إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الاحتباس الحراري والدور السياسي في تجاهل أسباب التصدي له

Mohanadمهند صلاحات *

 
بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تظهر أولى ما سُميت بظاهرة اختلال مكونات الغلاف الجوي نتيجة نشاطات الإنسان المفتعلة والغير عادية، ومنها تقدم الصناعة ووسائل المواصلات, ومنذ الثورة الصناعية وحتى الآن ونتيجة لاعتماد الإنسان فيها على الوقود الأحفوري بشكل أساسي من "فحم، بترول، غاز طبيعي" كمصدر أساسي ورئيسي للطاقة واستخدام غازات الكلوروفلوروكاربون في الصناعات بشكل كبير, ساعد هذا كله بحسب رأي علماء البيئة على زيادة الدفء لسطح الكرة الأرضية وحدوث ما يسمى بـ"ظاهرة الاحتباس الحراري Global Warning".
بحيث بدأت هناك عملية ارتفاع تدريجي في درجة حرارة الطبقة السفلية القريبة من سطح الكرة الأرضية من الغلاف الجوي المحيط بالأرض. وسبب هذا الارتفاع هو زيادة انبعاث الغازات الدفيئة أو غازات الصوبة الخضراء "green house gases"، ما يعني أن الإنسان صنع بنفسه قنبلة موقوتة يعيش فوقها لا بد ستنفجر عاجلاً أم أجلاً لتدمر الكوكب الذي يعيش عليه، وكأنه يسعى لانتحار جماعي بطريقة بشعة ووحشية.
ومنذ أن بدأت هذه الظواهر تشكل خطراً يرافقه نداءات صارخة من علماء البيئة والمنظمات والجمعيات العالمية المعنية بالموضوع، عُقدت مجموعة من اللقاءات والقمم الدولية لمناقشة الموضوع والتصدي له. إلا أن جشع الإنسان وسعيه الدائم للتطور الآني على حساب المستقبل ضمن مفاهيم الرأسمالية الحديثة، جعله يتجاهل التحذيرات وكذلك الظواهر التي بدأت بالظهور لتدمير أجزاء من كوكبنا، أو السير بالكوكب كله نحو هاوي الهلاك المحتوم.
غالبية المؤتمرات والنقاشات والقمم التي عُقدت لمناقشة موضوع الاحتباس الحراري حتى الآن لم تخرج بنتائج حقيقية، كونها كانت ترضخ لرغبات وشروط وقواعد دول كبرى مسيطرة سياسياً، كون التصدي لظاهرة لاحتباس الحراري تتعارض مع مصالحها. لذلك خرجت توصيات خجولة وغير مجدية كما حدث في قمة المناخ الأخيرة في كوبنهاجن عاصمة الدانمرك، والتي عرضت الموضوع على أنه مجرد ظاهرة لا يمكن التصدي لها، وطرحت لها حلولاً خجولة خوفاً من إغضاب الدول الكبرى المتسببة بالجزء الأكبر من هذا الاحتباس وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
ولتوضيح الفكرة أكثر ربما علينا أن نرى ما هي الأسباب الطارئة على الكوكب والتي تسببت خلال أقل من قرنين بكل هذا التحول في مناخ الأرض التي عاشت ملايين السنين دون أدنى تحولات حقيقية تتهددها كما حدث في هذين القرنين.
فقد كان لقطع الأعشاب والأشجار وإزالة الغابات لغايات استخدام أخشابها في إرضاء كماليات الإنسان الدور الأول، وكذلك التوسع العمراني وازدياد التصحر بسبب التوسع العمراني أيضاً وكذلك الحروب والفقر، بالإضافة لاستعمال الإنسان للطاقة وتحديداً للوقود الاحفوري "نفط, فحم, غاز" أدى إلى زيادة ثاني أكسيد الكربون في الجو وهو ما أدى كذلك إلى زيادة درجة حرارة الجو ("الاحتباس الحراري" أي وكأن الإنسان يعيش في بيت زجاجي).
وكوننا جميعاً معنيون بلا استثناء بتأثيرات هذه الظاهرة سواء في الدول الكبرى أو الدول الفقيرة أو الدول الصناعية، يحق لنا أن نطرح تساؤلات واقعية أهمها: من يحمي مستقبلنا مما يحدث؟ ومن القادر على إيقاف هذه الكارثة التي نرى مسبباتها بشكل يومي تحدث دون أن نجد وقفة جادة للتصدي لها؟
ما هو الدور الذي تلعبه الدول الكبرى من أجل الضغط على المنظمات الدولية الساعية للتصدي لهذه الظاهرة الكارثية كون التصدي الحقيقي لها يتعارض ومصالح هذه الدول؟
إن علمناً أن الدول الكبرى الصناعية هي المسبب الرئيسي للاحتباس الحراري، بحيث تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية تليها الصين ومن ثم دول كبرى أخرى المسئولية الكبرى عن انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري من مصانعها وكذلك نتيجة لأحداث هي المسؤول الأول عنها كالحروب وتجارب الأسلحة المدمرة، هل ستتنازل هذه الدول الكبرى عن سعيها للتسابق على السيطرة وفرض النفوذ من أجل أن يتعدل توازن الكوكب الذي بدأ يختل؟
ما نلاحظه أيضاً في غالبية القمم والمؤتمرات الدولية أن هنالك تجاهلاً متعمداً لأسباب حقيقية أخرى مسببة للاحتباس، فمثلاً لماذا لا تجرؤ العديد من الدول على مناقشة تأثير الحروب التي تنشأ فقط لأسباب السيطرة وبسط النفوذ على دولٍ أخرى؟ ومن هنا ننطلق بسؤال أخر هو: هل تسعى الدول الكبرى وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية إلى إيجاد بدائل طاقة نظيفة؟ ألا يتعارض هذا مع احتكاراتها النفطية حول العالم واستغلالها النفط كسلاح اقتصادي في التدخل بسياسات العديد من دول العالم؟
وكذلك نتساءل تساؤلاً يحمل في طياته بعض ما يسمونها نظرية المؤامرة، لكنه بواقع الحال حقيقي ويستحق البحث عن إجابات، من الذي أجهض مشاريع المركبات التي تستخدم الطاقة النظيفة؟ أين اختفت السيارة الكهربائية؟
ولماذا تجاهلت دول العالم الأول، تأثير الأسلحة المدمرة على المناخ؟ ولماذا لم يتم مناقشة أسباب الحروب القائمة حالياً ولم يتم البحث بشكل جدي في إنهائها؟ أليست الحروب هي الأخرى سبباً من أسباب التلوث؟ أم أن مناقشة أمور تخص الولايات المتحدة التي تُعلن الحروب وتنتهك سيادة الدول متى تشاء أمر محظور؟
إن السبب الأول والأخير للاحتباس الحراري لا يكمن كما تقول تقارير سياسية بظواهر طبيعية كالبراكين والزلازل وغيرها، ولا بسبب الطاقة، بل إن السبب الحقيقي يمكن في طموحات الإنسان الجشعة في التوسع والسيطرة، وكبح جماح رغبات الإنسان لتبدو منطقية هو الحل الحقيقي الذي يمكنه أن يخفف من هذه الكارثة التي ستجعلنا ننسى أمر المستقبل الذي لا نعرف كم بقي منه زمنياً.
هنالك دول تستفيد من أسباب هذا الاحتباس سواء على صعيد التصنيع الحربي أو على صعيد الصناعات اللازمة للسيطرة على السوق العالمية، ما يعني أن الدول الصناعية صارت هي الخطر الحقيقي الذي يهدد هذا الكوكب بدلاً من أن تكون دولاً تسعى للتقدم الحقيقي للكوكب، وإن كانت الضريبة التي يجب على هذا الكوكب أن يدفعها مقابل تقدمه صناعياً هو فناءه فالأفضل أن نشتري المستقبل بكبح جماح الدول الصناعية الكبرى من أجل شراء المستقبل بطريقة أكثر إنسانية.
 
 
* مهند صلاحات / كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الأردن
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد