إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

“سلطة التعليم”:ضرورة خلق نظريات معرفية وتربوية جديدة

Ta3leem(1)عزيز العرباوي

[email protected]

الحديث عن التعليمي بلادنا أصبح لا يعني فقط، كما يتبادر إلى أذهان البعض عملية بمثابة التقليل من شأنه أو التنقيص من ضرورته، أو حتى نفي إصلاحه وتغيير المسار الضائع الذي يمشي فيه باعتباره قاطرة التقدم والرقي إلى الأمام لمسايرة التغيرات العالمية والتحولات الاقتصادية والسياسية التي يعرفها العالم، والتي تؤثر تأثيرا واضحا على كل القطاعات بما فيها قطاع التعليم، ولو كان الحديث الذي اتخذناه منطلقا لإبداء آرائنا مقصورا على نفي "سلطة التعليم" ووجوده وضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من تأثيره على المجتمع، لكان من البداية إيضاح البعد النقدي الذي نتخذه. وبدلا من الحديث عن إرجاع سلطة شايعة للقطاع التعليمي ببلادنا التي فقدت عبر الزمن، إن بصفة مباشرة أو غير مباشرة كما يفعل البعض من كتابنا والبيداغوجيين، كان يجب الدفاع عن توجهات أخرى يحاول البعض إلصاقها بالقطاع التعليمي، لكننا في حقيقة الأمر أردنا أن نستغل مساحة ولو ضئيلة تمتد على قدر أنفسنا للدفاع عن الرمق الأخير الذي لازال تعليمنا يحافظ فيه على صحته وعافيته .

"سلطة التعليم" التي نطالب بإرجاعها إليه إذن في حديثنا هذا ليس هو تجريد القطاع من قدرته على التأثير والتأثر وعلى تحقيق أهداف سامية، بل نفي كل سلوكات الترقيع والتشتيت في النظريات المعرفية والتربوية والأفكار الواردة جاهزة من الغرب بلباس التقديس سواء كان ذلك النفي بقبرها نهائيا أو بتنقيحها تنقيحا يلبس لباس القيم المغربية والوطنية كما فعلت العديد من البلدان التي خطت خطوات عظيمة نحو الرقي والازدهار وأصبح يضرب بها المثل في كل حين .

من الطبيعي، ونحن نتابع الواقع التعليمي ببلادنا داخل رقعته الحالية وحتى داخل رقعته التي سبقت الحالية، نجد أن هناك مساحة واسعة تجمع بين المتنافر وغير المتجانس من النظريات المعرفية والتربوية والأفكار الطائرة والعابرة للقارات دون رقيب. فما يصلح مثلا كمعرفة في دولة أجنبية لا يصلح في بلد عربي إسلامي، إلا إذا أخذ ونقح حسب حاجيات هذا البلد ومتطلبات المتعلمين فيه، وهذا كله في حالة عدم وجود نظريات محلية وطنية. فدوافع أصحاب النظريات الغربية تختلف كثيرا عن دوافع مفكرينا ومبدعي النظريات التربوية عندنا. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول أن مظلة واحدة لا تستطيع أن تحجب عنا قطرات المطر المتهاطلة بحكم كثرتنا، وأن طريقتنا في الاحتماء من المطر ليست هي نفس الطريقة التي يحتمي بها الآخرون، رغم أن الهدف واحد نشترك فيه جميعنا مع الآخر، ولكن الوسيلة تختلف… إذ أن الدوافع التي تدفعنا لأن نستعمل المظلة في بعض الأحيان ليست هي الدوافع التي تدفع الآخرين لاستعمالها، مما يترتب من خلال هذا المنطلق اختلافا بائنا علينا أن نضع له حسابا في كل محاولة إصلاحية أو تصحيحية .

وربما تجدر الإشارة من هنا إلى أننا حينما نتكلم عن "سلطة التعليم" فإننا بذلك نعني ما يمنحنا التعليم ويفرضه علينا نحوه من عناية وتتبع، وعلى الدارس للوضع أثناء دراساته أن يلتزم بكل معطيات الواقع الموجود. وهكذا تتمحور قراءتنا للوضع التعليمي حول الاختلالات الواضحة التي يمارسها المصلح أثناء تنظيره، وحين تطبيقه لبنود الإصلاح، لكننا هنا نؤكد بوضوح أن القراءة الواضحة التي نتحدث عنها في هذا السياق نفسه ليست هي القراءة الاستهلاكية المراوغة التي نجدها منتشرة في كل مكان وعلى كل لسان. وبالعكس نتحدث عن قراءة جديدة يمارسها الكل، فنجدها عند المدرس داخل فصله الدراسي، وعند المتعلم مع أسرته وزملائه، وعند الصحفي، والكاتب والروائي والشاعر، … وهي قراءة نقدية واعية تروم الواقعية والحقيقة إلى الدرجة العليا .

ومرة أخرى نذكر القاريء والمتتبع للشأن التعليمي بأن كل الطرق تؤدي إلى التعلم والمعرفة، بل إن هذه الطرق قد تذهب بعيدا إلى خلق مجتمع معرفي جديد مختلف، لكننا سنصل في الأخير إلى تعددية معرفية من كل الألوان والأصناف المتوفرة في كل المجتمعات الغربية التي تعاني بدورها من التفسخ الأخلاقي والانحلال القيمي. لذلك، فالمطلوب منا أن نرسم طريقا واحدا يكون بمثابة السبيل الأنجع نحو تقدم ملموس يليق بأمة مجددة .

لهذا لابد لنا أن نتخطى نحن أيضا تلك الوقفة التراجعية الموغلة في إصلاحاتنا كلها، لندخل في صلب انطلاقة نحافظ فيها على قيمنا ومبادئنا كأمة موغلة في تاريخ الحضارات والمعارف والحكم، حيث يكون التعليم هو القاطرة التي تحمل الحضارة والنهضة المغربية خصوصا والعربية عموما على عاتقها، لذلك يكون من الواجب أن نتبنى دراسة للأصول والمرجعيات التاريخية تكون منطلقا لإصلاح جديد، كنظرية معرفية نقدية لا تتزأ في ديباجتها عن نسيج المعارف الموجودة في الساحة التربوية مع قدرة وإرادة شخصية لكل مصلح ومجدد لإبداع أفكار ونظريات مرجعية جديدة .

لكننا في الوقت نفسه، لن نترك المتتبع يلج تيه المرحلة الجديدة التي نحن بصددها الآن، وهي عمق التيه الحقيقي، من دون أن نفصل مظاهر هذا التيه لوجود العديد من الظواهر والأمور الواضحة للعيان ولكل المتتبعين للشأن التربوي. ومن دون أن نقدم نموذجا أو نماذج لتلك الظواهر، وسنرجيء هذه الأمور إلى فرصة قادمة نفصل فيها بعض هذه المظاهر التي توضح التيه الحقيقي الذي يهيم فيه الإصلاح الجديد .

فالارتباك في المرحلة الراهنة من هذا الإصلاح باد بشكل واضح في طريقة معالجة بعض القضايا، كالبنيات التحتية بكل أصنافها، والموراد البشرية والمشاكل التي تعرفها هذه الموارد،  فنجد اكتظاظا في بعض النيابات، وخصاص في أخرى، إضافة إلى غموض المقاييس المعتمدة في توظيفها والتي تعمها الفوضى الكاملة التي تسيطر على المشهد التربوي بكامله، خاصة عند مرحلة التطبيق. وكل هذا يوضح أن الإصلاح الجديد يستخدم مصطلح الحداثة كعباءة فضفاضة لتغطية الأخطاء التي وقع فيها الإصلاح ما قبل الحالي، والنتائج الناقصة والضعيفة التي وضل إليها بدوره بعد سنوات من بداية تطبيقه، كل ما في الأمر أن القوى الإصلاحية تأثرت بشيء من التيه الفكري بالنظريات الغربية دون تنقيح وغربلة، فصارت هذه النظريات عبئا ثقيلا على الفاعلين، عبئا يكون عنصر تنفير للإبداع والخلق داخل الفصل والجماعة. والحقيقة أننا، بسبب أهمية النظرية الغربية وعلم النفس وتخطيه لكل الخطوط الحمراء، وبحثه في الممنوع، كان دافعا للعديد من مفكرينا لتبني هذه المقاربات بشكل تقديسي كأنها أسفار وكتب مقدسة مستوحاة من السماء تبحث عن الجديد وتواجه الطابوهات والخطوط الحمراء .

الوقفة عند هذا الموضوع محورية وبالغة الأهمية بمكان في تقرير مصير هذا الإصلاح. خاصة فيما يتصل باستبعاده لآراء وانتقادات الفاعلين، وهو الاستبعاد الذي كان وبالا على الكثير من هؤلاء وعلى القطاع عامة، ورفضا لاسترجاع الازدهار التعليمي الذي استشرى عقودا عديدة .

 

 

 

عزيز العرباوي

كاتب

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد