إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ما المقصود بالعولمة … وما هو مفهومها

Shareef(1)شريف سالم

عبر عقود عديدة من الزمن, قامت المجتمعات البشرية في العالم بتكوين شبكة من الاتصالات الإنسانية جعلت الناس على اختلاف ثقافاتهم وعاداتهم ومعتقداتهم أكثر قرباً من بعضهم البعض وخصوصا في عصرنا الحاضر. لقد شهد عالمنا في الحقبة الأخيرة تسارعاً مثيراً لم تشهد له البشرية مثيلاً من قبل. فالثورة التكنولوجية وما أفرزته من وسائل حديثة للنقل والاتصال كالطائرات النفاثة وشبكات الاتصال والكمبيوتر وأنظمة الانترنت وغيرها, جعلت من العالم بمثابة قرية كبيرة بالفعل, يتبادل فيها الناس المعلومات والأفكار والسلع بحرية غير مسبوقة على الإطلاق. على هذا الأساس أصبح جميع الناس يتطلعون إلى المزيد من الحريات والانعتاق والنهوض نحو أفاق أرحب في ظل ما يشهده العالم من نهضة شاملة وضمن معايير وقوانين دولية تحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم وتحافظ على خصوصيتهم كشعوب وأمم لهم ثقافاتهم ومعتقاتهم الدينية وغيرها . بهذا المفهوم تصبح العولمة مطلباً جماهيرياً لكل شعوب الأرض وتحميه وتدافع عنه , لأنه يقرب الناس من بعضهم البعض ويفتح لهم مجال أرحب للتبادل الثقافي والمعرفي والتواصل الإنساني . فالعولمة بهذا المفهوم هو طرح أسلامي تحدث فيه القران الكريم قبل أن تتداوله الأنظمة الحديثة هذه الأيام بألف واربعمئة عام .يقول سبحانه وتعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى و جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم" صدق الله العظيم .                                                                                     
 
لذلك , يمكننا القول بان نظام العولمة هو عبارة عن نتاج طبيعي لحركة الشعوب والأمميهدف إلى تقوية وتعزيز الروابط البشرية بين المجتمعات على أساس الانفتاح والحرية الكاملة في شتى ميادين الحياة . فالعولمة بهذا المعنى يمكن أن تكون سيف ذو حدين , بمعنى أنها يمكن أن تعود بالنفع على كافة الناس في كل مكان , ويمكن بالمقابل أن تكون سبباً من أسباب شقاءهم وتعاستهم أيضاً . فعندما تكون التكنولوجيا , على سبيل المثال , متاحة للجميع دون نظم ترعاها وقوانين تحكم استخدامها , يمكن أن ترتد وبالاً على الناس , خصوصاً فيما يتعلق بتكنولوجيا الأسلحة بأنواعها المختلفة .       
 
 
 
 
 
أبعاد العولمة :                                                             
 
إننا ندرك تماماً أن الثورة التكنولوجية والتطور العلمي الكبير الذي شهده العالم في الثلاثة عقود الماضية قد أبرزا مفهوم العولمة على السطح بشكل ملحوظ , لكن من غير المفهوم أن يقوم بعض الباحثين بربط مفهوم العولمة وحصره تحديداً بالثورة التكنولوجية الحديثة . لا شك أن هذا الحصر لا يعكس الصورة الكلية لمفهوم العولمة خصوصاً إذا ما عرفنا أن للعولمة وجوه مختلفة وأبعاد متعددة . أما فيما يتعلق بالتقنية الحديثة فلا تتعدى كونها إحدى تجليات العولمة في العصر الحديث . نحاول فيما يلي أن نلقي الضوء على بعض الأوجه الخاصة بمفهوم العولمة و نستطلع أراء الباحثين والمتخصصين في هذا المجال .
 
البعد الثقافي للعولمة                                                                         
                                                                        
تعتبر العولمة بمثابة إعلان حالة حرب على كل ثقافات الأرض وشعوبها , وهذه الحرب تفتقر إلى العنصر الأخلاقي من حيث أنها لا تستثني أحداً ولا تعترف بأبرياء, فالكل مستهدف , فما العمل إذا ؟ أمام هذا المد الجارف للعولمة , يبقى أمام الشعوب سبيلان لا ثالث لهما , إما التقوقع ولانكفاء على الذات وبالتالي العزلة والخروج من دائرة الفعل والتأثير البشري ومن ثم الخروج من التاريخ , وإما الدخول في معمعة العولمة مع محاولة الحفاظ على الهوية الثقافية وتقليل الخسائر بقدر الإمكان .     
 
 لم يكن اهتمام الغرب بدراسة الحضارات الشرقية وتصنيفها عملاً بريئا ونقيا في إجماله , بل كان يهدف إلى ألا تتعرف هذه الحضارات على نفسها إلا من خلال الدراسات الغربية والأوروبية مما يشكل عاملاً مهماً في الإبقاء على الهيمنة الغربية بعد اضمحلال النزعة الاستعمارية المباشرة في النصف الثاني من القرن العشرين . هذه الهيمنة الثقافية التي تمثل صورة أكثر تحضراً من الاستعمار المباشر مستمرة الآن في صورة ما يعرف اليوم بالعولمة الثقافية , والتي تهدف إلى إحداث تقارب بين ثقافات الشعوب المختلفة لدرجة ذوبان الفوارق الحضارية بينها , وصهرها جميعاً في بوتقة ثقافة واحدة ذات خصائص مشتركة . إلا أن الثقافة العولمة تلك والتي يراد تعميمها هي في واقع الآمر ثقافة الغرب الرأسمالي التي تحمل في حناياها مبادئ وقيم مادية بحتة .                                           
 
من الثابت والمؤكد أن حياة الإنسان لا تستقيم اذا ما عاش وفقاً لثقافة أحادية الجانب تقطع الصلات بكل الثقافات الأخرى وترفض التواصل معها لصالح أية قيمة أخرى مغايرة . يؤكد بعض الباحثين أن الإنسان قد يتظاهر بقبول هذه الثقافة الأحادية الجانب ويتعلق بها أول الآمر ولكنه سيكتشف حتماً أوجه قصورها ويرفضها في نهاية المطاف . لقد تنبه بعض الفلاسفة الغربيين في العصر الحديث إلى خطورة هذا المنحى وحذروا من سيادة هذا النموذج الثقافي وخطورة ليس على المجتمعات الأخرى فحسب , بل على المجتمعات الغربية أيضاً , حيث ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين توقعوا انهيار الحضارة الغربية ككل إن لم تتراجع عن صهر ثقافات الشعوب لصالح الحضارة الغربية وسيادة قيمها .          
 
البعد الاقتصادي للعولمة                                                                      
 
يشكل ألاقتصاد أحد أهم الأبعاد التي تعنى بها العولمة , ولا شك أن التقنية الحديثة قد ساهمت بشكل كبير في إعطاء البعد الاقتصادي للعولمة عمقاً وفاعليةً وتأثيراُ أشد وأقوى من اى وقت مضى , من حيث أنها ساهمت في اتساع رقعة التبادلات التجارية إضافة إلى أنها يسرت عملية تدفق رؤوس الأموال بين الدول مما دفع المؤسسات الاقتصادية العالمية إلى إعادة النظر في منظومة القوانين الدولية الخاصة بتنظيم حركة التبادل التجاري بين الدول . لكن المؤسف أن مجمل القوانين والتعليمات الموضوعة في هذا الشأن زادت من هيمنة الدول الكبرى على اقتصاديات الدول الصغيرة مما وسع الفجوة بين من يملك ومن لا يملك .                                                                  
 
يرى معظم الباحثين المناوئين لنظام العولمة هذه الأيام , أن هذا النظام بشكله حالياً , يمثل تهديداً حقيقياً للمجتمعات البشرية واستقرارها في كل مكان . و يروا كذلك أن هذا المفهوم وليد لأجندة سرية " النظام العالمي الجديد" تشكل نظاماً إقطاعياً فاشياً يهدف إلى السيطرة على العالم وإجبار الشعوب على اعتناق ديانة وضعية واحدة وجيش بوليسي عالمي واحد ومصرف مركزي واحد وعملة واحدة وبالتالي يمكنهم السيطرة على كل الجوانب الحياتية للناس والتحكم بهم من المهد إلى اللحد .                                                                                      
 
تقوم وسائل الإعلام المختلفة هذه الأيام , وبشكل شبه يومي , بترديد كلمة العولمة , فيتبادر لذهن العامة عند سماع هذه الكلمة معاني كثيرة , لكن من المؤكد أن كل هذه المعاني في مجملها لا تكاد تتعدى الاقتصاد والسوق المفتوح وتبادل السلع والخدمات بحرية أكبر وربما أكثر من ذلك او أقل , لكن هذا التصور لمفهوم العولمة هو فهم سطحي لا يتعدى القشور اذا ما أدركنا أن العولمة , كما يطرحها علماء الفكر والباحثين إضافة إلى النخب السياسية والاقتصادية في العالم اليوم , تشمل كل الجوانب الحياتية للناس وفي كل المجتمعات . لقد ساهمت الوسائل الإعلامية تلك بخلق انطباع لدى الرأي العام في كل مكان , بان العولمة ستحقق لأفراد المجتمع الرفاه الاقتصادي وتكافؤ الفرص والحرية وستوفر العديد من فرص العمل وما إلى ذلك . يمكن أن يكون هذا الانطباع واقعياً اذا ما سار مفهوم العولمة ضمن سياسات وقوانين عالمية تحضى بتوافق دولي على مستوى الشعوب والحكومات على حد سواء , أما اذا بقيت مقتصرة على مستوى ونخب ومؤسسات دولية احتكارية ودول وحكومات تسعى للهيمنة , فستعطي نتائج عكسية تماماً . لا نقول هذا من باب التشاؤم ولكن العديد من الإحصائيات الدولية تعطي مؤشرات غير مشجعة في هذا الاتجاه. تشير هذه الإحصائيات إلى أن معدلات البطالة والفقر في مختلف دول العالم في ازدياد , وان مستويات المعيشة في تراجع مستمر , خصوصاً في الدول الفقيرة , حيث وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ مدة طويلة , إضافة إلى ارتفاع عدد من يفقدون وظائفهم كل عام وارتفاع مستويات التضخم والمديونية في تلك الدول .                                             
 
في دراسة منشورة للباحث كيفين داناهر , يقترح فيها بعض الخطوات لتصحيح مسار العولمة ويؤكد على الفكرة التي تحدثنا عنها أنفاً التي تتعلق بأهمية المشاركة الشعبية في رسم معالم المستقبل لكل الأمم والشعوب في العالم . ومن أجل إحداث التغيير المطلوب في مسار العولمة الحالي , فقد طرح بعض النقاط منها:                                                                                    
                                                                                 
 1- لا عولمة دون مشاركة شعبية : تقوم المؤسسات الاقتصادية الكبرى في العالم مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسة التجارة العالمية برسم السياسات المالية والاقتصادية في العالم دون مشاركة المؤسسات التي تمثل الشعوب والأفراد في دول العالم , والمطلوب هو مشاركة تلك المؤسسات والمنتخبة ديمقراطيا , ليس فقط في صياغة القوانين والسياسات وإنما في تنفيذها والمشاركة في عمليات التقييم فيما بعد .                                                                            
 2- المشاركة في تحمل المسؤولية والمحاسبة: إن وجود التمثيل الشعبي في تلك المؤسسات يضفي نوع من الحماية للعمال من حيث توفير الوظائف وحماية الأجور ووضع القوانين العمالية وغيرها .
3- القيام بإلغاء كافة ديون الدول الفقير واحترام السيادة الاقتصادية لتلك الدول : فالديون التي تثقل كاهل كثير من الدول تقف عائقاً حقيقياً أمام أية محاولة للنهوض الاقتصادي وتعرقل كل الخطط التنموية .هناك الملايين من الأموال والتي يفترض أن تساهم في حل الكثير من المشكلات مثل القضاء على البطالة والجهل ومكافحة الفقر, تذهب لخدمة الدين العام في تلك الدول.                       
4- التركيز على حقوق الإنسان بما فيها الحقوق الاقتصادية في كل الاتفاقيات التجارية: علينا أن نطور نصوص الاتفاقيات التجارية بالتركيز على تلك الحقوق بشكل جلي وواضح بالإضافة إلى حقوق العمال وحرية التجارة والقروض الصغيرة وتطوير أساليب الرقابة المحلية على السياسات التنموية. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا اذا لعبت الأمم المتحدة دوراً اقوي من الدور الذي تمارسه مؤسسة التجارة العالمية في هذا المجال .
                                                                             
5- تشجيع الخطط التنموية الدائمة التي لا تعتمد على الأساليب الاستهلاكية, هي مفتاح التطور والنمو: يجب أن يتم النزول إلى الشارع وتحري الاحتياجات الحقيقية للمواطنين قبل وضع الخطط التنموية حتى نضمن لها النجاح والاستمرارية.
                                                     
6- تطوير أساليب الرقابة الشعبية على رأس المال وتشجيع المشاريع الاستثمارية المسؤولة .                                                                            
 
إن القفزة التقنية والحضارية الهائلة التي طرأت على حياة البشر في العقدين الآخرين من القرن الماضي على وجه الخصوص , قد رافقها العديد من السلبيات , منها ما هو طبيعي برز كنتيجة منطقية للإفرازات التلقائية لعمليات الحداثة والتطور , ومنها ما هو مفتعل جاء نتيجة لسياسات مشبوهة وأجندات سرية لأصحاب النفوذ والهيمنة في العالم .                                                            
                                  
على ضوء الثورة التكنولوجية الحديثة في عالم الاتصالات والمعلومات , وبالتزامن مع نشوء النظريات الاقتصادية الحديثة والسوق الحر "المفتوح" , أخذ المفهوم الاقتصادي للعولمة بعداً أوسع وأعمق من حيث أنه جعل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال تنساب بين دول العالم بشكل غير مسبوق الأمر الذي دفع دول الشمال إلى البحث عن أسواق جديدة لسلعها ومنتجاتها مستغلة بذلك وفرة الأيدي العاملة الرخيصة في دول الجنوب , إضافة إلى الاستفادة من بعض السياسات التي تكون في الغالب مدعومة من النخب السياسية في تلك الدول . فالدول الصناعية الكبرى كما هو معلوم , تقوم باستغلال المؤسسات المالية العالمية الكبرى واتفاقيات التجارة الإقليمية لإلزام الدول الفقيرة بتخفيض الرسوم الجمركية والقيام بمشاريع الخصخصة للمؤسسات العامة لخلق مناخ ملائم لمنتجاتها . ولتحقيق ذلك , كان لا بد لها من استنزاف المصادر الطبيعية في تلك الدول , مما أدى بالنتيجة إلى تعميق الفجوة بين من يملك ومن لا يملك , فزاد الأغنياء غناً وأبقى الفقراء على فقرهم إن لم يزيدوا فقراً .                                                                                                 
 
قد لا نجافي الحقيقة اذا قلنا أن نظام العولمة بمفهومة التقليدي المبني على العدل والمساواة , يعطي كافة المجتمعات البشرية في الدول الفقيرة والغنية على حد سواء فرصاً متكافئة نسبياً , لكن اقتصار فتح الباب أمام انسياب البضائع والسلع والخدمات على مستوى العالم دون الأيدي العاملة إضافة إلى استغلال المصادر الطبيعية للدول الفقيرة , قلب المفهوم الحقيقي للعولمة الاقتصادية رأسًا على عقب , حيث أصبح مبدأ الاحتكار والهيمنة سمة من سمات المرحلة . فالولايات المتحدة التي تقود عملية العولمة بكل أشكالها , أعطت على سبيل المثال , اهتماما أكبر لمنطقة الشرق الأوسط في إدارة الرئيس جورج بوش التي يصنفها عدد كبير من الباحثين بأنها "إدارة للأعمال" وليست إدارة للسياسة , لم تعطي تلك الإدارة مسألة الأسواق في الدول العربية الأهمية المطلوبة , وركزت جل اهتمامها على التبادل التجاري المباشر مع الدول النفطية لأنها ترى أن هذا القطاع ما يحقق لها ولشركاتها ربحية أفضل بحجة أن الدول العربية ليست مستعدة لتحرير أسواقها بعد إضافة إلى أنها تفرض رسوماً عاليةً على كثير من المنتجات الأمريكية , مما يعتبره هؤلاء عائقاً أمام تدفق السلع والمنتجات الأمريكية إلى المنطقة . إن ما تدعيه الولايات المتحدة بهذا الخصوص في جله ليس صحيحاً , فالدول العربية , وبنسب متفاوتة , قد بدأت بالفعل سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية منذ زمن إدراكاً منها بضرورة مواكبة العصر ومتغيراته , لكن المشكلة الحقيقة التي تعترض سبيل هذه الإصلاحات تكمن في سياسات الهيمنة التي تفرضها الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة .                                  
 
 ليس سراً أن الدول العربية وكثيراً من دول العالم الثالث على حد سواء تبدي كثير من الريبة والشك تجاه تلك السياسات التي تهدف إلى إذابة اقتصاديات الدول الصغيرة في بوتقة النظام العالمي الجديد الذي ترفضه معظم شعوب الأرض.                                                                  
    
البعد السياسي للعولمة                                                                         
 
إن المقصود بالبعد السياسي للعولمة هو توسيع رقعة التعاون السياسي بين دول العالم على أعلى مستوى , الآمر الذي من شأنه أن يثير قضايا سياسية متعددة تتعلق بالسيادة الوطنية للدول وتأثير المؤسسات الدولية على تلك الدول إضافة إلى مسألة التطلعات المستقبلية الذاتية بالدول الإقليمية في ظل العولمة . فقيام الناس منذ أزمان بعيدة بتنظيم أوضاعهم وحل مشكلاتهم السياسية داخل حدود إقليمية معينة, قد بلور لهم هوية مستقلة وثقافة ذاتية إضافة إلى أنه خلق لديهم شعور بالانتماء الوطني. كل هذه القضايا يجب أن توضع بالحسبان عند الحديث عن العولمة السياسية بمفهومها الحالي لأنها ستتقاطع معها حتماً وستولد قضايا خطيرة تزيد من حدة التوتر في العالم
 
 يضيف بعض العلماء بان الايدولوجيا تمثل أكبر نقاط التقاطع هذه . فالايديولوجا بما تمثله من منظومة أفكار ومعتقدات ومعايير وقيم لدى الشعوب , تعمل عمل البوصلة في إرشاد الأفراد داخل المجتمع على أهدافهم السياسية والاجتماعية , وهي التي تؤطر مجمل حركتهم في الحياة . لذلك فهم يعتبرون الايدولوجيا من أهم العقبات التي تعترض سبيل العولمة في هذا المجال .
 
وعليه فان البعد السياسي بشكله التقليدي , كما فهمنا , يندرج ضمن إطار الأنظمة السياسية القطرية , حيث تكون فيه الحكومة هي المسؤولة بشكل أساسي عن ضمان الآمن وتحقيق الرفاه الاقتصادي لمواطنيها إضافة إلى حماية حقوق الإفراد الإنسانية ضمن حدودها الإقليمية . لكن الأمر أصبح أكثر تعقيداً ألان في ظل المتغيرات الحالية التي أثرت بشكل مباشر على مفهوم العلاقة بين الكائنات الحية وبيئتها , هذا بالإضافة إلى تداخل الاقتصاد العالمي وتزايد وتيرة النشاطات السياسية على المستوى الدولي بشكل ملحوظ .
 
 يبدو جلياً أن المتغيرات الدولية المتسارعة كانت الدافع الأساس وراء قيام الكثير من التكتلات السياسية والاقتصادية , الأمر الذي أدى بالتالي إلى انتقال المفهوم التقليدي للسياسة من إطار الدولة الإقليمية إلى إطار أعلى مرتبة حيث أصبحت القرارات السياسية والاقتصادية لا ُتتخذ على مستوى الدولة القطرية فحسب وإنما تعدته لتشمل الإقليم كماهوالحال في دول أوروبا " الاتحاد الأوروبي" إضافة إلى مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها.
 
 إذا ما ألقينا نظرة متأنية على عالم اليوم , نستطيع أن نؤكد أن الرؤية الكونية لهذا العالم تتجسد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة دون غيرها لأنها ببساطة هي الدولة الوحيدة التي تستطيع ليس حمل العصا فقط وإنما استخدامها أيضا . يصف الكثير من النقاد والباحثين المعتدلين في مشارق الأرض ومغاربها تلك الرؤيا بأنها رؤية مبنية على سياسة الهيمنة وإلغاء السيادة الوطنية للآخر من أجل تحقيق أهدافها الإستراتيجية ضمن "المشروع الأمريكي للقرن الجديد".                          
                                               
 لا بد أن نشير هنا إلى أن السيادة الوطنية للدول تتناسب تناسباً طردياً مع ثقلها الإقليمي والدولي ومع قوتها على أرض الواقع . فالدول العظمي تتمتع بسيادة كاملة , لآن حجمها وقوتها على أرض الواقع يعطيانها هذه الميزة التي تفتقدها باقي الدول في العالم ويعطيانها أيضا ميزة رفض او قبول الإرادة الدولية والقانون الدولي . الدول العظمى في وقتنا الحاضر, وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية, لا تعلن رفضها للمعايير الدولية والقانون الدولي بشكل صريح, ولكنها تتصرف من منطلق سيادتها على الدول وسطوتها على المؤسسات الدولية في العالم. لقد تجاوزت الولايات المتحدة في إدارة الرئيس جورج بوش على وجه التحديد , كل الحدود . فهذه الإدارة لا ترى نفسها فوق القانون الدولي فحسب بل وتتخذ من نفسها قاضياً وحكماً تتصرف من وحي سياساتها ومصلحتها الذاتية . وصدق الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي حين يقول: " فيك الخصام وأنت الخصم والحكم". إن هذا الموقف قد عبر عنه الرئيس جورج بوش وزمرته في الإدارة الأمريكية بكل وضوح عندما صنّف الناس بين طيب وشرير , وافترض أن الطيب هو من يسير في الركب الأمريكي والمعارض للسياسة الأمريكية هو إرهابي شرير يستحق الموت .                                                          
                                                                              
هذا المنطق الاستعلائي العنصري من قبل الولايات المتحدة , لا بد أن يجابه من كافة دول العالم وخصوصاً من دولنا العربية عبر الاتفاق على صيغة من صيغ الاتحاد والعمل على تنمية الروح الوطنية والشعور بالانتماء للوطن والأمة والاعتزاز بحضارتنا وتاريخنا وانتمائنا لآمة العروبة والإسلام .                                                                                
 
من خلال البحث عن حلول لترميم وإصلاح مؤسسات الأمم المتحدة , قامت إحدى المؤسسات الدولية بعقد مؤتمر ناقش فيه المؤتمرون مسألة عجز الأمم المتحدة من القيام بالواجبات المناط بها في جميع إنحاء العالم , حيث اجمع الحضور على أن تلك الهيئة الدولية عجزت سياسيا وعسكريا في كثير من القضايا الدولية , وبلغ منها العجز مكانا بحيث لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية ولم تعد قادرة على تمويل مهامها الدولية خصوصا وإنها تواجه قضايا دولية حساسة وصراعات أثنية وعرقية وسياسية ودينية مختلفة ومتعددة .
 
بالإضافة إلى ذلك , قام بعض المشاركين في النقاش بطرح مسألة الاختلال الواضح بين الدول الكبرى والدول الضعيفة حيث أكد هؤلاء بان الحل يكمن في أن يعيد الناس النظر في عدد من المساءل منها "الدين" و"الدولة" و"الأصل" و"الثقافة".يبدو جليا أنهم يريدون من خلال هذا الطرح التمهيد لبناء النظام العالمي الجديد من خلال هدم وتدمير مرتكزات الأمم والشعوب المتمثلة في العناصر الأنفة الذكر.
 
يقول الدكتور زانغ شاوهوا المدير المؤسس لهذه المؤسسة وأستاذ العلوم الطبيعية في الأكاديمية الدولية للعلوم الطبيعية والاجتماعية , إن الفكرة هي إقامة نظام اتحادي عالمي يتكون من عضوية الدول والحكومات المركزية مع استمرار هيئة الأمم المتحدة ولكن تحت مسمى البرلماني الدولي الذي يقوم بممارسة الدور التشريعي في حين يقوم تحالف الحكومة الدولية "الحكومة العالمية" المستقبلية بقيادة العالم ويكون أعلى سلطة تنفيذية فيه .
 
يقول البروفيسور شامسول ألام , استاذ علم الاجتماع في جامعةجنوب أوريغونفي الولايات المتحدة , انه بينما تتزايد حالة الترابط بين المجتمعات , تبقى الدول منكفئة على ذاتها وحبيسة حدودها وعلى الأمم المتحدة أن تعمل على إعادة صياغة ذاتها من جديد حتى تتمكن من وصل الدولة بالمجتمع المدني .وأما الدكتور سيرجى افانسيف , من الأكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية يقول :إن الدول هي سبب المشكلة والعائق الحقيقي الذي يقف في طريق الحل المتعلق بالمشكلات الكونية القائمة.
 
يبدو لنا مما تقدم بان النظام العالمي الجديد قد وصل مرحلة متقدمة تجاوز معها مرحلة التحضير والتخطيط والتدبير وانتقل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لهذا النظام,ولكنيلم أتصور يوما أن يصل الأمر إلى مثل هذه الهرطقات السياسية والعبثالفكري إلى الحد الذي تقوم به مجموعة موتورة تجلس حول طاولة مستديرة وتحاول إعادة ترتيب العالم من جديد والعبث بمصائر ومستقبل الأمم الشعوب كما لو أنها قطع شطرنج او قطيع من الأغنام الضالة .     
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد