إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ذكريات الحرب .. وللحديث بقية ..

Gaza(8)د.مازن صافي

كانت أول غارة شهدتها كافة مناطق قطاع غزة قبل موعد أذان ظهر يوم السبت الموافق 27/12/2008في اليوم الثالث لأربعينية الشتاء .. صعدت إلى السطح لمشاهدة ما يجري .. كان سطح البيت وجدرانه يهتز بقوة وأعمدة الدخان الأسود والرمادي تتصاعد ورائحة البارود تظهر واضحة حتى من مسافة عدة كيلومترات من مواقع طالتها صواريخ القصف .. دوي القذائف والصواريخ تعلن أن الغارة ليست كأي غارة .. إنها الحرب التلمودية الصهيونية على الإنسان والحياة الفلسطينية في غزة .. تدمير شامل وحرائق وشهداء بالمئات ولا أحد يعرف بالضبط ما الذي يحدث .. دقائق وقد نقلت الفضائيات فظاعة القنابل والصواريخ المتساقطة والأشلاء التي تمزقت وتناثرت في شوارع غزة .. بدأت المشاعر والعيون غير مصدقة ما يحدث .. اتصالات في كل مكان .. الكل يتصل في الكل .. هنا جريح ، هناك شهيد وذاك مفقود
.. وهذا رقم جواله لا يرد وذاك لا وسيلة اتصال يمكن من خلالها الوصول إليه .. الغارات كانت أشبه بتلك التي شهدتها مدينة صيدا اللبنانية في السبعينيات وتلك القنابل التدميرية التي أحرقت لبنان في أوائل الثمانينيات .. لم تكن أصوات الصواريخ لحظة انفجارها غريبة علينا .. فلقد عشنا انتفاضة الأقصى المباركة وشهدنا المئات من مشاهد القصف والاجتياح والقتل والحرق ، لكن ما حدث في هذه الحرب المجنونة شمل كل قطاع غزة في وقت واحد .. لم نعهد ارتقاء المئات من الشهداء في وقت واحد ، وقد حدث كل هذا … لقد دفعتنا الحرب الى أن نكذب كل ما يجري .. ما الذي كان يجري ..؟؟!!
ومع توالي أيامها الأطول من كل الأيام التي عشناها في سنوات عمرنا .. !! أصبحت الدقائق جزء من حياتنا .. صرنا جزءا من الحدث المؤلم .. صرنا في وسط الحرب .. متى تنتهي الحرب كان السؤال بلا جواب .. كانت الأجوبة عبارة عن تكهنات تكذبها توالي الأحداث الأليمة .. ساعات القلق لا تنتهي .. ساعات الوجع تمتد ويكاد عقارب الساعة يتجمد كليالي الشتاء التي تميزت بالصقيع والبرد .. والناس وسط الحرب ووسط الصقيع ووسط الحرمان ووسط الحصار .. لا خبز ولا كهرباء ولا غاز .. لا نهاية للحدث اليومي .. الحدث الذي أصبح جزءا من التوقعات والتخوفات والمآسي ..
كان القصف مختلقا .. مستفزا .. مثيرا .. وأصبح الجو خانقا .. وباردا جدا .. وما أن حل عصر اليوم الأول حتى بدأت تتضح مساحة الجريمة الصهيونية " البداية " .. عنوان الحرب .. تشييع للشهداء .. المستشفيات تعمل فوق طاقتها .. نفاذ المخزون الاستراتيجي من الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العمليات الخاصة .. الأرقام من كل نتائج الضربة الأولى تذل من يقرؤها .. يكاد لا يصدقها .. تخلينا أن العالم سوف يوقف الحرب من الليلة الأولى " الكابوس " .. تأملنا في ضمير العالم أن يصحو فجأة .. انتظرنا العرب أن يقولوا كلمتهم .. انتظرنا كل من حفظنا أغانيهم عن تحرير فلسطين .. تخيلنا الزعماء والقادة يهبوا بكل ما يملكوا ليوقفوا الإجرام الصهيوني .. قلنا لقد فحرت إسرائيل قبرها بيديها الملطخة بدماء الأطفال والشيوخ والشباب والنساء .. وآن أوان كشف الحساب .. ولكن صباح اليوم التالي كان يعلن الحقيقة .. الكل قد صمت .. ولا أحد يسمع صوت النداء أو صوت الصراخ .. الجميع وقف متفرجا .. العالم ترك لإسرائيل الفرصة ليفعل ما يشاء وكيفما شاء .. تصاعد القصف ووصل إلى كل بقعة من قطاع غزة .. كانت البيوت تهتز حد الرعب الغير معقول .. بيوت أزيلت عن وجه التاريخ .. مقابر جماعية ودفن الأحياء ليموتوا .. جرائم حرب .. وصمت العرب وصمت العالم واستمرت الحرب .. انهارت المباني .. ودفن العشرات من السكان تحت أنقاضها .. والمباني تراكمت بين خرائبها أكوام من أثان ومقتنيات ساكنيها .. والمستشفيات لم تسلم من التدمير والحرق وكان مستشفى الهلال الأحمر " القدس " أكبر شاهد على ذلك الإجرام .. وهذا بخلاف حرق مستودعات التموين الدولية والمحلية .. كان التحدي أن تبقى حيا .. أو تحيا بلا إعاقة .. أن توفر لقمة الخبز لأطفالك .. أن تبحث عن دواؤك .. أن تهدئ من روع أسرتك وأن تزيل عنهم بعض الخوف وبعض القلق وبعض الانهيار النفسي .. وكثير فشلوا في ذلك وتركوا كل شيء للقدر .. نجحت مرة أن أصل إلى صديقي عبر الجوال .. سألته عن أحواله وأحوال أسرته .. لقد فاجأني بالقول أن زميلتنا قد استشهدت قبل قليل وهي عائدة إلى منزلها .. استشهدت في الشارع .. وأن هناك من مات وهو ينتظر استسلام صحن الفول .. وأن هناك من استشهد لأنه كان يمر بجانب مقر أمني لحظة القصف .. كل هذا حصل على بعد أمتار من بيته .. سألته هل لديك خبز أو دقيق .. قال لي أنه بالأمس انتظر على باب المخابز وسط طابور من الناس يقدر بالعشرات .. وقبل أن يصل إليه الدور أغلق المخبز أبوابه لأن الدقيق نفذ من المخابز .. ورجعت للبيت أكاد أجن لا أعرف ماذا أفعل .. لولا أن زوجتي أشارت عليَّ أن ،تصرف كيلو دقيق الحلويات .. ولم يكن لدينا غاز أو وقود .. ونسكن في شقة بالطابق الرابع .. وحين سألته ماذا فعل … قال أنه ضحى بكتاب لديه وجعله وقودا وأنضج ما قام بخبزه " بدون خميرة " .. وكان الخبز نصف ناضج ولكنه نجح في الانتصار على الجوع ولو بنتائج غير مكتملة .. هكذا الحرب نجح الناس بتجاوزها يوم بيوم ولو كانت النتائج على حساب كل شيء .. حرق الأعصاب .. طول الانتظار .. ألم خسارة الشهداء .. أنين الجرحى .. صرخات الناس من هول الصدمة والهجمة النازية الصهيونية .. استمر النزيف واستمرت الحرب .. لم تنته الحرب ولم تنته المعاناة .. وبقي الصمت العربي والدولي سيد الموقف .. والأجرام الصهيوني يتصاعد بلا توقف .. ويستمر الحديث عن نازية الحرب وصمود شعب يرفض أن يُهزم أو يَموت .. وللحكاية بقية .. انتظرونا قبل أن تبدأ قصة حرب جديدة ..؟؟!!

د.مازن صافي [email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد