إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

للمافيا بنوكها في الجزائر

 

لم اقتنع يوما بأن هنالك فضيحة تسمى بفضيحة بنك الخليفة أو فضيحة البنك التجاري والصناعي في الجزائر، لأن ما يُراد له أن يكون فضيحة لا يرقى برأيي إلى مستوى الفضائح التي تحدث يوميا بالبنوك العمومية، التابعة لسلطة وسلطان الدولة في الجزائر، فهذه البنوك وعلى عكس ما يعرفه العامة، تعمل لصالح فئة من المحظوظين، تُمول مشاريعهم الوهمية، وبملايير الدينارات، وتفرض على الكل أن يقتنع بأن القرض العمومي قد سُخّر لخدمة الصالح العام، وأنه استوفى كل الشروط التي تضمن استعادته إلى الخزينة العمومية، كما أنني لم أقتنع يوما بأن تمويل الصفقات العمومية بمئات الملايين من الدولارات، كان يصب في خدمة الصالح العام، فآخر الأخبار تفيد بأن شركات صينية دفعت عمولات بمئات الملايين من الدولارات للحصول على مشاريع في الجزائر، كما أنني سمعت وكالآخرين أن مشاريع انجاز الطريق السيار شرق غرب قد دُفعت فيها رشاوى بمئات الملايين من الدولارات، وسمعت وتأكدت أن أحد محلات بيع البيتزا بأرقى أحياء العاصمة، تحول إلى أهم مركز لعقد الصفقات المشبوهة، لأن المشرفتين عليه، هما من زوجات أصحاب الحل والعقد، على أعلى المستويات، وعلمت أيضا أن ملاهي ليلية بالعاصمة، سلطانها يفوق بآلاف المرات سلطان الإدارات العمومية، وتيقنت أن الممثلين الحقيقيين الذين يجوز لهم تحديد كيفيات تسيير وإدارة أملاكنا العمومية، ما هم في الحقيقة سوى بائعات الهوى في بعض الملاهي الليلية، والأماكن الحمراء، خاصة بالمناطق المحمية من هوس وشغب الشعب، كنادي الصنوبر وموريتي، هذه المحميات التي لا يدخلها إلا المنتمون للأسرة الحاكمة، وبكل تأكيد إنها أسرة حاكمة، فقد كانت لي الفرصة أن أعيش بعض الوقت في حظيرة هذه المملكة الخاصة، ورأيت بأم عيني كيف أن كل الخدم والحشم الذين يتولون إدارة خزائن الدولة، كانوا لا يلتحقون ببيوتهم إلا بعد أداء واجب الزيارة إلى المحميات، وكنت أرى كيف أن مدراء البنوك والمؤسسات الفاعلة كانوا يتنقلون بين الطاولات في مطاعم المحمية لتقديم آيات الولاء والطاعة، ظننت للحظة أنني أُصبت بالجنون، وتأكدت أنني سوف أُجن إن أنا بقيت مع هذه الجماعة، وازددت يقينا لما استقدمت سيارة نفعية لنقل أمتعتي إلى مدينة وهران، فعند وصولي إلى الحاجز الأمني الذي يُمكنني من مغادرة هذه المحمية، طلبت من المكلف بالأمن وهو عنصر في الدرك الوطني أن يفتش السيارة النفعية، قبل أن أخرج من جغرافية فساد المحمية، لكن هذا الأخير فاجأني بأنني أول واحد يطلب منه فعل ذلك، فالجماعة كانت تُخرج الشاحنات مملوءة بعتاد المحمية ولا أحد يجرؤ على تفتيشها، كان إصراري كبيرا أمام هذا الدركي الشاب، ولم أغادر نقطة التفتيش دونما أن أُُفتش، لكن ما هزّ مشاعري وأثار أعصابي أن هذا الدركي الشاب قالها لي بصراحة: " لم يسبق لي أن طلب مني أي مسؤول أن أفتشه، وأنت أول واحد يجبرني على ذلك" هذه الحكاية البسيطة تعكس حقيقة ما يقع في المحميات فلا احد من سكانها يسمح لمسؤول الأمن أن يراقبه ويفتشه، ولا أحد منهم يسمح لمؤسسات الدولة أن تمارس عليه الرقابة  التي تخص بنظرهم عامة الشعب، هؤلاء ليسوا ملزمين بتقديم الضمانات للبنوك، ولا أحد يجبرهم على تقديم طلب لملاقاة مسؤولي البنوك فهم من يأمر هؤلاء بالقدوم إليهم وقضاء حاجياتهم، بحسب ما يرون أنه هو القانون، إنهم ببساطة من يُشرّعون القوانين، ويفرضون على الجميع تطبيقها، خدمة لهم لا غير، فالدولة دولتهم، والبنوك بنوكهم وهم ليسوا بحاجة إلى إنشاء بنوك خاصة لخدمة  مشاريع المحمية، فهم من يُرخص وهم من يمنع ومن يعاقب، ومن الأفضل لهم أن يكون لهم بنوكهم العمومية ينهلون منها ما شاؤوا ووقتما شاؤوا… فهم الأسياد وبقية الشعب عبيد، "وما العبد وما ملك إلا لسيده " في منطقهم، فعاشت عمومية البنوك، وخصوصية الامتياز، والاستفادة بدون إفادة.
 
جمال الدين حبيبي
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد