إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

نهاية “نهاية التاريخ”.. بقلم: علي الصراف

Tareeekh

 

تقول مؤسسة الدعاية والإعلان الأميركية إن عدد "العمليات الإرهابية" ضد القوات الأميركية يتراجع، إلا أنها لا تقول إن هذه القوات تهرب من أرض المعركة الى قواعد نائية.

وتقول مؤسسة العلاقات العامة الأميركية إن هناك نظاما "ديمقراطيا" في العراق يقوم على أساس "انتخابات"، إلا أنها لا تقول إن هذا النظام الغارق بالفساد (حسب الكثير من البيانات والوثائق الرسمية الاميركية) لا يحظى بثقة ربع الناخبين (حسب الكثير من استطلاعات الرأي)، مما يجعل وجوده غير ديمقراطي بالمرة.
وتقول مؤسسة تسويق الأكاذيب الأميركية إن الأمن يتحقق في العراق، ولكنها لا تقول إن التفجيرات تزداد، حتى أنها صارت تطال أكبر المراكز الحكومية، وأحيانا العديد منها دفعة واحدة.
وتقول مؤسسة الاحتيال التي نصّبتها الولايات المتحدة في بغداد، إنها تنتج 1.5 مليون برميل من النفط يوميا، مما يحقق دخلا يزيد على 40 بليون دولار سنويا، إلا أنها لا تقول أين ذهبت بهذه الأموال، وكيف لم تتمكن من إعادة الخدمات الأساسية إلى مستوى ما قبل الغزو.
وتقول مؤسسة الخداع المشتركة إن منظمات "الإرهاب" في العراق تستعين بمقاتلين "أجانب"، وكأن الـ 140 ألف جندي اميركي، والـ 160 ألف مرتزق الذين يعملون لحساب الشركات الأمنية ليسوا أجانب، بل عراقيين من ولادة "النجف الأشرف"!
وتقول مؤسسة اللصوصية في بغداد إنها تتفاوض للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 5 بليون دولار لتمويل "مشاريع تنمية" ، ولكنها لا تقول كيف ستحقق 5 بليون من القروض ما لم تحققه (40×6 =) 240 بليون ضاعت على مدى السنوات الست الماضية؟
وتقول حكومة الدجل الطائفي إنها تسعى لتحقيق "المصالحة الوطنية" ، إلا أنها لا تقول إن "المصالحة" المقصودة هي مصالحة بين "ساف" من "العملية السياسية" والـ"الساف" الأوطأ منه.
… والأقوال كثيرة، وفي كل واحد منها دليل على الفضيحة ذاتها، وهي أن الاحتلال يواجه الهزيمة، وحكومته تفشل، والأوضاع تمضي من سيء الى أسوأ.
وأشكال السوء يمكن أن تتبدل، وتنتقل من مكان إلى آخر، إلا أنها تدور في الدوامة نفسها التي تجعل من العراق مستنقعا لا قرار له.
وخلف كل ذلك، توجد مقاومة مسلحة. ولكن هذه المقاومة لا تعمل بمفردها. فالنظام الذي أقامه الأميركيون على أكتاف حفنة من الأفاقين والحثالات والرعاع، يساعدها أيضا. الجرائم وأعمال الفساد التي تشكل قاعدة النظام وقمته، تمثل دافعا لا ينضب للمقاومة. وهذا الدافع، بالبؤس الذي ينشره في كل مكان، لا يني يزود المقاومة بدفعات لا تنتهي من المقاتلين الجدد.
وقد يبدو من ذلك كله أن مؤسسة "صنع الانطباع" تحاول أن تغطي شيئا، ولكن ارجع خطوة الى الوراء،فستجد أن الكارثة الإجمالية التي تحاول أن تغطيها أكبر بكثير مما أمكن تصوره حتى الآن.
الولايات المتحدة لم تخلق نظاما فاسدا، ودولة فاشلة، ومشروعا مهزوما في العراق فحسب، ولكنها هي نفسها، تنهار.
الإمبراطورية تهوي. وما بدا جحيما اقتصاديا في العام 2009، ما يزال في أوله. فالكتلة الساقطة لم ترتطم بالأرض بعد. وعندما تفعل، فإنها ستجرّ معها الكثير من الويلات والانهيارات على مدار الكرة الأرضية.
طبعا. تستطيع أن تأخذ من الصورة ما شئت. "الانتعاش الاقتصادي بدأ"، هكذا يقولون لك. و"العالم بدأ يخرج من أسوأ ركود عرفه منذ الكساد العظيم"، يضيفون. و"النمو ازداد في الربع الأخيرعن الربع الذي سبقه"، يحاولون إقناعك. "الولايات المتحدة ترسل 30 الف جندي إضافي الى أفغانستان"، لكي تفهم أنها ما تزال قادرة على خوض حربين في آن واحد. "الدولار ينتعش"، لكي لا ترى مستوى الانهيار مقارنة بأي تاريخ سابق.
ارجع خطوة أخرى الى الخلف، وسترى أن مؤسسة النفاق تحاول أن تعطيك انطباعا يقول بأن كل شيء سيعود إلى ما يرام، وأن الولايات المتحدة ما تزال قوة عظمى، وأنها تستطيع، مع عودة الانتعاش الى الاقتصاد العالمي، البقاء كقوة عسكرية واقتصادية قائدة في العالم.
ولكن ما لا تقوله الولايات المتحدة، هو أن رهان "الانتعاش" يقوم بنسبة 100%، على "الجهد المشترك" للاقتصادات العالمية الكبرى للخروج من "الورطة المشتركة"، وليس على قدرة الولايات المتحدة على النجاة.
بكلام آخر: هناك مجموعة تجار كبار، خلطوا أموالهم وتداخلت شركاتهم، ولكنهم وجدوا أن واحدا منهم لصّ، اقتصاده مزيف، وهو غير قادر على سداد ديونه. وحماقاته جرّت عليهم الركود. فماذا يفعلون؟
إذا تركوه يموت، فانهم يتضررون. وإذا أنقذوه، فقد ينقذون أنفسهم، إلا أنهم لا يريدون الوقوع تحت براثنه من جديد.
الاتجاه السائد اليوم في خيارات الشركاء الكبار، هو أن ينقذوا اللص، لكي ينقذوا أنفسهم. هذه هي الخطوة الأولى.
ولكن تحجيم اللصّ، والحد من قابليته على التزييف، هو الخطوة الثانية.
هذه "الاستراتيجية" ما تزال حذرة. وخطواتها تمشي على جليد هشّ. وقد تنهار القدم في أي لحظة. واللصّ ما يزال بوسعه أن يسبب لهم المشاكل. ومع ذلك فإن الانفصال آتٍ. ليس بسبب الاقتصاد وحده، بل بسبب الهزائم التي تحصدها الولايات المتحدة في الحربين معا.
المقاومة التي صنعتها محنة العراقيين، ورسمت خطوطا سياسية فاصلة لمسار الدماء، نزلت على رأس الولايات المتحدة نزول القدر، وجعلتها عاجزة عن تحقيق النصر مهما فعلت، وحتى ولو نطحت رأسها بالحيط.
عندما نشأت الأزمة المالية العالمية التي نجمت عن إلغاء غطاء الذهب من الدولار في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كان المسؤولون الاقتصاديون الأميركيون (في إدارة نيكسون) يقولون لنظرائهم:
The dollar is our currency, but your problem
أو: الدولار عملتنا، ولكنه مشكلتكم أنتم.
وتاليا، ومع تصاعد المخاوف من التراجع الثابت في قيمة الدولار الذي ازداد حدة منذ أواخر العام 2001، صار المسؤولون الاميركيون يقولون:
The dollar is our problem, but your crisis.
أو: الدولار مشكلتنا، ولكنه أزمتكم أنتم.
اليوم، يقول اللصّ لشركائه التجاريين: الاقتصاد الأميركي مشكلتنا، ولكنه أزمتكم أنتم.
والآخرون في أزمة فعلا. من مصلحتهم ان تنجو الولايات المتحدة، لاسيما وأنها أكبر سوق للاستهلاك في العالم، ولكنهم يدركون أن مشكلتهم مع "السوق الأكبر" تكمن في حجمه، وليس فقط في عدم قدرته على الدفع.
وهم يريدون أن يستردوا قسطا من أموالهم التي كانوا يضخونها في الاقتصاد الأميركي، لكي يتمكنوا من إعادة توجيهها في استثمارات خارج الولايات المتحدة.
لا يريدون للولايات المتحدة أن تعلن إفلاسها، لأنها ستدفع العالم الى قاع ركود لا قرار له. ولكنهم يريدون أن يتعاملوا مع أسواق بديلة، وعملات بديلة، بل مع نظام نقدي دولي بديل أيضا.
وسواء عاشت الولايات المتحدة أو ماتت، فمن الأفضل (بالنسبة للشركاء الكبار) أن تعيش اليوم لتموت غدا. وعندما ترتطم كتلتها بالأرض، فمن المفيد للولايات المتحدة نفسها أيضا، أن تكون وشائج الاقتصاد العالمي مرتبطة بها أقل فأقل. حتى إذا وجد الأميركيون أنفسهم يطلقون النار على بعضهم البعض، في آخر المطاف، فلا حاجة لليابانيين أو الصينيين أن يفعلوا الشيء نفسه.
خذ الصين مثلا.
حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة بلغ 307.82 بليون دولار أميركي فى الـ11 شهرا الأولى من العام 2008. وبلغ حجم الفائض التجاري لصالح الصين نحو 140 بليون دولار.
على مدى سنوات، ظلت الصين تعيد استثمار جانب من الفائض السنوي لتجارتها، داخل الولايات المتحدة.
في عام 2005 قال كلايد بريستوفيتز رئيس معهد الاستراتيجيات الاقتصادية في واشنطن "نحن نعيش الآن اعتمادا على الحبل السري الذي يريط أميركا بالبنك المركزي الصيني الذي يضخ يوميا في الاقتصاد الأميركي أكثر من بليون دولار" (مجلة "الجزيرة"، 23 آب-أغسطس 2005).
التقرير الذي صدر عن وزارة الخزانة الأميركية حول تدفق رؤوس الأموال الدولية في 15 كانون الأول- ديسمبر الماضي ، قال إن حصة الصين في السندات المالية الأميركية بقيت عند 798.9 بليون دولار أميركي في شهر تشرين الأول- أكتوبر 2009 ، ولم يتغير مقارنة مع شهر أيلول- سبتمبر من العام نفسه. وظلت الصين تحتل صدارة الدول التي اشترت السندات الحكومية الأميركية الطويلة الأجل مما عزز موقعها كأكبر مقرض للولايات المتحدة الأميركية.
الوجه الآخر للحقيقة، هو أن الصين كانت تملك من سندات الخزانة الأميركية في آب- أغسطس عام 2007 ما قيمته 1330 بليون دولار. وهو ما يعني أن الصين باعت أو تخلصت من أصول بقيمة 500 بليون دولار في غضون عامين!
وفي دلالة على رغبة الشركاء التجاريين الكبار على التخلص من الدولار، نقلت وكالة "نوفوستي" في 28 تشرين الأول- اكتوبر عن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين قوله إنه اقترح على الصين أن تستخدم كل دولة عملتها المحلية في التبادل التجاري بين الدولتين.
وفي 7 حزيران- يونيو 2009، دعا البنك المركزي الصيني (قبل أسبوع من قمة مجموعة العشرين) إلى اعتماد عملة جديدة للاحتياطات الدولية بدل الدولار، في نظام يوضع تحت إشراف صندوق النقد الدولي.
وقال حاكم البنك المركزي تشو كسياو شوان في نصّ نشرعلى موقع المصرف الإلكتروني إن الهدف هو "انشاء نظام اقتصادي عالمي جديد لا يتأثر بسهولة بسياسات بعض البلدان".
وكتب يقول: إن "اندلاع الأزمة وامتدادها إلى العالم برمته يعكسان نقاط الضعف الكامنة في النظام النقدي الدولي والمخاطر التي تهدد بالانتشار فيه برمته".
وكان كسياو شوان قد اقترح في نيسان- أبريل 2009، أن يتمّ التخلي عن الدولار كعملة احتياطية، ويستبدل بـ«وحدة حقوق السحب الخاصة» المعتمدة من قبل صندوق النقد الدولي منذ عام 1969. وأضاف "يجب عدم الاكتفاء باعتماد «وحدة حقوق السحب الخاصة» بل تكليف الصندوق بإدارة جزء من احتياطات الدول من العملة الصعبة".
وقال إن اعتماد «وحدة حقوق السحب الخاصة» (وهي عبارة عن وحدة مؤلفة من سلة عملات)، يجنب العالم مساوىء اعتماد عملة وطنية مثل الدولار كعملة للاحتياطي النقدي العالمي، وتحافظ على قيمتها على المدى الطويل.
وأضاف «إنه من الصعب إيجاد التوازن المطلوب بين السياسات المحلية الأميركية وبين ما يتطلبه الدولار كعملة أساسية للاحتياطات النقدية العالمية".
وتملك الصين احتياطا نقديا بلغ حتى كانون الأول- ديسمبر الماضي 2009 ما يعادل 2.3 تريليون دولار. ولكن الدولار نفسه، الذي كان يشكل نحو 80% من إجمالي الاحتياطات الصينية، تراجع إلى ما يعتقد أنه أقل من 60%، وجزء من هذه الاحتياطات ما يزال كـ"سندات خزانة اميركية"، ولكن جزءا متزايدا منه يتحول إلى استثمارات وتمويلات تجارية في أرجاء مختلفة من العالم.
في 4 أيار- مايو 2009، قالت وكالة الأنباء الصينية، إن الصين حلت محل الولايات المتحدة لتصبح أكبر شريك تجاري للبرازيل.
وحسب الميزان التجاري الذي أصدرته وزارة التنمية والصناعة والتجارة الخارجية البرازيلية، فقد وصل حجم الصادرات والواردات مع الصين الى 3.2 بليون دولار أميركى فى نيسان- أبريل، متجاوزا حجم التجارة مع الولايات المتحدة البالغ 2.8 بليون دولار.
الصين، إذن، تحل محل الولايات المتحدة في أهم مركز تجاري في اميركا اللاتينية التي كانت تعد "الفناء الخلفي" لوول ستريت!
وأعلن في تموز –يوليو الماضي عن ارتفاع في صادرات الصين إلى الاقتصادات الناشئة. وارتفعت قيمة الشحنات إلى إفريقيا، وأميركا اللاتينية، والشرق الأوسط من 38 بليون دولار إلى 192 بليون دولار في السنوات الخمس الماضية. وفي حقيقة الأمر، فقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة بصفتها أكبر مصدر في العالم إلى الشرق الأوسط، أهم منطقة نزاع استراتيجي في العالم! إذ ارتفعت قيمة صادراتها إلى 59 بليون دولار، مقابل تراجع حصة الولايات المتحدة إلى 53.8 بليون دولار في المركز الثاني. (حسب "سي.إن.إن"، 15تشرين الثاني-نوفمبر 2009).
وأعلنت منظمة التجارة العالمية في آب – أغسطس الماضي أن صادرات البضائع الصينية تقدمت بشكل طفيف على صادرات ألمانيا. وأشارت إلى أن قيمة الصادرات الصينية بلغت في الربع الأول 521.7 بليون دولار مقابل 521.6 بليون للصادرات الألمانية. وعلى الرغم من أن السوق الأميركي ما يزال "أكبر الأسواق" الصينية، إلا انه لم يعد يحتل إلا نحو ربع إجمالي الصادرات الصينية.
المعنى من ذلك كله، هو أن الصين التي تعد أحد أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، تحاول بدأب أن تجمع بين الأمرين معا: تقليص حجم الشراكة مع الولايات المتحدة، والتخلص من أعباء وتعقيدات العلاقة مع هذا "الشريك".
لماذا؟
ببساطة، لأن الولايات المتحدة تقف على عتبة الإفلاس.
لا تنسَ، أن الصين كانت الممول الرئيسي للحرب الأميركية في العراق وأفغانستان. فعبر إعادة ضخ أموال الفائض التجاري في الاقتصاد الأميركي، وجدت إدارة الرئيس بوش أن لديها ما يكفي من الأموال لخوض المغامرة من اجل التوسع الاقتصادي. وقد ساعد زخم الأموال الصينية بدوره في تضخيم قيمة الأسواق العقارية الأميركية.
رهان الرئيس جورج بوش كان بسيطا: ننهب العراق. نجلب لقيادته لصوصا وأفاقين نستطيع التلاعب بهم. نسمح لهم بتهريب بعض الأموال، وارتكاب ما يشتهون من أعمال قتل وجرائم لكي نمسكهم من رقابهم. نسيطر على احتياطات بلدهم النفطية. نتحول إلى أكبر منتج للنفط في العالم. ندمر العراق كليا، ثم نعود لنعطي شركاتنا عقود "إعادة الإعمار". النمو يزداد. نتوسع في بقية أرجاء العالم. النمو يزداد أكثر. نرفع سعر النفط متى أردنا من الصين أن تدفع أكثر، ونخفضه متى أردنا أن ندفع نحن أقل. وعمليا: نقايض الديون الصينية بالنفط العراقي، ومن بعدها نملك العالم.
هذا الرهان كان هو "الوحي" الذي نزل على جورج بوش ليقول له: "جورج، اذهب لتحرير العراق من الدكتاتورية".
"الله" المزيَّف (الموجود اسمه على الدولار المزيَّف)، كان يحسب في تلك اللحظة براميل النفط. وبنك الاحتياط المركزي كان يفرك يديه شغفا.
ولكن الله الحقيقي، كان في الانتظار.
فقاعة الرهان الأولى انفجرت في العراق. تطايرات الدبابات والمدرعات والآليات الأخرى، في حرب واجهت خلالها الولايات المتحدة نحو 5000 هجوم كل شهرعلى امتداد 5 سنوات (قبل أن تهرب إلى القواعد النائية)، وتطاير معها نحو 600 بليون دولار (حسب تقديرات البنتاغون).
الصين بدأت تشعر، مع تسارع الانخفاض في قيمة الدولار، أن أموالها هي التي تتطاير مع تطاير الدبابات الأميركية.
الفقاعة الثانية انفجرت في أسواق العقارات الأميركية التي اندلعت مع "أزمة الرهون العقارية" وما تلاها من "اختناق" في النظام النقدي العالمي.
لقد بدأ مجرى التاريخ يتغير. والتصدع في مشروع الهيمنة الكونية تحول إلى شرخ يصرخ: الكارثة آتية.
فكيف عالجت الولايات المتحدة الأزمة؟
لسان حال الاحتياطي الفيدرالي بدا وكأنه يقول: "وداوها بالتي كانت هي الداء".
الديون كانت هي المشكلة، فزاد عليها ديونا أخرى. ولكي لا يظهر الفشل في التسديد، فقد تعمد خفض أسعار الفائدة إلى ما يقارب الصفر!
وعندما بدأ الانهيار يظهر، احتاجت الولايات المتحدة الى حُزمتي إنعاش بلغت قيمتهما 1487 بليون دولار. نصفها الأول ذهب من أجل "استعادة الثقة" (على حد تعبير بوش الذي قالها ووجهه يرتجف ذعرا)، ونصفها الثاني ذهب من اجل توفير وظائف لجيش من الذين صاروا عاطلين عن العمل يتجاوز 10% من مجموع الأيدي العاملة.
وزاد الطين بلة، عندما وجد الاحتياطي الفيدرالي أن السبيل الوحيد المتبقي أمامه (حيال توقف التمويلات الخارجية) هو طباعة المزيد من ورق العملة.
اللصّ، لم يكتف بتزوير قدراته الاقتصادية لتمويل الاستهلاك، ولكنه بدأ بتزوير عملته أيضا.
في أواخر عام 2001 ، كان الدولار يساوي نحو 120 سنتاً من سلة عملات. أما اليوم، فقد وصل الى أقل من 80 سنتاً. وهو تراجع هائل. مما يعني أن كل بليون دولار كان يملكه المستثمرون في عام 2001، بقي منه 666 مليون دولار فقط!
هذا الانهيار، على هوله، ما يزال في أوله!
لأن الولايات المتحدة غير قادرة على خدمة ديونها، حتى ولو بقي سعر الفائدة قريبا من الصفر.
والدولار لن يستقر حتى عندما يصل الى 50 سنتاً (أي حتى عندما يبقى من البليون دولار 416 مليون دولار فقط). أولا، لأنه يخرج تدريجيا من التداول كمقاصّة عالمية (وهو ما سيعني أن كتلته الفائضة والعائدة إلى الولايات المتحدة سوف تتضخم إلى حد الكارثة). وثانيا، لأن الولايات المتحدة ستواصل تزوير عملتها لسنتين (اثنتين) على الأقل، لتمويل الخروج من الانكماش. وثالثا، لأن وحش "العولمة" الذي أرادت الولايات المتحدة، من خلال السيطرة على العراق، أن تسيطر به على الاقتصاد العالمي، ينقلب اليوم ضدها، ببروز قوى اقتصادية أكثر قدرة على الاستفادة منه كـ"انفتاح" عالمي.
وبينما تظهر الولايات المتحدة كمصدر للمشكلة، فإن القوى البديلة تبدو أكثر مدعاة للثقة كقوى اقتصادية مستقرة.
قارن بين ما تملكه الصين من احتياطات فائضة وبين ما "تملكه" الولايات المتحدة من ديون، وقل لي أيهما أكثر حكمة، أن تحتفظ باليوان (لو كان عملة دولية) أم تحتفظ بالدولار؟
يقول بن سمبفندورفر، مؤلف كتاب "طريق الحرير الجديد" ، إن النفط والغاز يشكلان أبرز عوامل الجذب الصينية لمنطقة "الشرق الأوسط" لانه سيكون مصدر أكثر من ثلثي كميات النفط الجديدة التي ستدخل أسواق العالم خلال العقدين المقبلين، في حين أن الصين ستكون مسؤولة عن ثلثي النمو في الاستهلاك العالمي خلال الفترة نفسها . لذلك فهناك عوامل جذب موضوعية بصرف النظر عن رغبة الطرفين في بناء هذه العلاقات."
ويضيف سمبفندورفر: "العديد من الخبراء يقولون إن الانسحاب من العراق أو أفغانستان سيشير إلى عدم قدرة الولايات المتحدة على فرض قوتها في العالم، وهذا سيؤثر في نهاية المطاف على الدولار لأنه سيعتبر أحد أوجه تراجع الإمبراطورية الأميركية".
الحقيقة التي لا يذكرها سمبفندورفر هي أن الصين تشتري من المنطقة نفطا وتدفع ثمنه "سندات خزانة أميركية". فتكسب النفط وتتخلص من الدولار في آن واحد، لتورّط دول المنطقة به.
حتى نهاية عام 2009، بلغ حجم الديون الأميركية 12 تريليون دولار. وهذا يعني ان كل 1% من الفوائد سيكلفها 120 بليون دولار سنويا.
الدولار يواجه ضغوطا تضخمية من إتجاهين: الأول، تراجع مكانته كعملة مرجعية عالمية. وهذا يعني ان الدولار يعود الى الولايات المتحدة ليجعل الكتلة المعروضة منه أكبر. والثاني، طباعة المزيد منه لتمويل برامج الإنعاش، وتسديد العجز في الميزان التجاري.
وكلا هذين الإتجاهين يتطلبان رفع أسعار الفائدة. ولكن الفائدة لا ترتفع، بـ"قرار سياسي" يناكف متطلبات التوازن الاقتصادية، لان الولايات ليست قادرة على دفع الفوائد، فما بالك بتسديد أصول الديون نفسها. وهذا يشكل، بحد ذاته، اتجاها ثالثا، للتضخم. ويدفع في اتجاه جعل الدولار أقل فأقل قيمة. ويدفع المزيد من دول العالم الى التخلي عنه أكثر فأكثر.
الصين سجلت في نهاية العام 2009 تقدما جعلها المُصدِّر الأول في العالم، بقيمة وصلت الى 1.070 تريليون دولار. واحتلت المانيا المرتبة الثانية بقيمة صادرات بلغت 1.052 تريليون دولار. اما الولايات فقد تراجعت الى المرتبة الثالثة بقيمة صادرات تقدر بنحو 1.015 تريليون دولار. وبينما اقتصرت صادرات الولايات المتحدة الى الصين في هذا العام على 53.8 بليون دولار، فقد بلغت وارداتها منها 242.3 بليون مسجلة عجزا قدره عجزا قدره 188.4 بليون دولار. والحال نفسه مع المانيا، فبينما اقتصرت الصادرات على 35.6 بليون دولار، فقد بلغت الواردات الاميركية منها 57.4 بليون دولار مسجلة عجزا بمقدار 21.8 بليون دولار.
الـ 12 تريليون دولار، على أي حال، تعادل نحو 90% من إجمالي الناتج القومي الأميركي (14 تريليون دولار سنويا). وهو ما يعني أن على الولايات المتحدة أن تعمل لسنة بكاملها من دون أن تستهلك قرشا واحدا، لكي تسدد هذه الديون. وهذا مستحيل.
أو أنه يعني أن توسّع الولايات المتحدة تجارتها مع العالم بحيث تنتج بضائع وخدمات أكثر مما تستهلك، وان تقلب عجزها التجاري الى فائض لما لا يقل عن 20 سنة لكي تتمكن من تسديد الديون. وهذا مستحيل أيضا. لأن الولايات المتحدة تخسر مواطئ قدمها في العالم لحساب قوى ناشئة أخرى. دع عنك ان الأسباب الكامنة وراء العجز التجاري، متأصلة في بنية اقتصاد الاستهلاك.
القوى الوحيدة التي يمكنها الاستفادة من هذا النمط الاقتصادي هو الدول التي يمكنها ان تنتج بضائع وخدمات رخيصة، وتدفع أجورا زهيدة لعمالها، وكلفة العيش فيها متواضعة. وهذه صفات لا تنطبق على "هوية" الاقتصاد الأميركي.
الخيار الآخر هو أن يتمّ تمويل النمو بطلب قروض وتمويلات خارجية جديدة. وهذا مستحيل أيضا. فالشركاء التجاريون الكبار لم يعودوا يأمنون على أموالهم الحالية، فكيف بدفع أموال جديدة؟ وهم يعرفون أيضا أن قيمتها ستنخفض في جميع الأحوال.
لا توجد، إذن، حلول.
هناك، فقط، ما هو أسوأ.
فالولايات المتحدة تبدو محاصرة من كل جانب. ومع كل قنبلة تنفجر تحت أقدام جندي من جنودها في العراق أو أفغانستان، يزاد حصارها ضِيقا، وتزداد هزيمتها انكشافا.
الولايات المتحدة تنفق مليون دولار سنويا على كل جندي ترسله الى أفغانستان أو العراق.
يوجد اليوم 71 ألف جندي أميركي في أفغانستان، و140 ألف جندي في العراق (باستثناء المرتزقة). الكلفةـ بحدها الأدنى، تصل إلى 210 بليون دولار سنويا حسب تقديرات البنتاغون.
ولقد احتاج الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يحسب القرش قبل أن يقرر إرسال 30 ألف جندي جديد إلى أفغانستان. (بعضهم سيذهب من العراق، طبعا). ولكن الحقيقة هي أن أوباما كان يعرف أن ميزانيته لن تستطيع تحمل كلفة مفتوحة. ولذلك فإنه ربط التعزيزات بموعد انسحاب (ولو نظري) بحلول عام 2011.
بمعنى آخر، قال أوباما  لرئيس بنك الاحتياط الفيدرالي بن برنانكي: اطبع لنا 210 بليون دولار إضافية.
ولكن الجميع يعرف أن تقديرات الواقع غالبا ما تصل الى 4 أضعاف تقديرات البنتاغون. وهذا قد يعني: اطبع لنا 840 بليون دولار يا بن برنانكي!
كل تقديرات قادة الحلف الأطلسي تقول إن الولايات المتحدة، ما لم تكن قادرة على دحر طالبان في غضون العام 2010، فإن قبول الهزيمة سيكون خيارا لا مفر منه.
والولايات المتحدة لن تقدر أن تطبع 840 بليون دولار، بينما التخلي التدريجي الدولي عن الدولار يعيد إليها كميات هائلة كل يوم، وبينما هي في عز الركود الراهن.
ماذا يعني ذلك؟
إنه يعني أن الولايات المتحدة تمضي في طريق انهيار لا عودة عنه. ومع كل قنبلة تنفجر تحت أقدام جندي أو عميل، تقترب الساعة.
والساعة تبدو قريبة جدا. وهناك مؤشرات تقول إنها أزفت عندما كان دونالد رامسفيلد ما يزال وزيرا للدفاع. وكل ما تفعله الولايات المتحدة، منذ ذلك الوقت حتى الآن، هو أنها تعضّ على أصابعها لكي لا تصرخ.
فالعالم كله يعرف ان الولايات المتحدة ما كانت لتقيل وزير دفاعها، ومهندس نظرية "الحربين في آن واحد" إلا لتقدم إعترافا ضمنيا بالهزيمة.
حاول انت تكتب على محركات البحث على الانترنت: "استراتيجية جديدة في العراق" او "استراتيجية جديدة في افغانستان" وستعرف كم استراتيجية جربت الولايات المتحدة هنا وهناك. وبطبيعة الحال، فان كل إعلان عن "استراتيجية جديدة" يعني، ببساطة، ان الاستراتيجية التي سبقتها قد فشلت.
المقاومة في العراق تغير أساليبها. وتحاول أن تتكيف مع واقع جديد هو أن الأميركيين هربوا تاركين عملاءهم يواجهون زخم العمليات الذي كانوا يواجهونه بدباباتهم ومدرعاتهم.
الفرق الآن، هو أن مليشيات "الحكومة" ليست مضطرة إلى إحصاء عدد الهجمات التي تتعرض لها.
المقاومة، بمعنى آخر، ما تزال ضارية. وأحد أهم أدلة ضراوتها، هو أن سلطة الاحتلال فشلت في كسر شوكة أي قوة من قوى المقاومة.
كل الفصائل ما تزال تعمل بالحميّة نفسها، وبالحرص نفسه على بلوغ الهدف. والشرخ بينها وبين مشروع الاحتلال ما يزال على حاله. وهو اليوم، مثلما كان في اليوم الأول للغزو، بحجم المسافة بين الأرض والسماء.
ثمة اتفاق ضمني بين قوى المقاومة على التحرير حتى آخر جندي أميركي، والتحرير حتى آخر عميل أميركي أو إيراني.
هذا هو "ميثاق الشرف". والمقاومة العراقية تنطلق فيه من مبدأ يقول: "باطلٌ كل ما أقيم على باطل".
وهذا هو عنوان الهزيمة الاميركية المطلق في العراق. فكل قرار، وكل مشروع، وكل قانون، وكل اتفاق، وكل انتخاب، وكل إنفاق، وكل حكم صدر خلال سنوات الإحتلال هو باطل.
ولا خلاص للولايات المتحدة، ولا لأطراف المقاومة الوطنية نفسها، من هذا المبدأ.
انه قاعدة الشرف التي لا أرض دونها.
وإنطلاقا من هذا المبدأ، فان قواعد نهاية اللعبة في العراق تشترط، في حدها الأدنى:
1ـ أن يتحرر العراق كليا من الاحتلالين الاميركي والايراني ومن عملائهما، وأن يُزال كل أثر لوجودهما على الأراضي العراقية.
2ـ أن يعود بلدا حرا، سيدا، موحدا، لكل إبنائه من دون تمييز طائفي او ديني او عرقي، بناء على قواعد مواطنة تكفل الحرية والعدالة والمساواة.
3ـ أن يستعيد سيادته الكاملة على ثرواته الطبيعية.
4ـ أن تتم ملاحقة مجرمي الحرب على ما ارتكبوه من جرائم وانتهاكات.
5ـ أن يحصل على تعويضات من جميع الدول التي شاركت في الغزو وأعمال الدمار. وأن يحصل كل الضحايا على تعويضات عادلة عما لحقهم من أضرار.
الكثير مما عدا ذلك قد يكون موضع اختلاف. ولكن الأرض التي تقف عليها المقاومة هي نفسها السقف!
هذا الوضع يَعدُ بـ"أعمال عنف" لا نهاية لها، وبالكثير من المتفجرات تحت الأقدام.
بعض الباطل قد يدوم لأمد طويل عندما تكون قادرا على "تمويل" كلفته، ولكن الأمر يختلف جذريا عندما تقف على عتبة الإفلاس.
الولايات المتحدة التي لم تعد، لأسباب محض اقتصادية، قادرة على تحمل كلفة البقاء في العراق، ولا في أفغانستان، لن تستطيع أن تبقى يوما واحدا إضافيا إذا ما واجهت سلسلة جديدة من العمليات الكبرى، أو الانهيارات السياسية المتوقعة.
لقد علّقت الولايات المتحدة مصيرها كقوة عظمى على أسوار العراق.
تاريخ ما قبل الغزو، الذي ترافق مع نظريات من قبيل "نهاية التاريخ"، لم يعد امتدادا لتاريخ ما بعد الغزو.
هناك تاريخ آخر ينشأ. إنه تاريخ الهزيمة.
والهزيمة تحددت معالمها، حتى لم يعد ممكنا للولايات المتحدة ان تفعل أي شيء لتلافيها.
المسألة مسألة وقت فحسب.
أحد أفضل السبل المتاحة امام الولايات المتحدة هو إلغاء الديون. او بمعنى آخر: إعلان الإفلاس. ولكن هذا سيعني انهيار النظام النقدي الدولي برمته. كما انه سيدفع الركود الاقتصادي العالمي ليتحول الى كساد كارثي قد يستمر لسنوات يعلم الله كم ستطول.
لهذا السبب، يبدو الشركاء التجاريون، مستعدين للتضحية بقسط من أموالهم، مقابل الفوز بالقدرة على تمويل أسواق بديلة وعلى التخلص من الدولار تدريجيا كعملة مرجعية عالمية.
طبعا، اقتصاد ينتج بضائع وخدمات بقيمة 14 تريليون دولار سنويا يظل قوة ضخمة. وتظل في عملته بعض القيمة، أي انها لن تصبح صفرا. ولكن القيمة الحقيقية للدولار قريبة من الصفر على أي حال، ليس بسبب التضخم فحسب، بل لان الولايات المتحدة تستهلك أكثر مما تنتج أيضا. وقد استمرت على هذا الحال لعقود. وكانت قادرة على "تمويل" العجز باموال الآخرين (ودائع وسندات واستثمارات). بيد ان عاملين جديدين دخلا على المعادلة، وهما ما يجعلها معادلة انهيار وإفلاس وإعلان هزيمة: الأول، ان الولايات المتحدة عاجزة عن الدفع. والثاني، ان الآخرين توقفوا عن "تمويل" العجز وباتوا يفضلون البحث عن أسواق تستطيع ان تدفع.
المشروع الأميركي في العراق يحاول ألا يبدو منهارا، ولو من حيث الشكل، وهو ما يزال يلعب بـ"حكومة" تحاول ان تظهر بمظهر الحكومة، ولكن المشكلة لم تعد تقتصر على ما يحصل في العراق وحده.
الانهيار صار موجودا في الولايات المتحدة نفسها. المعركة التي كانت اصداؤها تتردد في مدن العراق، وتحت أقدام الجنود الاميركيين، انتقلت لتكشف عن الثقب الأسود في اقتصاد الوهم الأميركي نفسه، وتحوله الى كارثة.
المقاومة التي حطمت المشروع الاميركي في العراق، حطمت معه قدرة واشنطن على النجاة كقوة عظمى.
لعبة "القوة العظمى الوحيدة" انتهت. و"نهاية التاريخ" انتهت بالخسران.
هل يمكن للمهزوم أن يحدد قواعد نهاية اللعبة؟ هل يجوز له أن يفرض شروطا؟ هل يستطيع يظهر بمظهر القادر على تغيير موازين القوى؟
يمكن للولايات المتحدة أن تحاول. إلا ان مياه المعادلة لن تستقيم إلا على ذلك المبدأ: باطلٌ، كل ما أقيم على باطل.
هذا هو "الدستور" الأخلاقي الجامع لكل أطراف المقاومة العراقية. وها هنا ستسقط "العظمة" الاميركية. وسواء هُزمت في أفغانستان بعد سنة او بعد 20 سنة، فإن النهاية مكتوبة لها في العراق.
عندما يضيع المكسب الاستراتيجي الوحيد الذي وقفت عليه صياغة "نهاية التاريخ"، فإن تاريخا آخر سيُكتب.
هل من سبيل للحوار؟
ربما. ولكن ما من قوة من قوى المقاومة تستطيع ان تخرج من ذلك المبدأ، إلا وتكتب لنفسها الإنتحار.
إزالة الباطل، بكل أشكاله ومعانيه، هو "الحوار" الوحيد الممكن مع الولايات المتحدة.
لقد نفذت الولايات المتحدة مجازر وحشية طالت مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء، ووضعت فوق تلال الجثث والجماجم رموزاً وأبطالاً وعلماءً ومثقفين وخبراتٍ، ووضعت فوقهم صدام حسين، لتقول لنا أي نوع من الحوار تريد!
كانت الولايات المتحدة تعرف جيدا إن صدام، بسبب من موقعه، كان يمكن أن يكون المحاور الأكثر أهلية للتوصل الى "حل مشرف". ولكنها اختارت أن تقتله، لتقتل معه كل فرصة لنفسها للنجاة بغير الإندحار.
لقد تحول الدم الى خط أحمر، ليس في النظر الى الجريمة وحدها، بل في النظر الى المقاربات السياسية منها.
هكذا، صار دم الشهيد، فوق دماء بقية الشهداء، هو الخط الذي تُقارن به كل المحاولات التفاوضية لإنهاء الإحتلال.
أي واحد سيجرّب "حوارا" آخر، خارج الخط، سيقتل نفسه، ولن يغير من النتيجة شيئا.
والسبب أبعد من مجرد الموقف البطولي لزعيم، تنبأ للولايات المتحدة بالهزيمة وبالانتحار على أسوار بغداد. إنه رؤية رجل ثاقب البصيرة. رجل كان يرى، وهو في سجنه، أين سنتتهي الأمور. وعلى عتبتها وضع قدمه، واختار المشنقة!
هل كان صدام حسين "اقتصاديا" يُقلّب أرقام التعاملات التجارية الأميركية وحساب الديون وكلفة الحرب وأعباءها؟
لا أعرف.
ولكنني أعرف أن هذه هي الحقيقة. فالولايات المتحدة تفلس، وهي غير قادرة على دفع ديونها. وقدرتها على الإنتاج لا تكفي لتسديد الديون، أو ردم العجز التجاري المتفاقم، والذي بلغ في العام 2008 نحو 800 بليون دولار، وزادها العام 2009 بنحو 450 بليون دولار أخرى.
والسبيل الوحيد أمامها لرتق الفتق هو إلحاق الضرر بالآخرين بجعل أزمتها كارثة عليهم.
ولكن هؤلاء "الآخرين" يريدون أن يخرجوا من لعبة اللصّ التي تفرض عليهم تحمل أعباء حماقاته ومغامراته العسكرية.
لقد حدد ذلك المبدأ-الدستور وجهة التاريخ. وهي وجهة تقضي بخروج الولايات المتحدة من صف القوى العظمى، لتعود قوة "على قد حالها" بعد أن تترك الديون "تدفع نفسها"، بانهيار الدولار، ومعه القوى المالية التي تربط مصيرها به.
عندما تنهار إمبراطورية، تظهر أخرى، أو أخريات.
ليس من المنطق (كما ترى القوى الناشئة) أن يكون يوم خروج الولايات المتحدة من التاريخ هو نفسه يوم القيامة.
قبل نهاية العام 2009 أصدرت المؤسسة البنكية الفرنسية الكبرى "جنرال سوسايتي" تحذيرالمستثمريها بالاستعداد لاحتمال "انهيار اقتصادي شامل" خلال السنوات المقبلة.
الوثيقة التي صدرت بعنوان "أسوأ سيناريوهات الاقتراض" تقول إن عمليات الضخّ والدعم التي قامت بها الحكومة الفرنسية في العام الماضي، لم تقم سوى بنقل الديون الخاصّة إلى الصناديق السيادية التي تعاني أيضا من تقلّصها، (وهو ما فعلته الولايات المتحدة وبريطانيا على نطاق واسع، وألمانيا بدرجة أقل). وقالت الوثيقة "إن التداين العام فاق بكثير معظم اقتصاديات البلدان المصنّعة، وهذا مقارنة بالناتج الداخلي الخام الذي فاق 350 بالمائة الناتج الداخلي الخام في الولايات المتحدة الأميركية.
وتقول الوثيقة "في الوقت الحاضر، لا أحد يقدرعلى التصريح وبكل يقين بأننا قد تجاوزنا مرحلة الأزمة وانهيار الاقتصاد". وتضيف "في صورة حدوث السيناريو الأخطر سيتواصل تراجع الدولار وستلتحق السوق العالمية للأسهم بالمستوى المتدنّي لشهر آذار- مارس الماضي. كما سيتراجع قطاع البناء وينزل سعر النفط بأقل من 50 دولارا في سنة 2010".
وتقول "حتّى وإن تصورنا أن النفقات ستستقر فسترتفع الديون العمومية وتبلغ مستويات عالية وخطيرة بعد سنتين، وذلك في كل من بريطانيا حيث ستبلغ الديون العمومية 105 بالمائة من الناتج الداخلي الخام ، و125 بالمائة في الولايات المتحدة الأميركية، و270 بالمائة في اليابان. على المستوى الدولي ستبلغ ديون الدول 45 مليون من بليونات الدولارات أي بزيادة تقدر بـ 2.5 مرّة خلال 10 سنين. وذلك بينما نحن أمام شعوب في طور "التشيّخ" (أي أن نسبة المسنين في تزايد مستمر) ولن يتسنى تغطية هذه الدّيون بزيادة الإنتاج".
وتختم بالقول: "تبدو الديون العمومية المرتفعة هائلة ولا يمكن للاقتصاد تحملها بما أننا قد بلغنا نقطة اللاعودة بالنسبة للحكومات".
هل كان صدام حسين يرى، وهو في سجنه، ما نراه الآن، وما سنراه غدا؟
ظني الوحيد، هو أن الشهداء يقرؤون الغيب أيضا.
 
***
 
لقد قتلت الولايات المتحدة صدام حسين. ولكنها قتلت نفسها أيضا عندما أقفلت المفاوضات على مواقفه وكلماته وتنبؤاته. ومنحت حزبه، وكل الوطنيين، الأسطورة والنصّ الذي كانوا بحاجة اليه.
اليوم، تواجه الولايات المتحدة وضعا يائسا من جميع الوجوه. ولكن ماذا يفعل اليائس؟
إنه يحاول.
جزءٌ من المحاولة يُجبرها على البحث عن خطوط اتصال مع أشرس أعدائها.
في أفغانستان لا تخفي الولايات المتحدة رغبتها بالتفاوض مع "معتدلين" من طالبان.
طالبان قالوا: "كلنا طالبان، لا يوجد معتدلون".
وتحاول واشنطن أن تجد سبيلا للتفاوض مع حزب البعث العربي الاشتراكي، ومع أطراف اخرى من المقاومة.
هل تنجح؟
هذا هو رابع المستحيلات. والسبب هو إن قاعدة الـ 6 كلمات (باطلٌ كل ما أقيم على باطل) انتهت لتكون عائقا أبديا بينها وبين تحقيق أي مكسب في العراق. الهزيمة لا بد وأن تكون نهائية وتامة ومطلقة.
تلك هي الأرض. وهذا هو السقف. حتى ولو أطبقت. ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تغير شيئا من القدر حتى ولو نطحت رأسها بألف حيط.
إنه الدستور الأخير الذي وضعه الشهيد أمام كل وطني. ولكي يستحق البعثيون مكانتهم المتقدمة بين الوطنيين، فإنهم آخر من يمكنه التراجع عن كلمة من كلماته.
حزب البعث هو الحزب الوطني الأكبر والأكثر نفوذا وتأثيرا في العراق. وهو عصب رئيسي للمقاومة المسلحة، والوحيد الذي يستطيع أن يجند مقاتلين في كل ركن من أركان العراق.
وهناك أسباب كثيرة لهذا الواقع. أولها، أنه حزب له سجل عريق في تاريخ العراق السياسي. وثانيها، أنه حزب متمرس تنظيميا ومتماسك عقائديا، ولديه هوية ورؤية واضحتين. وثالثها، أنه قاد السلطة لـ 35 عاما سجل خلالها سلسلة طويلة من الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تُضارَع في أي مكان آخر في الوطن العربي. ورابعها، أنه، بتعدديته الاجتماعية، يجسد وحدة العراق الكيانية. وخامسها، أنه حزب تنطوي قواعده على صرامة شديدة. وسادسها، أن صدقيته الوطنية تعززت بثباته الجسور على المبادئ. وسابعها، أنه اليوم حزب شهداء ومقاومة أكبر مما كان في أي وقت مضى.
و"العقائدية" في هذا الحزب العملاق، تناظر الإيمان. وهذا مصدر للتماسك يجعله أصلب من الصخر.
اليوم، تتعمد هذه العقائدية بالدم، وبالموقف الشهم والبطولي لمئات الآلاف من الأسر، كما تتعمد بالكثير من القيم النضالية التي تلهب حنايا المقاتلين وتدفعهم الى تقديم التضحيات من دون حساب لـ "العراق العظيم". وهو عراق يعظمونه بعظمة موقفهم الوطني وبسالتهم فيه. وهم يعرفون أنهم صنعوا أسطورته المعاصرة. ولئن خسروا "عشبة الخلود"، فإنهم لن يكفوا عن المحاولة.
جادل فيه ما تجادل، ولكن هذا حزبٌ لا يهون، ولا يخون، ولا يمكن اجتثاثه من بيئة العراق السياسية، ما بقي متمسكا بقيمه ومبادئه الوطنية.
كل ما كان ينقصه قبل استشهاد صدام حسين هو الأسطورة. وها هو يحصل عليها. الأميركيون قدموها ليؤكدوا أنهم، بها، لمنتحرون.
حزب واحد فقط كان، في وقت من الأوقات، منافسا حقيقيا لحزب البعث، هو الحزب الشيوعي العراقي. ولكن هذا الحزب انتهى من حزب معادٍ للإمبريالية الى حزب عملاء يتواطؤون مع الإمبريالية ويمشون وراء دباباتها ويبررون لها جرائمها. بل إنه دخل في المشروع الأميركي من أوسع أبوابه الطائفية! ولم يفُتْهُ، زيادة في "العلمانية" المزيفة، أن يضع الماركسية اللينينية على رفّ اللطم على الحسين (بيعا "للتقية" في حارة السقايين)، حتى صار "المقتل" هو النشيد الثوري بدلا من "البيان الشيوعي"، وحتى صار سؤالهم اللينيني هو "ما القبض؟" بدلا من "ما العمل؟".
ومن حزب كان يهز أركان الأنظمة، انتهى الى حويزب صغير، لم يتمكن أكثر من إيصال شخصين الى "برلمان" العملية السياسية التي انخرط فيها بحماسة إياد علاوي وتحت عباءته!
اليوم إذا كان العراقيون يعانون من "نوستالجيا" لسنوات الرخاء والإزدهار والأمن والتقدم، فالحقيقة هي أنها "نوستالجيا" بعثية.
دستور الـ 6 كلمات ارتفع إلى مصاف المقدس لكل مقاوم وطني. إنه نصّ الدستور الأخلاقي الوحيد الذي يحفظ حقوق الشهداء على الأحياء، ولن يستطيع أحد أن يغيره او يعدل في مضمونه.
لقد دارت الامبراطورية الأميركية الكرة الأرضية كلها بالقهر والهيمنة والطغيان، ولكنها جاءت الى أرض لا تقبل الباطل، ولا تتعايش مع الجريمة. فكتبت لنفسها الانتحار.
وبالنسبة للمقاومين، فقد يناور من يرغب بالمناورة، لكي لا يفقد فرصة لضرب الحديد ساخنا، إلا أنه لا بد له في النهاية من أن يقوّم مناورته مع السقف. والسقف لا أرض دونه. هو الأرض التي منها نبدأ.
إنها 6 كلمات ولكنها، إذ سجلت بداية انهيار إمبراطورية الهيمنة الكونية، وحددت قواعد نهاية اللعبة في العراق، فقد كانت كافية لتضع نهاية لـ "نهاية التاريخ".
ومن أجلها وقف الشهيد على شرفة الأبدية، واختار حبل المشنقة.
كان يرى ما لا نراه.
 
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* فصل من كتاب بعنوان "على مشارف الحرية: العراق والمقاومة ودولة المستقبل" يصدر قريبا.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد