الواضح، اعتبرت المحاولات الأميركية لتأسيس قناة ناطقة بالعربية جهداً ضائعاً لا يحمل أي قيمة مضافة عدا إثقال دافع الضرائب الأميركي بمصاريف إضافية. لكن علاوة على هذا الانشغال بجدوى تقديم جديد في فضاء إعلامي عربي متنوع ومنفتح، كان لديّ انشغالان آخران؛ الأول يتعلق بافتقاد أميركا لمحطة من طراز هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وهي المحطة التي اكتسبت شهرة عالمية وتحولت إلى علامة تجارية تتوفر على موارد مهمة وكفاءات رفيعة المستوى، بحيث كان من السهل على "بي بي سي" إطلاق قناتها الناطقة بالعربية وفرض نفسها كوسيلة ذات مصداقية في تقديم خدمة إخبارية متميزة. وهو على كل حال ما اشتهرت به القناة طيلة السنوات الماضية، وفي المقابل لا تملك الولايات المتحدة تقليداً شبيهاً بهيئة الإذاعة البريطانية بحيث سيكون عليها الانطلاق من لا شيء لتأسيس قناة يُراد لها مخاطبة عالم عربي سينظر إليها على أنها أداة دعائية أميركية، وهو فعلا ما تقره أميركا بكل بساطة ولا تسعى إلى إخفائه. أما الانشغال الثاني فيتعلق بالشعبية المتدهورة للسياسات الأميركية في المنطقة العربية والتشكك إزاء الإدارات المتعاقبة، ما سينعكس سلباً على مصداقية القناة في الأوساط العربية. وبالنظر إلى الإقبال الجيد الذي تحظى به البرامج الأميركية وشعبية المواطنين الأميركيين العاديين لدى العرب، لم تكن هناك حاجة لتأسيس الحكومة الأميركية لقناة ناطقة بالعربية.
 
وعندما اتصل بي موظفون من لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الأميركي لاستطلاع رأيي حول تأسيس القناة، عبرت عن استعدادي لتقديم رؤيتي حول الموضوع، فقلت لهم إنه بدلا من إهدار مائة مليون دولار سنوياً على قناة لن يكتب لها النجاح، فإنه من الأفضل إقامة صندوق لتشجيع إنتاجات مشتركة بين القنوات العربية والأميركية، وتوفير فرص للصحفيين العرب في المحطات التلفزيونية للعمل مع نظرائهم الأميركيين، وهي أمور ستكلف أقل وتعود بالفائدة على الجميع، لكن لأن اللجنة كانت قد حسمت أمرها مسبقاً، لم أستدع للإدلاء بشهادتي العلنية.
 
واليوم وبعد مرور ست سنوات على نشوء "الفكرة السيئة"، تأكد للجميع تهافت القناة وصعوبة تنافسها مع زميلاتها الأكثر احترافية على الساحة العربية، لكن رغم ذلك وبسبب الفتور الذي يعتري الحكومة الأميركية، فهي مازالت تواصل تمويلها بمخصصات مالية ما فتئت ترتفع عاماً بعد آخر، وبعدد موظفين قفز من 167 إلى أكثر من 650. وفيما تعلن "الحرة" أن نسبة مشاهديها تصل إلى 9 في المئة (وهي نسبة تنطوي على الكثير من المبالغة) تشير استطلاعات الرأي التي أجريناها إلى أن تلك النسبة لا تتعدى 2 في المئة في أفضل الأحوال، كما أن برامجها لا تستطيع منافسة ما تقدمه القنوات الأميركية الأخرى، أو المحطات العربية المتواجدة في الساحة، هذا ناهيك عن الاختيار السيئ لكبار موظفيها بحيث يرأس على سبيل المثال قسم الأخبار قائد سابق لحزب لبناني يميني، كما أن أحد برامجها الأسبوعية يقدمها مسؤول بارز في أحد مراكز التفكير المعروفة بدعمها السافر لإسرائيل
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.