إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

في غزة :كل شيء تمام

Mousaa(3)موسى أبو كرش

" الحياة أسود من داير أمي"بهذه العبارة الكابية ، لخصت هدى "الواترة والموتورة  " في آن طبيعة الحياة التي تعيشها في ظل الإنقسام الفلسطيني ،وذلك في المشهد الأول من مسرحية"كل شيء تمام "التى شهد عرضها الأول ،على خشبة مسرح سعيد المسحالبغزة مساء السبت ،حضور نوعيّ كثيف من الجنسين ،طغى عليه العنصر الأنثوي. ولهذا الحضور النسويّ  ما يبرره، فالمسرحية تعالج نتفًا من الهموم والشجون النسوية الكثيرة،التى تعاني منها النساء في فلسطين، بشكل عام ،وفي غزة بشكل خاص، خلال حقب زمنية متداخلة ومتتابعة.
بداية، النص ليس جديداًعلى المسرح الغزي،إذ إنه قراءة ثانية لمسرحية " السيد بيرفيكت"للدكتور عاطف أبوسيف ،التى عُرضت في غزة قبل بضعة أعوام ، وأمام هذه المعالجة الجديدة الدرامية للنص، وجد المخرج القدير الدكتور حسين الأسمر نفسه مضطرًا لاستخدام تكنيكات جديدة ،وبسيطة ومبهرة ،خلال مشاهد المسرحية واسكيتشاتها الثمانية، بمساعدة رسمي دامومصمم الملابس والرقصات والإسيكيتشات.لهدف واحد هو تسليط الضوءعلى المعاناة الإنسانية التى وجدت المرأة الفلسطينية نفسها ترزح تحت نيرها، وتُقيد بأغلالها، وتسبح في إتونها، في أزمنة الإقطاع والإستعمار والسلطة وشجونها وصراعاتها الدامية.
كشفت الإضاءة الأولي للعرض،أن لا ثمة ديكور يزين خشبة المسرح و أن الديكور في مجمله لا يزيد عن ثلاث سستائر بيضاء، تتدلى أمام خلفية سوداء إسستعان بها المخرج من خلال الضوء والظل لإظهاربعض لقطات" لفلاش باك"والحيل المسرحية التوضيحية.
لعب دور البطولة في المسرحية ثلاث فتيات ،وهن : إيناس السقا وسماح الشيخ ذيب ،ومي أبوزيان، فيما مثل نضال دامو دور رجل السلطة في تجلياتها المختلفة خلال مشاهد المسرحية بإقتدار بارع.
بدأ المشهد الأول بثلاثه أكفان ، أو شرانق، تزحف  للتتبين مصدر الصوت ،صوت الطاغية "سيدالأرض"وموئل النعم ،ناشر الأمن والأمان في الإسقاع والربوع،الصوت المزمجر ،صوت السلطة المهدد المتوعد،الصادرمن رجل بلباس أوروبي،يختفي الصوت فجأة ،فتبدأ الأجساد الهلامية التحرل بحركات تعبيرية، على إيقاعات موسيقية للتخلص من شرانقها ، وكان وجه هدى "إيناس السقا، هو أول الوجوه التى أسفرت، ليبدأ الحوار في تصاعدة الدرامي كاشفاًَ  عن مأساة هدى "الواترة والموتورة "بصورة تعيد الى الأذهان مأساة جليلة بنت مرة، أخت جساس، قاتل زوجها كليب، ومشعل حرب البسوس،ففي ظل الصراع الدامي على السلطة ، وجت هدي نفسها ضحية لصراع لا شأن ولا قبل لها به ، فأخوها أطلق النار على زوجها، و زوجها أطلق النار على أخيها،"ماتوا برصاص بعضهم البعض ..أخوي قتل جوزي وجوزي قتل أخوي..والإثنين ماتوا" مما يزيد من مرارتها وشجونها  ومعاناتها"أن الإثنين كانوا أصدقاءً ،انولدوا في شهر واحد، ودرسوا في صف واحد" ولذا لم تعد ترى إلا الجانب القاتم من الحياة،"تصف هدى حالها وتقول:"أنا زي اللي طالعه من القبر !"وتصرخ في مواجهة أعباء فرضت عليها"انا ضايعة..أنا في ليل.. أنا في كابوس!!،نفسي أفتح عيني وأغمضها وألاقى حالى بعيدة "وفي صرخة مدوية، تصف حياتها بأنها باتت" أسود من داير أمها"والداير هوتنورة طويلة تصنع من التوبيت.. القماش الشديد السواد ، كانت تلبسه النساء في المخيمات والمناطق الجنوبية في القطاع القرن الماضي.
حال هدى على مافيه من مرارة ، لا يقل مأساوية عن حال نغم"سماح"التى فقدت طموحها بالإلتحاق بالجامعة ،وتحقيق رغبتها بأن تصبح مهندسة معمارية ، فمعدلها المرتفع في الثانوية العامة وتفوقها،لم يشفعا لها أمام تعنت أبيها، وأصراره على تزويجها من إبن أخيه المقيم في دمشق..فالأولوية لدية، جمع شمل أخوتة اللذين نزحوا عام سبعة وستين، ولم يرهم منذ أكثر من أربعين عامًا، وعلى نغم أن تنتظر جمع شمل العريس لتتزوج، بعد أن فشلت "أوسلو وأرقامها الوطنية في أستردادة وعودتة"، لتضيف مع الوقت مأساة جديدة الى مأساتها، بعد أن بات شبح العنوسة يهددها، و يطاردها، ولذلك ما انفكت تصرخ طوال مشهدها الحواري الثاني والذى بدا برقصة تعبيريه جميلة:"يا ناس بدي أزوج..بدي أعيش."
أما المشهد الثالث فقد سلط الضوء على مأساه المرأة الفلسطيبية في عهد الإقطاع ،وكان صوط سوط الإقاعي يتقاسم المشهد مع صراخ الإقطاعي، فيما إنشغلت النسوة بتجسيد مشهد فصل البذار علي ايقاع موسيقي حزين،وهذا المشهد بالذات كان من الممكن الإستغناء عنه واستبداله بمشهد آخر يسلط الضوء على جانب آخر من معاناة المرأة، ولاسيما زوجات الأسرى والعمال وبطالة الخريجات الجامعيات.
وأخيرًا جاء دور الطالبة الجامعية، والتى بدت للوهلة الإولي أكثر قوة وصلابة من زميلاتها، فالحياة الجامعية منحتها الفرصة للتفكير والثقة بالذات، كما أن حياتها في كنف والدها الدكتور، قد وفرت لها الحماية والضمان والإستقلالية النسبية لتحقيق ذاتها،و التمتع بهواياتها الجامعية ، من خلال  الإنضمام لفرقة " الدبكة الشعبية" ،وان لم يكشف لنا الحوار، ما إذا كان أبوها طبيبا أم إستاذا جامعيا ، بيد أنه سرعان ما كشف لنا أن حياة هذه الطالبة لم تخل من منغصات ،فأبناء عمومتها دسوا أنوفهم لدى والدها طالبين منه منع إبنته من الرقص، وعندما أوضح لهم أنها لا ترقص، وإنما، تلعب الدبكة، أكدوا له ان الدبكة "هز وسط أيضا!"ومع ذلك لم تستسلم بل مضت في حوار فكري مجهد لاقناع زميلتيها بخطأ مواقفهما، و ضرورةعدم الإستسلام لليأس والقنوط،ويبدوأن موقفها واصرارها قد أثمرا  في المشهد ألأخير، وذلك في التحول الذي طرأ على شخصية زميلتيها وتصديهن مجتمعات للشبح الذى كان السبب المباشر في مأساتهن ، ليسدل الستار باغنيه عذبة بصوت الفنانة رولا بخيت ولا زمتها الجماعية المعبرة الموحية :حنغي لبكره .. للرجال .. للبشر للحجر.. للفكره .. للرملة لمحناية.
رافعة المسرحية كان بحق نضال دامو الذي أدى باقتدار ونجاح سلسة أدوار رجل السلطه، إقطاعيًا ومستعمرًا مستغلاً وسياسياً طاغياً، ورجل دين وعسكرياًً وشبحًا وحتى شيطانًا.وكان أداء ايناس مميزًا ومقنعًا، واعطت سماح ومي كثيرًا مما لديهما،ما ساهم في نجاح العمل .
" كل شيء تمام"، عمل مسرحيّ حقيقي، تعاون فيه الجميع لإخراج مسرحية تستحق المشاهدة،رغم الهنات البسيطة في النص "واللخبطة "المتعمدة للازمنة ، وتميز العمل فوق ذلك بالإضاءة التى تولاها طارق حمد، والصوت لمحمد صبحي ،والألحان الجميلة لعبد المنعم عدوان ، ورولا بخيت التي غنت فأطربت وأجادت وشنّفت ،بقى أن نقول أن مسرحية كل شيء تمام ما كان لها أن ترى النور ،لولا دعم مؤسسة فكرة ، وإشراف طاقم شؤون المرأة.
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد