إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

السنة والشيعة بين مكر الساسة وعواطف العامة

Sonaa(2)سيدي محمد ولد جعفر

[email protected]

السنة والشيعة مصطلحان كارثيان ينخران ما تبقي من جسم الإسلام  المهترء ،منذ أن  أجهز عليه أحفاد مسلمة الفتح وارستقراطيات المجتمع الجاهلي قبل أن يشتد طوقه ، فنجحوا في تحويل مسار نظام الدولة التي حاول وضع أسس لها على قاعدة  مبدأ الكفاءة في تولي الوظائف (أنفذوا جيش أسامة يقول عليه الصلاة والسلام ، لو كان أبو عبيدة حيا لوليته عليكم يقول عمر ) أفشلوا التجربة التي مازلنا نبكيها، تجربة أثبتت أن الحوار وعدم الإقصاء هو ضمانة الاستمرار ، تجسد ذلك في ظهور ثلاث اتجاهات قبيل دفن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، اتجاه آزر الصديق وحمل لوائه عمر بن الخطاب واتجاه رشح عليا وباركه الزبير بن العوام ، واتجاه خزرجي قاده سعد بن عبادة، ورغم أن هذا الأخير لم يكتب له الاستمرار بعد تخاذل قومه عن نصرته ،(كانت مطالبته وجيهة  فعلى المستوى الشخصي شهد العقبة  واختير نقيبا ، وشهد المشاهد المزكية كلها، وعلى المستوى القبلي فإن جماعته هي الأكثر شهداء ) فقد سن فشله  سنة لم يُعمل بها في تاريخنا الإسلامي ، وليتهم عملوا بها ، أجل فقد قاطع  الرجل الكل بكلمته المشهورة "لن أبايع قرشيا" كما سن معارضوه المنتصرون سنة في معاملته  كمعارض سياسي -لم ننعم بها أيضا- إذ لم يسجنوه ولم يصادروا ممتلكاته ولم يتهموه بالخيانة ، ولا بشق عصى الأمة، أنتصر جناح أبي بكر ، وظل جناح عليا رافضا الأمر الواقع حتى وفاة  الزهراء ، التي لم يقل أحد أنها ماتت "ميتة جاهلية" لأنها لم تبايع؟ وظل تيار الساخطين ملتزما بقواعد اللعبة حتى دب الهرم في رأس السلطة (أيام عثمان) واستولت أرستقراطية مسلمة الفتح (الأمويون) على مفاصل دولة الطيبين ، فلم تجد الغوغاء والمستضعفون مخلصا من عودة معذبيهم بالأمس القريب إلى مراكز القيادة ، وكانت الظروف مهيأة للثورة ، فثاروا  لسبب تافه كان بالإمكان تلافيه لولا نفوذ مسلمة الفتح في مفاصل الحكم ، وقتل الخليفة،(عثمان) وبويع أخر (عليا) مبغوض من مسلمة الفتح وارستقراطيات ما بعد فتوحات عمر؟فتغيرت التحالفات، واندلعت الحرب الأهلية التي ختمت بمقتل آخر أمل راهنت عليه شريحة واسعة من الأمة ، فعادت الهرقلية في ثوب ديني هذه المرة، وأصبحت الساحة حبلى بثلاث تيارات كلها سياسي حتى الثمالة ، تيار رافض للواقع الذي فرضته بالقوة أرستقراطية ما قبل الإسلام يرى أصحابه  أحقية أبناء البيت النبوي وحدهم في قيادة الأمة، وتيار من المحرومين يرى "أن الحكم لله" (الخوارج) ومجموعة السلطة ترى أنها تحكم بإرادة الله وليست مسؤولة أمام الرعية، .فاندلعت الثورات والحروب ،كانت كلها حروبا سياسية ، لا دخل للدين فيها ، وتوجت بإسقاط  دولة مسلمة الفتح في النصف الأول من  القرن الثاني الهجري وآل الأمر إلى بيت ليس ببعيد بُعد من سبقه عن البيت النبوي ،(العباسيين) ولم يكن أحفاد الرسول الأقربين في ظله بأحسن حالا مما كانوا عليه  في الأيام الخوالي من قتل وتشريد ، وزيد بث الشكوك حول انساب من أصبحت له شوكة منهم (مثل الآدارسة والفاطميين)

قبل التوظيف السياسي لمفهوم السنة.

في الجانب الأخر من اللوحة  كان جدل فكري يواكب التطورات السياسية ، ممثلا الوجه المعرفي الراقي لما وصلته الأمة من نضج ناتج عن استحداثات الديانة الإسلامية الشابة ، وبعقلانيتها المميزة التي دشنت بها الحوار مع سكان الإمبراطورية من غير المسلمين،في الموضوع الأكثر تعقيدا ،موضوع العقيدة ،وعلاقة الخالق بالمخلوق ، تطور ت تلك البحوث وتلك النقاشات لتنتقل إلى حوار بيني انقسم أصحاب الفكر- المنقسمين أصلا على السياسية – حوله  وما إن وصل كبار المثقفين إلى السلطة (المأمون العباسي) حتى حملوا معهم إلى القصر ذلك الجدل الكلامي في العقيدة الذي كانت تعج به الإمبراطورية   ، وحاولوا فرضه على حساب معارضي ذلك التوجه ، فدخلت الدولة على الخط مرجحة كفة العقلانية (الاعتزال) واستعملت العنف في موضوع لا يحتاج سوى الحوار والمحاججة، فكان تصرفها سنة سيئة ، واستطاع الخصوم  كسب ود الشارع الساخط  لأسباب قد لا تكون بالضرورة نصرة لمخالفي توجه الدولة الفكري؟ حاملين شعار "أنهم أهل السنة والجماعة " معتبرين مخالفيهم "أهل البدع "، هكذا ظهر المصطلح (سني) في القرن الثالث الهجري وسوغته الدولة المتوكلية وتبنته في مطاردة خصومها وتصفيتهم ،هو مصلح ظهر من رحم السياسة وتبنته السياسة فأصبح مع الزمن لا يجوز الإسلام الصحيح خارجه ،إذا نحن نعيش منذ زمن مرغمين على القبول بأن من شروط الإسلام أن تكون  سنيا بالمفهوم الأيدلوجي كما أراد له الفكر السياسي ، وان يكون الأخر بالنسبة لك زنديقا أو مبتدعا أو بلغة العصر مسلم من درجة ثانية وكأن الكل لا يدعي أنه على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ،إنه تعبير لم يولد على أيد الفقهاء ولا على أيد المحدثين وإنما ظهر على يد المتكلمين  تماما مثل  ما ولدت الشيعة الأثنى عشرية من رحم الطائفة   الزيدية من الشيعة.

بعد التوظيف الأيدلوجي؟

بوصول الخليفة العباسي المتوكل إلى السلطة بد أ نجم تيار علم الكلام الرافض لفكرة القول بخلق القرءان في السطوع ، ،وبدا انتصارهم يًصاغ صياغة أيدلوجية باعتباره انتصار ا  لما كانت عليه الأجيال السابقة (السلف الصالح) وبدءوا  يطلقون على أنفسهم مصطلح "أهل السنة والجماعة" وعلى مخالفيهم "أهل البدع والزيغ " وقد نظر لهذه الأيدلوجيا ودافع عنها باستماتة  كُتاب  الملل والنحل خاصة عبد القهار البغدادي  صاحب كتاب الفرق بين الفرق والشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل وبدرجة أخف بن حزم في كتابه  الفصل في الممل والأهواء والنحل  وظلت السياسة داعمة  لهذه التوجهات يتجلى  دعمها كل ما كانت الحاجة إليه ، فقد تجلي التوظيف في مواقف  مثقفي الدولة العباسية من الآدارسة والفاطميين وكذلك ما قام به البويهيون الشيعة خلال حكمهم ، وتجيشهم لعواطف العامة بلبس السواد في عاشوراء وإظهارهم بدعة سب الخلفاء الراشدين والصحابة وتعليق ذلك على أبواب المساجد مما أثار العواطف حتى من الشيعة أنفسهم ليقتصروا بعد ذلك على عبارة لعن "غاصبي فاطمة"  وكذلك تجيش الدولة العثمانية وتوظيفها للبعد العقدي في صراعها مع الصفويين الشيعة.

التاريخ يعيد نفسه.

مع بداية مطالع ثمانينيات القرن الماضي نجح أية الله الخميني في إسقاط نظام محمد رضا  بهلوي رجل أمريكا القوي ، وحارس آبار نفط الخليج ، انتصار أعلن القائم عليه في أيامه الأولى منابذة أمريكا وربيبتها إسرائيل وكان الوضع الدولي مساعدا نظرا لوجود توازن الرعب في العلاقات الدولية ، ولم تمض سوى أشهر حتى وقع التصادم مع أمريكا (أزمة الرهان السفارة) واندلعت الحرب مع العراق وكان لافتا  فيها اصطفاف سوريا البعثية  إلى جانب إيران الكهنوتية كما اصطفت السعودية الوهابية ومصر الباحثة عن مساحيق تعيد الممكن من مخلفات كمب ديفيد وقرارات مؤتمر بغداد  إلى جانب العراق العلماني، تحالفات كانت السياسة وجهها الأبرز في تلك الفترة وليس الدين،وإن كانت الجبهة الأفغانية تشهد تجنيد شباب العرب بالأساس من أجل  الجهاد المقدس لأن أرضا إسلامية اغتصبها كفار ملحدون ؟.

بعد تدمير العراق بمباركة سعودية و مصرية وبطلب إسرائيلي كويتي ، وبآلة الحرب الأمريكية دخلت إيران على الخط مناصرة الشيعة في العراق وأنشأت ودعمت فرقا ارتكبت فظاعات ضد السنة ، وظلت السعودية السنية صامتة عن المجزرة ولم تقدم أي عون لسنة العراق بل أحكمت غلق حدودها ومنعت مواطنيها حتى من التسلل لنصرة سنة العراق ، ربما لأن المصالح الأمريكية الإيرانية في تلك المرحلة كانت متطابقة،وجاءت حرب لبنان 2006 وتحركت آلة الإعلام العربي الرسمي والنفطي  رافعة شعار دمروا لبنان حتى لايتشيع  ،وصمدت الشيعة الجعفرية (حزب الله) مدعومة من نظام سوريا -العلماني الشيعي-  ونظام إيران الكهنوتي، وارتفعت أسهم حزب الله في الشارع السني.

في الوقت الراهن شيعة دمشق وطهران يدعمون سنة فلسطين ( حماس) وسنة الرياض يدعمون شيعة صنعاء (عبد الله صالح من الشيعة الزيدية مثل الحوثيين) في الوقت الرهان تشهد الشعوب العربية ديماغوجيا دينية منقطعة النظير ، فالتاريخ يعيد نفسه لا حديث لدى قنوات السنة الدينية سوى الغوص في أعماق التاريخ والبحث عن غرائب زلات أئمة الشيعة في حق الصحابة وتقديمها بنفس الطريقة التأجيجية التي فرض بها البويهيون ظاهرة ضرب الشيعة لأنفسهم في أعياد عاشوراء كأن قتلت الحسين بين أظهرهم فارين من العدالة لا أحد من مجتهدي قنوات الشيعة قال ولو لمرة واحدة أن جعفر الصادق بن محمد الباقر حفيد لأبي بكر الصديق ، بل له عليه ولادتين لأن أمه فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها حفيدة عبد الرحمان بن أبي بكر، ولم يقل أيا منهم أن أمير المؤمنين عليا له ولد سمي عمر بن الخطاب كما لم يقل أي من مجتهدي قنوات السنة  أن الأمويين كانوا يلعنون عليا على المنابر منذ أيام معاوية الأول بل إن خطب الجُمع في جميع المساجد  كانت تختتم بعبارة لعنه حتى أبدلها عمر بن عبد العزيز بالآية الكريمة (إن الله يأمر بالعدل  والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتقون) لا أحد منهم يقول إن جعفر بن محمد من كبار أشياخ مالك وانه روى عنه في الموطأ ، لا أحد يريد للعامة أن تعرف أن ما نشهده  اليوم من تأجيج الصراع الطائفي مصدره السياسية ، والساسة الفاشلين العاجزين  عن تحقيق الحد الأدنى من حاجات شعوبهم تماما مثل ما فعل الذين سبقوهم عند ما كانوا عاجزين عن حماية الثغور.

أصبحت ذاكرة العامة تعتقد أن عليا كان شيعيا وعمر كان سنيا ، لا يقبل من أحد الآن أن يكون مسلما غير سني أو شيعي وكأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان سنيا أو شيعيا إنهما مصطلحان أيدلوجيان وليسا دينين لم يكن الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم يسمون أنفسهم "سنة" للتميز عن غيرهم كان الكل حنيفا مسلما  وكانت شيعة علي مشروعا سياسيا  وليس دينيا.

الأمة في محنة حقيقية لأن علمائها محكومون بخلفيات تاريخية جد معقدة فلارتباط  التاريخي الوثيق بين علماء السنة والسلطة جعلهم أسرى فقه السلطان لأنه راعيهم ، فالمؤسسة الدينية المؤثرة في الفقه السني هي تلك التابعة للدولة والمدافعة عن السلطان، والفقيه الشيعي وبفعل ريع الخمس الواجب دفعه من طرف العامة مستقل عن الدول ولا يخضع لها خضوع نظيره السني غير أنه أسير لأهواء الغوغاء التي تدفع الخمس فلا يستطيع المجاهرة بما يخالف أهوائها والضحية في كل هذا هو مصلحة الأمة.أمور آن الأوان لكشفها وتجاوزها قد يكون المرء مسلما غير سني ولا شيعي والسلف تقال للماضي ولا تقال للحاضر فالذين يتسمون بالسلفية هم مخادعون ديماغوجيون والإمام المعصوم كذبة سياسية  وما يوحد الأمة أكثر مما يفرقها وعدوها الوحيد المستفيد من جلها البيزنطي السخيفة الذي يقوده من يعتقد فيهم ان علماء الأمة وصفوتها.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد