إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

دور التلمود في صقل العقلية والشخصية اليهودية

 دور التلمود في صقل العقلية والشخصية اليهودية

مصطفى إنشاصي

هذه مقالة سريعة عن أثر ودور التلمود في صقل العقلية والشخصية اليهودية عبر تاريخ اليهود، وخاصة مدى الدور الذي لعبت فيه التربية الدينية، والأفكار التلمودية في تحديد أهداف وخيارات وأساليب الحركة الصهيونية وقادتها، وبلورة فكرهم ورؤاهم لأبعاد مشروعهم، ونظمت حياة اليهود في الكيان الصهيوني كما نظمتها سابقاً في أحياء الجيتو اليهودية في الغرب.

التلمود نظم حياة اليهود في العصور الوسطى الأوروبية

يحدثنا المؤرخ "رابوبورت" عما قام به اليهود في العصور الوسطى الأوروبية من أعمال للحفاظ على استمرار المؤامرة في خطها المرسوم دون انحراف فيقول: "إن المجتمع اليهودي بعد أن فقد حياته القومية الخاصة صارت الوحدة ونقاء الإيمان هما الطريق الجديد الذي كان على المجتمع اليهودي أن يرتبط بها، وأن تفسير كتابات هؤلاء الربانيين يعتبر أساس هذه الظاهرة التاريخية الجديدة اليهودية". وقد قام (يوشنان بن زكاي) تلميذ الرباني الشهير هليل بتطوير المدرسة "التنتيم" أي المعلمين، التي أسسها أستاذه، فلما هدم (طيطس) المعبد في أورشليم حصل يوشنان بن زكاي على إذن من الإمبراطور بإنشاء مدرسة في يبنا الإغريقية ليواصلوا فيها دراسة التوراة.

وبعد (عقبيا بن يوسف)، الذي قتله الرومان عام 132م أنجز (يهودا) في فترة حكمه مجموعة ملفقة من التوراة الشفهية التي تكمل التوراة المكتوبة "الأسفار الخمسة التي يطلق عليها النصارى tepentateuque  وقد أطلق على هذا التدوين للتقاليد الشفوية اسم (المنشأ) ثم أخذ هذا الكتاب شكله النهائي في القرن الرابع باسم (التلمود) ومعناه دراسة (التوراة) وقد ألف التلمود الفلسطيني في أكاديمية طبرية وهو يعتبر نقطة تجمع اليهود خلال ألف سنة، وبه اتجهت اليهودية إلى أن تكون (دولة قومية)، وقد أمكن بفضل الخلفاء المسلمين وحدهم نقل أكاديمية طبرية إلى أورشليم، وبذلك أصبحت مركز إشعاع عقلي حيث جرى تثبيت النص العبراني للعهد القديم (وهو ما يطلق عليه: "النص السوري" وفي فلسطين الفت حينئذ أجمل الأشعار الطقوسية المسماة "بيوتيم").

وفي القرون الوسطى ومجتمعات الحيتو "الأحياء اليهودية" توسع الحاخاميون بالتعاليم التلمودية. ودعوا إلى ممارسة ضروب مختلفة من التمييز بين اليهودي وغير اليهودي، ولا شك أن كثير من ذلك ينطلق من الفكرة الأساسية اليهودية لمفهوم (شعب الله المختار)، الذي يزعم بها اليهود أن الرب "يهوه" فضل اليهود على بقية الشعوب. وأسهب في التأكيد على هذه الفكرة الشاعر اليهودي الأندلسي (يهودا بن هاليفي) من القرن الثاني عشر الميلادي، الذي كتب قصائد عاطفية عبرت عن حنين اليهودي إلى  فلسطين وتمسكه بها، واحتلت مثل هذه الأشعار مكانة خاصة في أدب الصهيونية الحديث.

وقد وجد اليهود في التلمود ملاذهم كلما اشتد اضطهادهم، فالتلمود هو الذي يعلمهم على مواصلة الحياة بالانغلاق والسيطرة على المجتمع تمهيداً لإقامة إمبراطورية عالمية. يقول الدكتور (جوزيف باركلي): "رغم أن المجتمع اليهودي العام لم يتبنَ التلمود رسمياً إلا أن اليهود الأرثوذكس ـ مستقيمي العقيدة ـ تبنوه لأنه زودهم بشيء شعروا بحاجتهم إليه". وفي رأي الدكتور (أ.فابيان): أن التلمود "أسهم بقوة في حفظ ـ اليهودي الديني، القومي، بأن مكنه من أن يتأقلم مع كل زمان ومكان، في كل دولة ومجتمع، وفي كل درجة من الحضارة".

وتكمن أهمية التلمود وخطورته في حفظ اليهود خلف أسوار الجيتو وخضوعهم لتعاليمه التي أثرت على حياة اليهود وتفكيرهم طيلة قرون طويلة، كما تكمن خطورته في أنه يأمرهم بإحلال كلمات الربانيين في منزلة أعلى من كلمات التوراة … بقوله: "يا بني، كن حريصاً على مراعاة أقوال الكتبة من حرصك على مراعاة التوراة، لأن أحكام التوراة تحوي الأوامر والنواهي لشرائع الكتبة، فإن من ينتهك واحدة منها يجلب لنفسه عقوبة الموت".

وهكذا تحول الجيتو الذي فرضه اليهودي حول نفسه باختياره "من سجن اختياري إلى سجن إجباري، ورغم تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في البلاد الأوروبية التي عاش فيها اليهود فإن المعازل اليهودية رفضت أن تسير في ركب التطور، إذ بقي اليهودي كما هو، لا تغيير في مهنته، واتبع القيود الدينية والحياة الاجتماعية التي رسمها له التلمود، وظلت المعازل عدة قرون في ذلك الجمود حتى بدا أنها جميعها تشكل معزلاً واحداً".

لذلك عاش اليهود في بلادهم أو البلدان التي التجئوا إليها دون أن يشعروا بأدنى رباط يشدهم إلى تلك البلاد، ولم يشاركوا أهلها شيء من أعيادهم الدينية أو الوطنية أو عاداتهم أو تقاليدهم … مما دفع تلك الشعوب خاصة النصرانية منها إلى الشعور بأن اليهود يرون كل شيء نصراني نجس في نظرهم، خاصة بعد اكتشافهم لبعض نسخ التلمود التي يحتقر فيها اليهود الأغيار، إلى جانب اعتقاد النصراني أن اليهود هم صالبي وقاتلي المسيح ـ حسب اعتقادهم ـ كل ذلك أدى إلى اضطهادهم واحتقارهم لليهود، وهكذا كانت معتقدات اليهود الدينية وعزلتهم عن غيرهم ممن يعيشون وسطهم سببا في اضطهادهم ومعاناتهم من جهة، "وأكبر وأهم العوامل التي أدت إلى الحفاظ على القانون وبالتالي على يهودية اليهودي، ولم يكن لليهودي اختيار آخر، فإما أن يتنصر أو يُعرض نفسه للقتل والسبي والنهب أو أن يطيع أوامر الحاخام ويحكم عليه أو له. لم يكن للفرد اليهودي أي حق في تحويل أو تبديل القانون … ولم يكن له أيضاً حق استئناف ما يحكم به بيت الدين، إذ كانت تقاريره سارية المفعول على الجميع ولا مرجع عنها لأي كان".

وقد كان العداء بين اليهود والنصارى في العصور الأولى عداءً دينياً بحتاً، إلا أنه في أواخر القرن الثامن عشر تحول إلى عداء اقتصادي عرقي، يقول (ول ديورانت) في "قصة الحضارة": "إن الخلافات الدينية وإن كان لها أثراً في كراهية اليهود فإن السبب الرئيسي في الحقد عليهم يرجع إلى عوامل اقتصادية وذلك لأن اليهود قد أقبلوا على الذهب، فقد حرم التلمود عليهم زراعة (أرض أجنبية) فتهافت اليهود على الذهب الذي يسهل نقله وتهريبه، واعتقاد اليهود أنهم (الشعب المختار) الذي قُدِر له أن يسود الشعوب الأخرى، كان له أثره في إصرار اليهود على الحصول على الذهب وبأي وسيلة، لأنه سبيلهم في تحقيق الاختيار اليهودي وفرض سيطرتهم على الشعوب. وبهذا يكون الذهب وتجارته عامل اقتصادي وقد أضاف سبباً جديداً لاضطهاد اليهود".

كما أن المطلع على سير حياة القادة والمفكرين الصهاينة من غير الحاخاميين، يجد أن أكثرهم تربى تربية دينية ودرس علوم التلمود، وكانت ثقافته الأولى تلمودية، ومنهم من أصبح من علماء التلمود. ومن لم يتربى تربية دينية فقد أخذ على الأقل قسطاً لا بأس به من التعاليم الدينية اليهودية، وحلموا أن يكونوا مثل أولئك ـ رؤساء وأبطال اليهود ـ الذين قرءوا عنهم في طفولتهم. ومثال على ذلك ما كتبه (حاييم وايزمان) في مذكراته، إذ يقول: "لما بلغت الرابعة من عمري ذهبت إلى مدرسة الدين اليهودي وهذا ما لا غنى عنه لأي طفل يهودي، وخلال السنوات التي قضيتها في مدارس الدين تلك كان علي أن أدرس أشياء كثيرة من أصول اليهودية، والذي ملك علي لبي هو (سفر الأنبياء)، ولما بلغت الخامسة من عمري كان يقص علي جدي قصص رؤساء الدين ومبلغ أثرهم في إسرائيل".

وعلنا نعلم أن البيئة التلمودية التي تربى فيها اليهود في أووربا الشرقية وخاصة روسيا وبولونيا، تلك الدول التي يشكل يهودها طليعة اليهود إلى فلسطين وأكثرهم تعصباً، إنما تربت على أيدي الحاخامات وبرعايتهم "حيث أن ما يسمى بالمركز اليهود البولوني والذي تشكل نتيجة لضم بولونيا إلى روسيا القيصرية، أصبح يضم أكثر من نصف يهود أوروبا عموماً، وقد اعترفت لهم السلطات هناك منذ عام 1551م بوضع مستقل للطائفة اليهودية، سمح لها بممارسة إدارة ذاتية لشؤونها مما ساعد الحاخاميين ورجال الدين اليهود على فرض سيطرتهم مع مرور الوقت على شؤون الطوائف اليهودية، وتقوية نفوذهم، وأسفر هذا الوضع عن إقامة مؤسسات خاصة (ها كاهال) اعترفت بها السلطة، تولت الإشراف على كافة شؤون اليهود في بولونيا، ابتداءً من جباية الضرائب منهم لصالح السلطة وانتهاءً بتنفيذ الأحكام التي يصدرها الحاخاميون وفقاً للشريعة اليهودية، مما أدى إلى تعاظم سلطة الحاخامية وسيطرتها بشكل لم يكن له مثيل في أي بلد أوروبي".

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن داخل هذا المركز البولوني تولدت وسيطرت الحركات التي تمثل أكثر أشكال العقيدة الدينية اليهودية جموداً، وفي الوقت نفسه فإن الهجرة الأساسية لأوروبا وأمريكا وفلسطين كانت تخرج من هذا المركز، لاتضح لنا الدور التاريخي الهام الذي لعبه هذا المركز البولوني في حياة اليهود المعاصرة.

ويعلق الدكتور (أسعد رزق) في كتابه "التلمود والصهيونية" على دور التلمود في تكريس العزلة اليهودية في كل مكان، بقوله: "… ينبغي علينا كذلك أن لا نتجاهل المسئولية التي تقع على عاتق اليهودية التلمودية منذ أن استتبت لها السيطرة على حياة اليهود وحتى أواخر القرن الثامن عشر وقيام الثورة الفرنسية. فالمجتمع اليهودي المغلق من سياج التلمود ليس من صنع العداء المسيحي لأتباع الديانة اليهودية، بل هو التجسيد المتعمد للنظرة الضيقة والانفصالية التي يظهر اليهود من خلالها أنفسهم، فولدت عندهم الاستعلاء والانعزال وجعلتهم لا يلتفتون إلى ما عداهم من الشعوب الأخرى إلا من مقام عليائهم وتفوقهم، ومن خلال القناعة التي رصدوها في كتبهم الدينية عن (الصفوة) و(الشعب المختار)".

كما يفسر لنا أثر التلمود في نمو النزعة الصهيونية عند أولئك القادة الصهاينة، فيقول: "إن البيئة اليهودية في بلدان أوروبا الشرقية وما نعرفه عن سيطرة التلمود على حياة اليهود هناك كانت التربة الخصبة لنمو النزعات الصهيونية والقاعدة الجماهيرية للصهيونية السياسية فيما بعد". ويضيف معلقاً على حديث الصهيوني (شماريا لفين، 1867-1935م) عن أثر البيئة اليهودية التي عاشها داخل الجيتو والتربة التوراتية التلمودية ودورها في غرس بذور الصهيونية في نفسه، فيقول: "والبيئة التي يتحدث عنها الصهيوني لفين كانت هي وأمثالها تربة خصبة لغرس بذور الصهيونية. ولكن التلمود شيء وهذه البيئة المشبعة بروح التلمود هي شيء آخر… إن علاقة التلمود بالصهيونية من حيث كون التلمود عنصراً أساسياً من عناصر البيئة اليهودية في أوروبا الشرقية وروسيا، ليست علاقة مباشرة بقدر ما هي ترجع إلى كيفية فهم اليهود للتلمود ولتعاليم معينة فيه بنوع  خاص. فالصهيوني الإسرائيلي بن غوريون يعرف ما يقول حين ينسب إلى (رؤيا الخلاص المسيائي) ذلك الدور الرئيسي في توجيه الشؤون والمصائر اليهودية نحو الوجهات المعروفة".

إن إدراك الحاخامات الأرثوذكس لتلك الحقيقة ودور التلمود في صقل وتشكيل العقلية والشخصية الصهيونية، هو الذي جعلهم يدافعون عن التلمود دفاعاً مستميتاً، لأنهم يعتبرونه هو "المسئول عن إعطاء الصهيونية (شكلها) الأيديولوجي المتناهي في الأسطورية".

وذلك هو ما جعل الأستاذ (عمر رشدي) يرجع أصول الفكر الصهيوني إلى العقائد الدينية اليهودية، وعلى رأسها التلمودية، فيقول: "وتستمد الصهيونية أصولها من الفكر الصهيوني النابع من عقائد التوراة وشرائع التلمود تلك العقائد التي جعلت (المستعمرين) على مدار التاريخ يسعون لاستغلال اليهود وتوريطهم للعودة لما يسمونه زوراً وبهتاناً بأرض الميعاد، كما جعلت يهود العالم يحملون عداءً دائماً لغيرهم من الناس. كما تستمد الصهيونية حيويتها من ارتباط الفكر الصهيوني بعقائد دينية وعنصرية ثابتة في أذهانهم".

الأصول التلمودية للشوفينية الغربية

ورغم تأثر المفكرين الصهاينة بكثير من الفلسفات والأفكار التي نشأت في أوروبا إلا أنهم أفرغوا تلك الفلسفات من مضامينها العلمانية، وأفرغوا مكانها معتقداتهم. ومن تلك الفلسفات التي تأثروا بها فلسفة (نتشه)، جاء في "الموسوعة الفلسطينية الجزء الأول ص351": "كان من أبرز الرواد الصهيونيين الذين تأثروا بفلسفة (نتشه) أحاد هاعام وتيودر هرتزل وماكس نورد وحاييم وايزمان. وظهرت بين اليهود مجموعة من الشبان تبنت (النتشويه). ولا سيما فكرة انقلاب القيم، فدعوا إلى نبذ التعاليم الدينية التلمودية. وأسلوب الاستسلام والخنوع والتقية، والرجوع إلى حياة البطولات القديمة التي ألهمت العبريين الأوائل".

وتلك النتشوية التي تبناها بعض قادة ومفكري الحركة الصهيونية هي التلمودية في نسختها الأوروبية، فكما قام الفيلسوف اليهودي فيلون، بترجمة التوراة إلى اليونانية من أجل أن يطبع الفلسفات اليونانية والرومانية بالأفكار والعقائد اليهودية، فإن الفيلسوف اليهودي موسى مندلسون الذي كان يرى التلمود "بكل ما فيه من ثروة في المعرفة اليهودية وبكل تعليمه الأخلاقي هو تقليد من تقاليد الماضي الجدير بالاحترام، ولكن له قيمة (تاريخية)". وقد وجه هو ودعاة الاستنارة اليهودية (حركة الهسكلاه ـ الإصلاح ـ اليهودية) سهام نقدهم للتلمود، واعتبروا أنه لا أمل يرجى من تطوير اليهودية إلا بالإطاحة بسلطته، وكثيراً ما وجهوا نظر الحكومات الغربية لضرورة القضاء عليه لأنه "كتاب ضار"، كان "أول ما قام به ترجمة التلمود للألمانية كي يتسنى لليهود الذين تعلموا الألمانية فأحبوها ولم يتعلموا العبرية للتعرف على تراثهم وقانون حياتهم من جهة. وللألمان للتعرف على الدين اليهودي واحترامه" وأيضاً ترجم أسفار موسي الخمسة لنفس الهدف.

لقد كان (موسي مندلسون) فيلسوف الهسكلاه الأول، يعي دوره كيهودي جيداً، ويتحرك من دافع الحفاظ على دينه وأبناء دينه من الذوبان كلية في الشعوب الأخرى ونسيان دينهم وتراثهم، فهو بذلك كان الأسبق في الإجابة على السؤال الذي جاء نتيجة التحرر وذوبان اليهود في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها، وهو: "كيف لليهودي الاحتفاظ بمكاسب التحرير دون التطويح بالآمة اليهودية؟ أو كيف لليهودي المتحرر أن يتفهم ولاءه لأمته ولتراثه القانوني والروحي؟ …. قال مندلسون…. أيها اليهودي. وافق دستور الدولة واعمل بجميع عادات قوانين البلد الذي تحل فيه. ولكن في ذات الوقت، كن أميناً على دين أبائك وأجدادك". كما فعل يهود الدونمة من أتباع المسيح اليهودي المنتظر شبتاي زفي الذي ادعى الإسلام لينجو من حكم الإعدام عام 1666م، أيام الخلافة العثمانية، الذي تظاهروا بالإسلام وحافظوا على يهوديتهم في الوقت نفسه، وعملوا طوال نجو عقدين على للقضاء على الخلافة الإسلامية العثمانية.

كما أن مندلسون يذكرنا بما فعله فيلون الفيلسوف اليهودي الذي عاش في العهد اليوناني وترجم أسفار التوراة إلى الإغريقية، من أجل نشر تعاليم التوراة وأفكارها بين أكبر عدد من البشر آنذاك. وقد تأثر الفيلسوف اليوناني "أفلاطون" بأفكار التوراة كثيراً، وإذا ما عرفنا أثر أفلاطون في الفلسفة والثقافة الأوروبية الحديثة والفكر الغربي كله، عرفنا مدى تأثير الفكر الغربي بالتوراة بفضل ترجمة فيلون لأسفار التوراة الإغريقية، فإننا سندرك كم كان أثر ترجمة مندلسون للتلمود وأسفار موسى الخمسة إلى الألمانية في تشكيل الفكر العنصري النتشوي، وأن أفكار نتشه التي لعبت الدور الأكبر في بلورة المفهوم القومي الألماني، واعتبرت مصدر الإلهام للقومية الألمانية، التي تعتبر من أشد القوميات الأوروبية تعصباً وغروراً وإعجاباً بعنصرها الآري وعداءً لغيرها، إنما هي صدى للأفكار التوراتية والتلمودية اليهودية.

ويتضح مدى تأثر نتشه ومن بعده هتلر بالأفكار التوراتية والتلمودية، من خلال إلقاء الضوء على نظرة اليهود لأنفسهم ولغيره، وكذلك نظرتهم للمرأة ومكانتها بالنسبة للرجل.

فإن كانت فكرة الإله الخاص "يهوه" و"الشعب المختار" تقف خلف شعور العنصرية والاستعلاء المذموم عند اليهود، والاستهتار بكل ما هو ليس يهودي، وكل الأمراض والعقد النفسية والدينية عندهم، فإن فكرة "الشريعة" و"الوعد" هما اللتان أوهمتا اليهود بنقائهم العرقي المزعوم، ونقاء الدم اليهودي من الاختلاط بدماء الشعوب الأخرى من الجوييم، وبتفوقهم النوعي على غيرهم من الشعوب الأخرى، وجعلتهم يستخفون بأرواح وحياة غيرهم من الأمم، وارتكاب المذابح والإبادة الجماعية تحت طائلة الخوف من غضب الرب والمحق من الوجود، ولأن غير اليهود ليسوا بشر، ولا روح إنسانية.

 فالعقيدة التلمودية اليهودية تعتبر الأمم الأخرى من غير اليهود "جوييم" وهي جمع "غوي"، ويستعمل اليهود مقابلها في العربية كلمة "الأمم". وهي تعني عندهم بحسب الظروف: العدو العالمي المكروه. أو السعادين الحليقة المحتقرة أو قطيع الجوييم الغبي، أو الإرث الذي وعدهم به "يهوه". فقد خلقهم الرب إلههم على هيئة البشر ليستأنس بهم شعبه المختار. أو بهايم وحواوين، وأن بيوت غير اليهود خان البهايم.

  كما أنها تعني عقائدياً عند اليهود: امتدادات الشيطان، مخلوقات شيطانية "ليس بداخلها أي شيء جيد على الإطلاق" حتى الجنين اليهودي يختلف نوعاً عن الجنين اليهودي، كما أن وجود غير اليهودي مسألة "غير جوهرية" في الكون، فقد نشأ كل الخلق من أجل اليهود فقط. كما أن التلمود كتاب اليهود الذي له مكانة أعظم من التوراة نفسها، أشد احتقاراً وعنصرية واستعلاء على غير اليهود، وفيه من كلمات التحقير والتحريض على قتل كل من هو غير يهودي الكثير. فقد ذكر الأب برانايتس: أن "اليهودي وحده يُحترم كرجل، كل ما ومن في العالم له، وجميع الأشياء يجب أن تكون في خدمته، خصوصاً الحيوانات التي لها أشكال آدمية".

وقد جاء في كتاب "الكنز المرصود في قواعد التلمود" الكثير الذي لا يتسع له المقال عن نظرة ومكانة اليهودي بالنسبة لغير اليهودي، منها: أن الأرواح غير اليهودية هي أرواح شيطانية وشبيهة بأرواح الحيوانات. أن نطفة غير اليهودي هي كنطفة باقي الحيوانات. لا يدخل الجنة إلا اليهود. أما الجحيم فهو مأوى الكفار، ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين. غير اليهود حيوانات في صورة إنسان ـ هم حمير وكلاب وخنازير ـ يلزم بغضهم سراً. الفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق الموجود بين اليهود وباقي الشعوب. إن الكلب؟ أفضل من الأجانب. الشعب المختار فقط يستحق الحياة الأبدية، وأما باقي الشعوب فمثلهم كمثل الحمير.

 كما أن التلمود يزخر بأوامر سرقة أموال وممتلكات غير اليهود، وواجب لعنتهم، والتحريض على قتلهم: ملعونة كل الشعوب، ومبارك شعب اليهود. استيلاء اليهود على ما يملكه الجوييم هو عمل تصحبه المسرة الإلهية. يستحق القتل كل جوييم حتى ذوو الفضل منهم. يجب إزالتهم من سجل الأحياء لأنه قيل عنهم: من يأثم ضدي، سأزيله من سجل الحياة. من يقتل (مسيحياً) أو أجنبياً أو وثنياً يكافأ بالخلود في الفردوس والجلوس هناك في السراي الرابعة.

تلك النظرة السامية من اليهود إلى أنفسهم، واعتبار أنفسهم أنهم وحدهم البشر، والإنسان، وغيرهم حيوانات خلقت لخدمتهم، من أهم العوامل التي تشكل الخلفية الفكرية للعنف والإرهاب في شخصية اليهودي، وتقوم بدور التهيئة النفسية عند اليهودي لارتكاب جرائم القتل والإبادة ضد غير اليهود وهو مرتاح الضمير، بل ويشعر بلذة ونشوة ورضي نفسي بعد كل جريمة، لأنه يعتبر نفسه بذلك نفذ أوامر الرب، وعمل على طاعته وإرضائه.

ومن الأمور الجوهرية التي تؤكد تدين قادة الحركة الصهيونية رغم المظهر العلماني الذي يحاولون الظهور به قضية المرأة، قضية العصر، ومقياس التقدم والتخلف عند العلمانيين، فقد "عبر نورد عن نيتشيته في كتابه (الانحطاط) الذي حمل فيه بعنف على الكتاب التقدميين والاجتماعيين مثل زولا ويلزاك، وهويتمان وهاجك تلستوي وأيسن للمكانة التي أعطياها المرأة في أدبهما.

ومن عادة العنصريين أن يعطوا المرأة مكانة ثانوية ورجعية. وهو ما فعله الصهيونيون رغم كل مظاهر تحرر المرأة التي استوردوها إلى (إسرائيل). وعَدَ الصهيونيون الواقعية كلمة فارغة تؤدي بصاحبها إلى الانحطاط والإخفاق بالتنازع ضد الحاء. ومن ثم إلى (انقراض عرقهم)".

ومكانة المرأة تلك التي ينظر إليها نوردو وكثير من الصهاينة تعود إلى تعاليم دينهم، فإننا نجد في التلمود: "عندما تنذر المرأة المتزوجة نذراً، فإن لزوجها الحق بأن يوافق على النذر أو يبطله". و"إن المرأة ما إذا أساءت إدارة البيت أو وجد الرجل امرأة أجمل منها فله الحق في أن يطلقها". ومما يؤكد استهانة اليهودية بالمرأة أنها لا تستطيع أن تلتحق بالمدارس الدينية اليهودية "والتي تسمى: تلمود توراة" ويعزى محرر دائرة المعارف اليهودية ذلك إلى سببين:

أولاً: لأن تعليم المرأة لم يكن إجبارياً في الدين.

وثانياً: لأن المرأة تعتبر "خفيفة العقل" ويذكر كذلك أن الحاخام أليعازر قال: "كل من يعلم ابنته التوراة، فكأنه يعلمها السخافة".

سيطرة الأفكار التوراتية والتلمودية على الكيان الصهيوني

وهكذا يثبت وبلا "شك أن المعتقدات الدينية التلمودية وما يتبعها من اجتهادات وتفسيرات أطلقها الحاخامون خلال القرن السادس عشر والسابع عشر؛ قد أحدثت تطوراً واضحاً في الحركة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ظهرت بين اليهود خلال القرون الخمسة الأخيرة ومن بينها الحركة الصهيونية. وهي التي تقف وراء العديد من أسسها ونظرياتها بل كلها، وأيضاً وراء العديد من الحقوق والمتطلبات الاستثنائية التي تدعيها الصهيونية المعاصرة في مواقفها من باقي الشعوب والدول".

بمعنى آخر أن التعاليم التلمودية ودعوات الحاخاميين تمثل الخلفية الفكرية والمنطلقات الأساسية للحركة الصهيونية، وتقف من ورائها تدعمها وتقويها وتؤيدها وتحركها، بدليل أن الحاخاميين لم يرفضوا التحالف مع العلمانيين والعمل معهم من أجل (إسرائيل) لأنهم كانوا على يقين أن الأمر سيعود إليهم في النهاية، وهذا ما حدث فالتعاليم الدينية اليهودية مقدسة في (إسرائيل) الدولة ولا يسمح بمساسها، زد على ذلك التصاعد المتلاحق لنجم الحاخاميين المتطرفين والمتعصبين وتزايد شعبيتهم في (إسرائيل) وتأييدهم في عمليات الاستيطان وطرد السكان العرب من أراضيهم.

وأخيراً إن الحركة الصهيونية لم تكن وليدة فكرة قومية غريبة عن أوساط اليهود المتدينين بل هي ثمرة جهودهم عبر قرون طويلة، وما "الصهيونية إلا الرداء الحديث للأمل المسيحاني القديم الذي حافظ اليهود على إحيائه خلال العصور الماضية، إنه الأمل الذي يهدف إلى تحقيق شقين ـ كما يقول الأنبياء ـ فهو يهدف إلى إعادة اليهودي لـ(حياته القومية) في (أرضه الوطنية) في فلسطين، كما أنه يهدف أيضاً إلى إعادة إنشاء (إسرائيل) الذي يساعد على إعادة خلق البشر جميعاً". لذلك قام الحاخامات بتغذية الحركة الصهيونية منذ اللحظة الأولى بأفكارهم ما ذكا روح الاستيطان في فلسطين دينياً، واعتباره هذا الجهد البشري تمهيداً لظهور المسيح المخلص، وليس غريباً أن يقال عن (هرتزل) أنه المسيح أو أنه النبي الذي يسبق مجيء المسيح.

وقد جاء في "الموسوعة الفلسطينية الجزء الأول ص438": "ومهما تكن قوة الاتجاهات العلمانية السائدة لدى قسم كبير من (الإسرائيليين)، فإن الأرثوذكسية الدينية في (إسرائيل) تستأثر بمراكز القوى والنفوذ وتحتكر السيطرة على الحياة الدينية عن طريق المؤسسات والمنظمات التابعة لهيمنتها والعاملة بتوجيه منها بموافقة الدولة أو بعجزها وتراجعها، وتتجمع مراكز القوى الدينية في (إسرائيل) في وزارة الشؤون الدينية ودار الحاخامية إلى جانب منظمات ومؤسسات دينية أخرى منها الكيبوتز الديني التابع لـ(حركة الرواد الدينية) و(أكاديمية التلمود) التي تنشر التعليم الديني، بالإضافة إلى الأحزاب السياسية الدينية والكتل التي تتألف منها أو الأجنحة العمالية التابعة لها.. إن السلطة الدنيوية نفسها تسعى إلى محاباة السلطة الدينية".

لقد قبل المتدينين التحالف مع اليهود العلمانيين ظاهراً لأنهم مطمئنين إلى أن أياً من اليهود يبقى يهودي بغض النظر عن الفكر الذي يحمله: "بعض الناس يقولون أن اليهودي الصهيوني هو صهيوني أولاً ثم اشتراكي أو رأسمالي ثانياً إلا أن وقائع الحركة الصهيونية تبين لنا أن اليهودي الصهيوني هو على المدى الطويل يهودي صهيوني ولا شيء آخر".

والحقيقة أنه لا يمكننا معرفة حقيقة هؤلاء الصهاينة إلا إذا قرأنا التوراة والتلمود بروح يهودية ومن موقعهم كيهود، لنعرف كيف صاغا عقول وطموحات هؤلاء الصهاينة، وكذلك إلا إذا عشنا أحلام طفولتهم مع خرافات أبطال التوراة وأساطيرها بروحهم وتطلعاتهم هم لا بروحنا وتطلعاتنا نحن. ساعتها سنقف على السر في بقاء اليهود طوال القرون الماضية على دينهم وإيمانهم رغم كل ما لاقوه من اضطهاد وتشرد، ونفهم كيف لبى هؤلاء اليهود دعوة الصهاينة للهجرة إلى فلسطين وتفاعلوا معها. وندرك أيضاً لماذا حرصت التيارات الصهيونية المختلفة على التعاون مع الصهيونية الدينية، فأعلنت أن التقاليد الدينية "جزء لا يتجزأ من الثقافة القومية اليهودية (وليس أدل على ذلك من التعاون الوثيق بين الصهيونية "الدينية" والصهيونية "الاشتراكية"، ولقد وجد مفكرو التيار الأخير في استخدام أقوال الأنبياء اليهود القدامى عن الشعب اليهودي لتأكيد شعاراتهم الخاصة حول العلاقات الطبقية (الجديدة) في الدولة اليهودية، وقد ساعدوا القوميين الدينيين في جهودهم لتحقيق هجرة واسعة لليهود المتدينين إلى فلسطين ثم (إسرائيل) فيما بعد. بل ولقد لجئوا هم أنفسهم إلى الذرائع الدينية".

هذه مقالة مختصرة عن دور التلمود في صقل الشخصية اليهودية، والحفاظ على الوجود اليهودي في أحياء الجيتو التي فرضها اليهود على أنفسهم، والدور الذي لعبه في تشكيل عقلية وفكر وتوجهات القادة المؤسسين للحركة الصهيونية، وما يزال يحكم عقلية قادة الكيان الصهيوني، وآخرها شرط نتنياهو ومَنْ قبله على السلطة الفلسطينية الاعتراف بيهودية كيان العدو الصهيوني. علنا نتدارك وندرك البعد الديني في العقلية والفكر الصهيوني، والممارسة وسياسة الطرد والقتل والإبادة التي يمارسها العدو الصهيوني للقضاء على الوجود الفلسطيني في وطنه.

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد