إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

لا، لم تخدعني الجزائر … بقلم: علي الصراف

Algiria555555

 

الجزائر. كيف تراها؟

آه. انها أرضُ حريةٍ أولاً. بلدٌ سقى استقلاله ببحرٍ من دماء المجاهدين، فعاد لنا مجيدا وزاهيا.
انها أرضُ مقاومةٍ ضد الغزاة. عنيدةٌ. شرسة. لم يفلتُ الهدفُ من عينيها أبدا. فسقطوا، وما سقطت. وحتى في أحلك الظروف ظلت تُنجبُ أحراراً. وصاروا أجيالاً. بل صاروا جبالا تشمخُ بإباءٍ وشممٍ لتُعلمَ الكونَ كله درسا في البسالة. ولكي تظل أرضَ حريةٍ، فقد ظلت، حتى بعد الجهاد، تُجاهد.
سطّر أبطالها من قيم الموقف النضالي الصارم ما أصبح قاموسا في سجلات المقاومة.
يوم قال احد كبار مجاهديها لمفاوضيه الفرنسيين: "أشرف للجزائريين أن يكونوا موتى من أن يكونوا فرنسيين"، ارتعدت باريس، وشعرت بغداد انها على شممٍ، وان أهلها في الجزائر، أهلُ قمم.
ويوم قال شيخ مجاهد آخر: "والله لو قال الفرنسيون، لا إله إلا الله محمد رسول الله، لما قلتها"، ادرك الغزاةُ انهم على هزيمةٍ مهما فعلوا. وأدركت بغداد ان لها في الجزائر ضميرَ حريةٍ سيُعلمها كيف تنشيء جبهةً للتحرير كـ"جبهة التحرير" و"هيئة علماء المسلمين" كـ"هيئة علماء المسلمين"، تستلهمان (من تاريخهما) موقفاً بطولياً وتناظر!
اليوم جاء الدورُ على شيوخ المقاومة في العراق ليرددوا ما رددته الجزائر: والله لو قال الاميركيون "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، لما قلناها.
وشيوخ المقاومةِ في العراق، بالمناسبة، جزائريون كلهم. علمانيون ورجال دين. قوميون ووطنيون، جاءوا الى معركة الحرية من كل فجٍ عميق. حجّوا الى أرضِ جهادٍ هي في عينهم بغداد وجزائر. ولدينا اكثر من خمسين فصيل جهاد، جزائريُّ الروح والهوى. ولدينا من الشهداء ما يجعلنا نرفع من أنوف الفخر ما يكفي للقول: ها نحن جزائر!
مشعلٌ للحرية، هي الجزائر.
أرضٌ، كلُّ ذرةٍ من ترابها كانت تجاهد.
لم تخطئ الجزائر. ولا ارتكبت، من أجل حريتها، جرماً. كانت ضحية احتلالٍ ظالمٍ، وغزوٍ همجي، ومشروع استعماري منحطٍ وسافل. فانتفضت لتحارب بأعز ما لديها. خرجت لتجاهد بأبنائها الذين حوّلوا دماءهم الى شلالٍ هادر. وهو شلالٌ ما تزال اصداؤه تهدرُ لترعبَ ثقافة الجريمة في فرنسا وتسخر من عنصريتها.
هذه هي الجزائر. تبنت المقاومةَ عملاً وفكراً، وحولته الى إيمان. حتى صارت الحرية فيها نوعاً من عبادة، وأمام محرابها صلّى الملايين.
شهداؤها ما يزالون أحياءً… في ضمائرنا، وعند ربهم يرزقون.
لم تخدعنا، بحريتها، الجزائر. ولا هي غررت بنا عندما ذهبت لتجاهد.
لو خُيرتُ بديلاً عن بغداد، لاخترت الجزائر. فبغداد حريتي، كما هي الجزائر. وهي بيتي وأرض صلاتي. لانها، بما سقت من دماء، قُبلة الأحرار وكعبتهم. انها أولى القبلتين، وأول الحرمين الشريفين للحرية.
هذه هي الجزائر.
ولكن، عندي سؤال لمن قد بقي جزائرياً في الجزائر: اليوم عندما تحاكم الجزائر شابين حاولا التسلل الى العراق من اجل الالتحاق بالمقاومة، وعندما تُصدر محكمة الجنايات بمجلس قضاء العاصمة الجزائرية حكماً بالسجن 3 سنوات بحقهما، فهل هذه هي الجزائر؟
الجزائر آخرُ بلدٍ في العالم يمكنه ان يُحاكم "مجاهدين" حاولوا التسلل من اجل الالتحاق بمقاومة ضد الإحتلال.
تُخزي نفسها الجزائر، لو انها فعلت. وتُخزي تاريخها. ولا تعود كما عهدناها… قمة حرية شمّاء، ولا تعود جزائر.
لو كنتُ محاميَ دفاعٍ من أجل الاستئناف ضد الحكم، ما كنتُ لأفعل غير أن استخدم الحجةَ نفسها التي استخدمها الإدعاءُ ضد المتهمين.
فهو قال إن "المتهمْين تشبّعا بفكر الجهاد منذ العام 2003 عقب سقوط بغداد على يد الاحتلال الأميركي وحاولا السفر إلى العراق عبر الحدود السورية من أجل الانضمام للمقاومة العراقية".
بالله، وماذا كان يفعل عبدالعزيز بوتفليقة – المجاهد؟
بالله وماذا كانت تفعل الجزائر عندما "سقطت الجزائر على يد الاحتلال…"؟
"سقوط بغداد" هو نفسه "سقوط الجزائر". و"الاحتلال الاميركي" هو نفسه "الاحتلال الفرنسي"، وكلانا كان يتسلل عبر الحدود متشبعا بفكر الجهاد، ليجاهد.
هذا الفكر، هو نفسه الجزائر. انه فكرُ الحريةِ الذي علّمنا كيف نُصلي أمام ذاك المحراب نفسه.
فهل نسيتِ يا جزائر؟
لا أعرفُ من أي جيلٍ جاء ممثلُ الإدعاء، ولكني سأوكّل عليه أباه وأمه وعمه وخاله وأخاه الأكبر، وسأوكّل عليه أبطالَ جهادٍ ما يزالون احياءً في ضمائرنا، ولو كانوا عند ربهم يرزقون.
كان من الأولى بممثل المحكمة الجزائرية، لكي تستقيم التهمةُ مع نفسها (لا مع الجزائر) ان يقول "تحرير بغداد" بدلا من أن يُقر بسقوطها، وان لا يُسمي الاحتلال الاميركي احتلالا. ساعتها ستكون التهمةُ مفهومةً. أما أن يقر بسقوط جزائر تحت سنباك احتلالٍ جائر، فوالله انه يدين نفسه، لا هذين الشابين اللذين يحقُّ لهما القول: لقد خدعتنا الجزائر.
والجزائرُ لم تخدع أحداً.
انها أرضُ حريتنا. وأرضُ شهدائنا. انها بغداد التي لم تسقط، والتي ما تزال وافقةً على القمة الشمّاء تشيعُ فكراً يُجاهد.
قلبي يقول لي: انها جزائر.
وقلبي يقول لي ان الشابين لن يمضيا في السجن يوما على أرض سقاها مجاهدون بشلال من دمائهم.
لم تخدعني الجزائر. ولا خدعت نفسها. انها أرضُ العراقيين التي من أجل حريتها بكوا واقتطعوا من لقمة عيشهم لتُحارب.
ولانه مجاهد. فسأطلبُ محاكمته، هذا العزيز عبد العزيز نفسه. بتهمة انه أبو حريةٍ، وأبو جزائر. حتى إسمه تهمة مما كان يفعل المجاهد. وإذا جئتُ الى أرضه يوما، فسأطلب أن يُحاكمني. لاني سأدخل الى محراب حريته متسللا لأصلي، ولكي أواصل الانتسابَ الى فكره المجاهد. وسألتقي بارهابيين فقط من رفاقه. وسأقول له: انصب لنا محاكمةً، لنُحاكم الجزائر!
قبلتُ الخديعةَ مليون مرةٍ.
كلُّ عواصم العروبة كان يمكنها أن تخدعني. ولكن، لا. لم تخدعني الجزائر.
 
 
 

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد