إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

انفلونزا الحمير

Zahedزاهد عزت حرش

 
ظهرت بوادر هذا المرض مع افول صدر الدولة العثمانية، وبالذات في عصر السلطان عبد الحميد الذي نُسب اليه تنابل عصره، ولم يقتصر حينها ظهور بعض تلك العوارض المرضية على تنابله، اذا بدا المرض ينتشر بعدواه ليتخطى حدود قصر السلطان، الى ان وصل الى العديد من مماليكيه واعوانيه وتابعيه، في العديد من اقطار الدوله العثمانية التي كانت تبسط سيادتها على هذا الشرق من اقصاه الى اعلاه.
 
            وعلى الرغم من ظهور بعض الحالات الاستثنائية التي واجهت وباء انفلوزا الحمير في تلك الحقبة، منها ميلاد دولة المعنيين في جبل لبنان ودولة الزيادنة في فلسطين..الا ان محمد علي باشا الذي كان بمقدوره ان يرسخ ظهور التطعيم الشافي لهذا الوباء، ما كان منه الا انه خضع اراديًا للباب العالي وسلطة الدولة العثمانية، فقام يحارب دولة الزيادنة في فلسطين، وساهم مع بقايا من ظل تحت امرة الاتراك في القضاء عليها.. كما قامت عساكر الدولة العثمانية بالقضاء على دولة المعنيين في جبل لبنان.
 
            ومع تطور الحياة بشكلها العام، ومع بوادر ظهور انحلال الدولة العثمانية، بدأت تظهر اطلالات حركة تطعيم عربية وطنية على امتداد الشرق العربي، في الحقبة التي سميت بعصر النهضة، التي كان من رجالاتها العلامة الافغاني، ورشيد رضا، وفرح انطون، واليازجي وامين الريحاني، وادباء المهجر اللبنانين، والسكاكيني في فلسطين ومحمد عبده في مصر وغيرهم الكثير، الا انهم وعلى الرغم من الحصانة التي تحلوا بها وصعوبة تاثير انفلونزا الحمير عليهم.. الا ان الدواء الذي حاولوا بواسطته الحد من تفشي ذلك الوباء الخطير، بقي محدودًا، حتى وان ظهر في تلك السنوات تراجعًا ملحوظًا لتأثير انفلونزا الحمير على القيادات خاصة والجماهير الشعبية عامة.
 
            ولقد كان عصر هؤلاء الاصحاء ممهدًا لظهور قيادات ثورية وطنية عربية على امتداد هذا الشرق.. من محمد عرابي الى عمر المختار وعبد الناصر والعديد من الحركات التحررية والوطنية، في حين بقي في سراديب الحكام التابعين للاستعمار الغربي الحديث، كثيرًا من القيادات التي اصيبت بداء انفلونزا الحمير ونقلتها الى من جاء بعدها من جيل الى جيل.
 
            الا اننا وفي هذا العصر بالذات نشهد تفشيًا رهيبًا لهذا الداء في الشرق، حتى انه لم يعد يقتصر على الزعماء الكبار، فقد تعدى الامر الى ما هو اكثر من ذلك، فبدأت تظهر عوارض انفلزنزا الحمير على القيادات الشعبية والحزبية، والكثير من قادة المؤسسات المدنية التي تعمل على تحديث المجتمع المدني العربي، وهناك ظواهر متعددة لانفلونزا الحمير على صعيد معظم المؤسسات السياسية والاجتماعية، وحتى المؤسسات الدينية التي اصبحت تصدر الفتاوي والتشريعات بناء على الجو العام الذي يشيعه الحاكم في بلد من بلاد هذا الشرق.
 
            ينتشر وباء انفلونزا الحمير على طول بلاد العرب من المحيط الى الخليج، ويتغلغل بدوره الى صفوف الجماهير التي اصبحت لا تأتمر الا بما يمليه عليها زعماؤها التابعون الى دول اجنبية تدوس رقابهم، وهم بدورهم يدوسون رقاب شعوبهم، واذا ما ظهرت بوادر شفاء من هذا المرض العضال، على قادة في المستوى الوطني او الشعبي الجماهيري، في قطر او بلد ما، وان كان بعضهم يملك المضاضات الفكرية والانسانية لمواجهة تأثير انفلونزا الحمير عليهم.. نجد انهم في مواجهة عنيفة مع القوى الكبرى التي تتحكم بمصير شعوب هذا الشرق، فتصبح مصيبتهم ليس في بناء مجتمع ووطن محصن من داء انفلونزا الحمير هذا، انما في مواجهة ذلك العداء والوسائل التي تنتشر وتسيطر على مجريات الحياة في كل بقعة من هذا الشرق، وهي محملة معبئة بفيروس انفلونزا الحمير مما يفوق حد الهيمنة والسطوة الابدية.
 
            ان اخطر مرحلة لتفشي اتفلونزا الحمير في هذا الشرق، يبدو ظاهرًا للعيان، وهو لا يحتاج الى اجهزة مخبرية للكشف عنه، فيكفي ان ننظر الى الواقع العربي الحاكم والمحكوم.. حتى نجد تأثيره الظاهر والمتفشي، سياسيًا واجتماعيًا. فهناك الحكام من ملوك ورؤساء عرب ينفقون ما لا يدركه العقل على ملاذاتهم، في حين يموت الالاف من شعوبهم تحت وطئ الجوع والمرض، وتصرف الملايين تلو الملايين على تعزيز قوى الامن، من شرطة وجيوش وحرس ثوري وحرس جمهوري.. في حين ان الامن القومي العربي منتهك.. يعبث به الاستعمار الامبريالي والصهيوني، وتُختَرَق كافة الجيوش العربية بقذيفة واحدة وبعملية اغتيال تطال من تريد.. تموت غزة جوعًا وعطشًا وبطشًا.. والعرب نائمون، يحلمون بتعدد الزوجات وبناء المأذن… وهناك الاف الامثلة على المستويين النخبوي والشعبي، تدل تثبت حالة تفشي انفلونزا الحمير في هذا الشرق المريض.. فهل من دواء لهذا الداء.!!؟؟
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد